نظريات فنية مختلفة هندسيا تشبه اختلاف كل حرف وتقاطعه

ضحى عبدالرؤوف المل

ينطلق الفنان " حسن المسعودي" من حرارة اللون نحو برودة الفراغ في فضاءات هندسية، تتخطى المكان والزمان وتتكىء على لحظة زمنية لأحرف ولدت محاطة بالحركة، وخرجت بتنوع بصري متشظي ثلاثي الأبعاد، وتشكيل في فراغ يوازي الكتلة لتظهر مرئية، وكأنها ذات حركة ضمن بنائية هندسية مركبة، ومرنة بوعي يتجلى في اتساق الخطوط، والقدرة على الإيحاءات التصويرية التي تجسد الفكر الهندسي الديالكتيكي ، وكانه يوحد بين الخط والإنسان،فيدمج إيحاء الحرف مع حركة الضوء المتأثر باللون، ودرجات الطول الموجية، المنسجمة مع الفكر الفلسفي وسيكولوجية الكشف الخيالي ، عن واقع ما هو إلا نظريات فنية مختلفة هندسيا،تشبه اختلاف كل حرف وتقاطعه، وتلاحمه وتجانسه مع الآخر، لنشعر بروح الكلمة وارتباطها بالإنسان من حيث قوة كينونتها وجمالها الشكلي والمضموني واستحالة فصلها عن المعنى والأسلوب.

أشكال وظفها فنياً لتحدد ماهية الشكل من خلال المضمون العميق للكلمة، وعدد أحرفها والمضامين الجمالية المختلفة ، والتلاعب بعناصر الشكل مع الحفاظ على التوازنات الجمالية بين المضمون والشكل، فيضع كل ذلك في قياسات تلتزم بالفكرة والقدرة على تنفيذها بنائياً ،وكأن الرسومات هي تصاميم ذات مادة تستجيب بليونة لقساوة الخط، فنشعر كأنها منحوتة سابحة في الفراغ مع الالتزام بالانضباط الحسي، والنظرة الجمالية الملائمة تشكيلياً وتكوينياً ، فالتركيب الهندسي عند " حسن المسعودي" شبيه بالنحت ويقترن بالإيقاع ،والترابط الشديد. بل المتآزر والمتآخي مع تكنيك اللون وتجانسه ،وارتباطه بالمقاييس الحسية ،وهذا ما يرفع من القيمة الجمالية البعيدة عن الغلو، فتغدو العلاقة بين " حسن المسعودي" والرائي تتوازى من حيث التفاعل والتأثر والتأثير، والتعبير الديناميكي الحي الغني وجدانيا بالتصورات الذهنية وأبعادها الفنية.

تداخل لوني متزن بكل درجاته الطولية، فالشكل البارز في أعمال الفنان " حسن المسعودى" هو انعكاس ضوئي للكتلة، يسبب إثارة بصرية ترفع من قيمة الخطوط الأساسية والجزئية،ولحظتها الحركية التي ولدت منها، فنشعر بقوة الشكل الأساسي المتوازي مع قوة اللون باعتبار الكلمة كائن حي، وجزء لا يتجزأ من كل متكامل متناغم المعنى. الموجود سردياً في اللون ، وكأنه يبني خيالياً من خلال ما نراه في الواقع مجسداً في لوحة كأنها مجسم يرتفع في الهواء، ليزداد الاحساس البصري بالشكل الجوهري، وتعبيراته الإيحائية ذات القواعد الهندسية الخاصة.

حروف متنوعة لها إيقاعاتها المتناغمة مع اللون والشكل المعاكس تكعيبياً، والمعتمد على المنظور الحسي والتعبير البصري ، الازدواجي المتسم يرؤية حيوية تجمع الإحساس بالحركة ، والتجريد الهندسي المثير للإدراك والانتباه من حيث الفراغ التشكيلي، والأجزاء المتنافرة والمتلاحمة، مما يجعل البصيرة قادرة على التميز بين حرف وحرف، وعلى التطابق والصلابة بين الكلمة وانزياح حركتها التشكيلية، الديناميكية من خلال الزمكانية والتكوينات المرئية اللانهائية المفتوحة فنياً نحو الضوء والظل ،والخطوط الانسيابية الموسيقية غير المسموعة ،والجامحة بعلوها وارتفاعها بخصوصية تقنية تحمل بصمات فنية خاصة بالفنان" حسن المسعودي."

