فكرة الإرث الزمني
ضحى عبدالرؤوف المل
اكتسب فن النحت في لبنان أهمية خاصة من حيث تحديد مسارات المادة الحجرية وعلوّها، وتشكيلها هندسيًا وفق الأبعاد المستقبلية التي تمنح الزمن لغة جامعة من حيث تحديث المنحوتة، وجعلها قادرة على مخاطبة الأجيال من خلال شكلها الهندسي المرتبط بالطبيعة وتطور مادتها الحجرية، المحافظة على نوعية قابلة للترويض النحتي، والبقاء مدة من الزمن بالحفاظ على نفسها أو تقسيماتها، لتتنامى الفكرة شكلاً ومضمونًا وفق مسيرة هندسية يمكن منحها عنوانًا حسياً هو "خطف بصري" لأن من يتأمل منحوتات الفن اللبناني يدرك القيمة التأملية إن ابتعدنا عن كلمة الصوفية الغارقة بهندسة الكون والاستبصار الذي يكتنفه الغموض في الكثير من التفاصيل التأويلية. والكواليس الممكن إدراكها من استكشاف خبايا كل منحوتة أو مراحل تصميمها الأولى، وكأن الشرارة النحتية خرجت من مخيلة تأثرت بصلوات راهب أو ناسك أدرك سرّ الكون.
خلال مسيرتي في البحث عن الفن التشكيلي العربي والغربي أو العالمي، إن أردتُ قول الحقيقة كاملة، لمست قيمة منحوتات كثيرة في كل فن افتقدت فيه الرؤية المستقبلية لهذا الفن. لأن كل منحوتة من منحوتاتهم هي محاكاة للزمن بأكمله. إذ يمكن تحديث الفكرة انطلاقًا من التصميم الأولي لكل منحوتة، فنجد أن فيها من الخلايا النحتية ما هو حي بطريقة غريبة، وكأن المنحوتة تنتظر كل زمن ليخلق منها فكرة أخرى، فهل أرض روشانا هي أرض كنوز الأحياء من الجماد الحجري الذي يصرخ هنا لبنان؟
لم أجد في الفنون التشكيلية اللبنانية عامة قوة بصيرة جمالية تكتنز عالميًا فكرة الإرث الزمني الخالد، القادر على مواجهة بصرية تنافس كل أنواع الفنون الأخرى. فالأبعاد والمدلولات الفنية تثير جدليات كثيرة من الفن الأيقوني المسيحي وصولاً إلى الخط العربي الإسلامي. فالإمساك بخيوط الفن التشكيلي عامة يحتاج العودة إلى نقطة الصفر، وهي المحك الأساسي ونقطة الارتكاز التي يجب الانطلاق منها للقدرة على خلق المفاهيم الجمالية بجزئياتها. إذ ليس هناك أي فن محوري يستطيع رفع لواء التميز كفن "النحت البصبوصي" تحديدًا والذي أعتبره بحق هو أبٌ لكل الفنون التي جاءت خجولة، لأنها تستند على المحاكاة المحلية وليست العالمية كما هي الحال في منحوتات "آل بصبوص" أو هوغت غالاند وغيرها، فهي تتعايش مع الواقع الزمني وتتطور معه. بل وتؤطر الفكرة، فتتماشى مع كل مخيلة تنظر إليها، وتُنشد فكّ أسرارها إن جاز التعبير. لأن الحركة هي الميزة الأساسية في نسبية البناء النحتي والإحساس بقوة السلام البصري الناتج عنه. إذ تشكّل كل منحوتة من منحوتات ميشال أو ألفرد أو يوسف الأسس البصرية الجمالية التي يمكن الانطلاق منها. لتكون الحبكة الحسية منسجمة إيقاعيًا مع الحواس بأكملها، فخلود الحجر ليس في المادة التي تكوّن منها. إنّما من الشكل المقاوم للبيئة وتحدياتها من خلال مقاييسه النسبية وغير ذلك.
تنبع فكرة الإنسانية وجماليتها من الفكر التأملي الغارق بأسرار الكون اللامحدود، وبلانهائية مفتوحة على عدة احتمالات لها نتائجها المرتبطة بعقلانية الرؤية القادرة على فهم امتداد الكون واتصال الإنسان بالعوالم الماورائية عبر لغات مختلفة، إن بالنحت أو الرسم أو الموسيقى أو الكتابة. إلا أنّ أعظمها هو النحت لما يحمله من رسالة طبيعية تتنافس مع كل بيئات أو مجتمعات مهما اختلفت ألسنتها، لأنها تنمو مع الأجيال، كنمو الجبال وعلوّها المثير للدهشة، وبمعادلات موضوعية تتخذ صفة المنحى النحتي الإلهي من نوع آخر. فالله الخالق الأكبر والإنسان هو الخالق الأصغر، فكيف لا يتكون الجمال من خلق ارتبط بالإنسان أولاً؟
أتمنى أن يضيف كتابي هذا على الزمن ما أضافه كل فنان من بصمة في الجمال، وربما تدرك الكلمة ما أدركته الأبصار. لتكون ترجمة بصرية مكتوبة لعالم ما زالت أسراره تحتاج للاستكشاف ...
مقدمة كتاب خطف بصري وهو مجموعة مقالات الفن اتشكيلي
Doha El Mol