أعمال الفنان جان بول باريت أسلوب فني لمحاور بصرية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتميّز أعمال الفنان الفرنسي جان بول باريت (Jean Paul Baret) بنقاء بصري ذي صياغة رقمية، مما يحقق ديناميكية في حركة الخطوط، والحركة الفراغية في فضاءات افتراضية تميل إلى التأليف الداخلي بتوسيع فني يمنح المساحة مساحة أخرى افتراضية ذات حوارات لونية تتأرجح بين الشكل والحجم في الخط، وبحيوية تميل إلى خلق المرونة في الانعكاسات، مختصراً ردود الأفعال بالتصميم، ليتذبذب البصر معها، وبتنظيم مسارات الخطوط بدقة، لتكوين عدّة أشكال في رسم واحد حدّد نقاطه واتجاهاته، وحصره في الاتجاهات المعاكسة للون، مما يسمح له إجراء تحليلات مرنة تجعل من التماثل بؤرة بصرية محفّزة حسّيا لالتقاط إشارات الشكل الخفي الذي لا يتطابق مع الظاهر، وإنما بتضاد معه إدراكيا في عدة مسارات فراغية محتملة تجعله لا نهائياً، ويمكنه افتراضياً أن يكرّر نفسه ويمتد إلى ما لا نهاية، كعجينة ورقية تمتد وتنقبض، إلا أنها تشكّل مساحة للخطوط الحركية التي يرسمها وفق مواقع افتراضية تمثل سلوك الخط في اتجاهات اللون أو الفراغ، ليتم رؤية الشكل وفق خدعة بصرية يتقنها فنيا. فهل مواقع الخطوط المدركة هي ظل الخطوط اللونية الأخرى؟ أم هي لعبة الخطوط على الأوراق وأسلوب طيّها عبر مساحة بصرية افتراضية تتعدّد الأشكال فيها، وبالتالي تمنح الحجم قيمة مضافة بالنسبة للمساحة؟ فهل هذه الرسومات حسّاسة بصرية وتؤدّي دورها في التفكّر والتحليل؟
كل خط هو انعكاس للآخر، وكل شكل داخلي هو آخر خارجي بمعنى خلق معادلات بصرية ذات طابع هندسي، وبعبارة أخرى هي ديكورات يصممها لتتواءم مع المساحة الداخلية، أي يرسم الداخل من خلال الخارج، ليتلاعب بالمساحة الضيقة، ويمنحها اتساعاً أو العكس، وبمفهوم رياضي يخدع البصر ويشكّل مثالاً صارخاً للتعبير عن قيم ثنائيات اللون والخط بين الواقع الملموس والافتراضي، أو المساحة الموجودة والأخرى المتخيّلة، ليختلف بالمعنى في التصميم، فيستبدله رقمياً بما يتوجب وجوده الواقعي ويصبح ديناميكياً على عكس ما نراه كخدعة مصدرها الخطوط ونغماتها والألوان وتغيّراتها، لفهم الاختلافات الناتجة عن الفضاءات الافتراضية والأخرى الموجودة على الورق. مما يسمح للعين بالتحليل الإدراكي وخلق صورة أخرى تضاهي الحقيقية، باختزالات حيوية هي وعي للفراغ الناشئ عن تكرار الخطوط واتجاهاتها، وبخصائص تجعل كل خط مدرك هو ظل لسواه، وبهذا يفتح المنظور البصري على مداه، لنشعر أن كل شيء يمكن تصغيره وتكبيره إلى ما لا نهاية وفق الملامح التي يحدّدها للوصول إلى الشكل الأساسي دون خداع للبصر على الرغم من التناقض بين حركات الخط واللون والتوازي أحياناً والبُعد بين الخطوط . فهل من إثارة بصرية تسمح بتحويل أعماله إلى مجسّمات خارجية سابحة في الفضاء؟