ما بين الخط المستقيم والخط العامودي إيقاعات ذات مفاهيم رياضية، لها متناقضاتها صغير وكبير، هبوط وارتفاع، يمين وشمال، مغلق ومفتوح، مما يجعلها مركبة بتراتيبية تصميمية ، كأنها تصميمات لفن حركي صامت يشبه فن الباليه التعبيري الراقص حيث تتحد الألوان مع الخطوط المتصلة بالفكرة، وكأن العمل الفني عند" حسن المسعودي" عمل يبدأ من الكل إلى الجزء، والتناغم المترابط مع الكل من فكرة ،ويد،وريشة ،ولون، وخط ، لنشعر بتدفق المشاعر والموسيقى الإيقاعية لكل حرف، والحركة الراقصة المتمايلة بمعايير هندسية متصلة بالخيال الحسي ،فالكلمة تشكّل مسارات تمتزج بفونيمات العناصر الفنية المتآلفة ذات الأبعاد الفراغية، والفواصل المتباعدة متخذاً بذلك صفة شرقية لها نظرتها الغربية منطلقا نحو المحاكاة الجامعة لأن اللوحة مقروءة إيحائياً وتعبيرياً وهندسياً، لتبدو أمامنا كخشبة مسرح لفن حركي ايمائي راقص.

يقول بيير ريفيردي :"بأن الصورة خلق ذهني خالص.لا يمكن أن تولد من مقارنة، بل من مقاربة واقعين متباعدين بنسبة أو بأخرى، وكلما كانت الصلات بين الواقعين المقاربين بعيدة كلما جاءت الصورة قوية، وكلما زادت قدرتها التأثيرية زاد واقعها الشاعري."

بناء حروفي يتجاوز اللغة البصرية والحروفية، ويضعنا وجدانياً أمام مخيلة تعبيرية لها محاكاتها المؤثرة على حواس المتلقي ، والمؤنسة للفكر المنفتح والبناء بتلاوينه الحسية ،والمرئية والملامح الشفافة للألوان الأساسية الحارة والباردة، وكأن كل الحروف كائنات كونية تحمل صفات الكواكب من عتمة وضوء، وتقارب وتباعد ،وقدرة على الحركة البعيدة والقريبة، مما يستدعي الحواس للتفكر بجمالية الشكل الهندسي،ومميزاته الانفعالية واللونية ودلالته الرمزية المأخوذة من المربع والمستطيل ،والدائرة النابعه من نزعة خيالية تأخذنا حيث الألوان الساطعة وبريقها الجوهري الشبيه بالوجود الإنسانى،والعلاقات الاجتماعية وفعاليتها ، وما يصدر عنها من حركة داخلية وخارجية،والقدرة على توظيفها للون رؤيوي واسع الخيال، مكوّن للكتلة المحورية في اللوحة وتشكيلها الحسي ، المتداخل نغميا لتراه العين بجمالية لها مقاييسها الإبداعية.

الإحساس ببلاغة الحرف وقدراته المتباينة والمتناقضة في أعمال الفنان "حسن المسعود"

تنطق حروف الخطاط والفنان "حسن المسعود" بخوالج الحركة المبطنة بفراغات يشحنها بمستويات بنائية ذات فضاءات متخيلة هندسياً،وببلاغة خطوط ذات قيمة بصرية لها تأثيراتها الفنية الناطقة بالحركة، وبصياغة إبداعية تتضمن دلالات ومعاني الحروف بشكل مستقل، وبموضوعية تتضافر فيها الانفعالات الذاتية الناتجة عن الإحساس ببلاغة الحرف وقدراته المتباينة ، والمتناقضة في خصوصياتها المماثلة حسياً وعاطفياً وعقلياً ،وبديناميكية الإيحاءات المنسجمة مع فصاحة الحركة وجمالياتها التخيلية التي تفصح عن خطوط إيقاعية تعبيرية في انحناءاتها والتفافها،وبما ينسجم مع شكل الحرف ومساراته،ومعاييره المتوافقة مع الألوان والضوء والظل، لزيادة القدرة التأثيرية بصرياً على المتلقي، وبما يتناسب مع مساحة اللوحة وفضاءاتها التخيلية المؤثرة على الحجم والشفافية. إذ يمثل الحس الوجداني جمالية بيانية جديرة بمراعاة خاصية الشكل والبناء الذي ينم عن مخيلة ابداعية يمتلكها الفنان "حسن المسعود "والتي تعتمد على محور الشكل المتخيل فنيا،وطبيعة التكوين البنائي للحرف العربي.