أسلوب فني تنظيمي لمحاور بصرية يجعل منها «جان بول باريت» نظريات فنية تحقق لمخيّلته موسيقى هندسية ذات نغمات رياضية خاصة في فوائدها البصرية التي تمثل أهمية الخط في خلق فضاءات مدركة موجودة حتى الافتراضية منها. إذ دون الخطوط التي تتلاحم مع المفاهيم الأخرى لا يمكن التقاط الحركة الأخرى التي تجسّد علاقة الداخل بالخارج، وتمنحه صورة تتنوّع فيها مفاهيم التصميم أو نمو المساحة على المساحة الأخرى، وأتمنى في هذا المقال إني وصلت إلى تحليل مفهوم رسوماته أو تصميماته الفنية، لأنها وضعتني أمام الفن الذي يتمتع بتنسيق يتعارض ويتماثل ويتآخى مع اللونين تحديداً الأبيض والأسود، ويسمح للألوان الأخرى أن تساعد في إبراز الشكل أكثر وأكثر، وبابتكار دينامي مرئي يستلزم التحديق والتأمّل والتفكّر من الرائي.فهل الجذب البصري نحو محورية البناء الهندسي هو الهدف الأساسي في أعماله ؟
يلتقط الفنان مشاعر اللون بأسلوب بصري يجذب الكثير من الإحساس نحو الشكل . إذ يبرع بأسلوب الجذب البصري نحو محورية البناء الهندسي في فضاءات تتسع للخيال وللحقيقة الفراغية التي تتحرر فيها الأشكال، وتتكون عبر مؤثرات مختلفة يقيس بها مدى الجاذبية البصرية في كل عمل يسقط عليه النقطة المحورية لتشكيله، وفي هذا يجمع "بول باريت" بين الفن التشكيلي والفن الفوتوغرافي، وإن اتخذت لوحاته قيمة مختلفة ومسميات أخرى. إلا أنه عند دراستها تجد أنها قائمة على مبدأ النقطة المحورية في بداية كل شيء. لكنه أيضاً يستطيع تحديد الشكل قبل البداية في فضاءات الخيال الضوئية تحديداً . لكنه يقدمه كمعادلة فيزيائية لخط البصر الذي يجمع عليه مفاهيم الجمال عبر المتخيل الهندسي في الفضاءات المفتوحة الأبعاد، وفي هذه اللوحة تحديداً المرافقة لهذا المقال وهي موضوع غلاف كتابي هذا، نلمس مدى جاذبية العين للعنصر الهندسي واللوني معاً ، مما يعزز القيمة الجمالية للجذب البصري الذي يرافقه تنوعات الخط. فهل الجذب البصري هو المعنى الممتع حسياً للجمال بجميع مدركاته الحسية والبصرية والفنية وغير ذلك؟
تتنوع الرؤى الفنية وتثير زوبعة فكرية مصحوبة بتساؤلات ينبغي تحليلها عبر خاصية الشكل ومعناه عند تغيرات اللون الأصفر الذي استخدمه مع الأسود في هذا الشكل الهرمي إيحائياً. أو حتى وظيفته التي نستنتج منها خاصية المحور، والقدرة على جمع الضوء وتسليطه على الأشياء الغامضة في الفضاءات المفتوحة الأبعاد. ليجعلها مرئية ويجذب البصر نحوها بحنكة، وكأنها يلتقط عدسة ضوئية ليجعل من المجهول معلوم ، ويستطيع المتأمل للوحته استنتاج عناصر الجمال في هذا النوع من الفن بكل تفاصيله الساحرة ومتعته البصرية التي تجعلنا نفترض الكثير من الإسقاطات بالنظر إلى المتخيل ، وانطباعاتنا ذات الجوهرالاستنتاجي بتفاصيله الخاص بالفن التشكيلي قبل أي شيء آخر. فهل سحر اللون والضوء يلعب قوة بصرية ذات أهداف هندسية وعملية في إدراك الممتع للعين والرؤية المثالية للشكل خاصة ذلك الذي يحث على تحفيز المدركات للوصول إلى الرؤية المثالية للجمال؟