مضامين حروفية عميقة في تشكلها ورؤاها وفي تناولها فصاحة الشكل وليونته ، وارتفاعه وتشظيه ضمن الأبعاد الثلاثية التي يتخذ منها "حسن المسعود " توازنات محاطة بفراغات ذات ثقل يترجمه من خلال اللزوجة في اللون والإيقاع في الخط، ضمن درجات طول يتلاعب بها بفن حركي بصري ذي نظم تصويرية وتراكيب بنائية تسيطر على اتجاهات الحرف، ونسيج تكوينه الخاص ليمثل في تخيلاته تشبيهات إيحائية تؤدي دورها في خلق معطيات الصياغة المتنوعة هندسياً والممتزجة بعاطفة اللون والحركة والظل والخيال، وضمن حرف يرسمه بتفاوت جمالي ومعنوي خاضع لمعايير الدقة والاختزال والأبعاد المدروسة تبعا لشكل كل حرف ورؤاه.ضمن اختلاف المعنى والتفاوت بين النسيج الحروفي الرفيع والعريض لكل خط يقدمه ويعزز به فكرة الحرف البنائي والهندسي المحاكي عالميا كل متلقي.

ما بين الإيقاعات الداخلية للحروف والإيقاعات الخارجية تتضح التلوينات الحركية المتمايلة مع الإحساس وحركة اليد، والقلم واللون،وبتتابع بصري يستمد بنيته الجمالية من المعنى والمبنى ، ومن تسخير التكرار الإيقاعي في تأليف الفضاءات التخيلية، المهيمنة على إيحاءات صوت الحرف الناتج عن ليونة الخط مع الحركة ومعناها، وتزاوجها من خلال العناصر الفنية الخاضعة لتكاتف الفواصل الفراغية ذات الفوارق التشكيلية إن من حيث الحرف وقيمته التصويرية أو الحركة ودلالاتها الإيقاعية متخطيا بذلك زمكانية اللغة التي يجعلها كتلة مرسومة بفن ذي مقامات مختلفة . يتوحد معها الفكر الإنساني لغة وبصرا ، وكأنه يجمع من لغة الضاد هندسيات تلتزم بالانضباط الحسي وبالعص الذهني الذي يتأثر بالأشكال والألوان وحركتهما معا.

مفاهيم رياضية يفتحها الخطاط والفنان "حسن المسعودي"على كافة

الترجمات الحسية منها والملموسة، وكأنه على مسرح الضاد يقدم حكاية لغة كونية لها موازينها البصرية وإشكالياتها الخاضعة للتجانس والانعكاس الضوئي، لكل خط يجسد الشكل من خلاله إيقاعاً بصرياً له ليونته المميزة وقساوته الأفقية أو العامودية المخفية عبر نقاط محسوبة وفق أبعاد مخطط لها في تصاميم كل حرف يرسمه أو كل كلمه يحاول تركها في دائرة فضاءاته المتخيلة، وامتداداتها الداخلية والخارجية المرتكزة على الإحساس بالخط والقيمة الجماليه فيه ووظيفته الدلالية ذات الحيوية بمكوناتها الهندسية المرتبط ببنائية الحرف وتماسكه البصري عبر جوهر الشكل وقوته ومتانته المتآخية والمتشابكة مع بعضها البعض عبر نسق فنية متأنية في تعبيراتها وإيحاءاتها التخيلية ليجمع بذلك بين المعنى والمبنى والأضداد بتناغم وانسجام وبخصوصية بصمة هي للفنان والخطاط "حسن المسعودي" القادر على كسر رتابه الخط وقواعده من خلال الحركه وتناغمها مع موسيقى الخط وعمق أبعاده الجمالية.

Doha El Mol