ما يسحرنا في اللوحة هو التأثير الجمالي للون على الشكل أو منح الشكل عدة أبعاد وتفسيرات لها الظل المخفي أو غير المنظور مباشرة أو بمعنى آخر الافتراضي .فالجمع بين الأصفر والأسود مع الشكل المتماوج هرمياَ أو تكوينياً والمفتوح الفضاءات، وكأنه ينتشل النور من الظلمة أو يعيد فعل الضوء والعتمة بجميع تدرجاته، وحتى درجات السطوع ، وربما في هذا نخدع أنفسنا زمنياً لأن المكان هو الحقيقة الفعلية على جميع المؤثرات البصرية، وما من تغيرات فيه إلا بمعادلات الضوء المسلط على المحور . لهذا قام "جان بول باريت" بتحديث الفكرة بمتغيراتها اللونية (نفس الشكل باللون الزهري) بين الأصفر والأسود مع فارق الوميض الأزرق والأبيض القليل أو النادر في الكم ، ورغم بساطة الشكل الذي يوحي بطي الورقة أو طي الكثبان الرملية أو حتى المقعر وضده أو حتى ميلان خط ، وما بين المربعات والمثلثات وخطوط الأفقي والمائل تتشكل المعاني باختصار نشعر به تجاه اللون والخط معا ، فهل التذوق الفني يصبح أكثر دقة مع اللون الأصفر وتأثيره الخاص على قيمة الضوء في تحفيز السطوع؟
تستمد هذه اللوحة تأثيراتها الجمالية عند التركيز على مستويات الشكل الممتلئ في الوصول إلى أقصى درجة من الرؤية الجمالية القائمة على مبدأ الملامح التوضيحية التي يتولد عنها عدة ملامح مفتوحة التأويلات خاصة عند إسقاط الضوء بدرجات خفيفة دون ينحسر كما الضباب. بل يزداد تدريجياً إلى أعلى المستويات، وكأنه يجعل من العين عدسة تميل إلى التقاط التأثيرات الجمالية التي قد تعجز عنها الريشة الكلاسيكية في مبادئها الفنية . فهل يحاول تصحيح اكتشاف الحضارات وفهم درجات الضوء وتأثيراته على المكان باختلاف تضاريسه، ليحقق بموضوعية فهم معنى الجذب البصري في الفن التشكيلي والفوتوغرافي معاً وحتى الديجيتال والأنواع الأخرى .وهل الخطوط والألوان الواضحة هي التي تبرز قيمة الشكل المتخيل والواقعي أو بشكل مختلف الافتراضي اللامنتهي عن بقية الأشياء؟ أم أن اللوحة ترمز إلى المجال البصري المفتوح على فضاءات الرؤية بغموضها وتحليلها للوقوف أمامها وتأملها ؟
يعزز" جان بول باريت" قيمة اللون ومفارقاته مع الشكل بمعنى استخدام لون آخر مع الشكل نفسه في لوحة أخرى . فهو يشير بذلك إلى كمال اللون في الشكل نفسه ، مما يجعلنا ندرك الصفة الجوهرية في أسلوبه ذي المفاهيم التي يكشف لنا من خلالها التأثير الجمالي على المتعة البصرية الموجودة في الحضارات السابقة، كأهرامات مصر في فترات متعددة من ضوء الشمس في الفصول المختلفة، وكذلك في الظلمة وتأثيرها على الشكل ، مما يكشف عن نقاء المادة عند وجودها وحتى تخيلها عندما تتحول ألوانها بين السطوع والباهت بدرجات انتقال الضوء عبر الدرجات المؤثرة والمحسوسة. فهل يُشعل الحياة في لوحة هي فضاءات مفتوحة الأبعاد ؟ أم أن الاختلاف مهما كان صغيراً يؤثر جدا على المعنى البصري وفروقاته البسيطة والمعقدة في آن؟
Doha El MOL