عاطفة تقنية في منحنيات نحتية...

ضحى عبدالرؤوف المل

مهما طغى الجمال على العين التي ترى العالم، كوحدة جمالية مصقولة، لها مقاييسها المحددة ، وأبعادها التكوينية، لا بد بعد ذلك أن تدرك الحواس المتناقضات ومفاهيمها في الرياضيات، التي تجعل من النحت علم جمال فني قادر على إثارة الدهشة، وليس مجرد تماثيل تحتاج بث الروح فيها لعبادتها، فالإنسان كتلة لها نشاطها الفكري، وتكوينها الوجداني، وموازينها الجمالية التي استقطبت الأفكار المنطقية ، وجعلت من الجسد قواعد فيزيائية حركية لمواد هي من بنية الطبيعة الإلهية التي نعجز عن فهمها مهما حاولنا. لأن القوة الداخلية لأي شكل من الأشكال الفنية هي التي تحاورنا من خلال خطوطها، وملمسها ارتفاعها وانخفاضها، أبعادها وظلالها، استقامتها وانحنائها، لأنها تعكس مشاعرنا الداخلية من عاطفة وغريزة وغيرها..

إن النقطة المهمة في أعمال" ألفرد بصبوص" Alfred Basbous هي نقطة بداية تنتهي بخط منحنٍ يتطورحوارياً، فتتناغم الأجزاء وتُعطي الفراغ طراوة وليونة، لشكل ذي كتلة شفافة تكوينية تستحق التأمل. لأنّ العلاقة مع المرأة هي المحور الأساسي في التفكير الفلسفي المؤمن به. فهي تشبه علاقة الحياة الإنسانية مع الطبيعة، وهذا ما يعكس القيمة الجمالية في أعماله النحتية التي تختلف فيها الأحجام الفراغية نظراً لانحناء الكتلة كما في منحوتة " أكروبات" ذات الشكل النحتي الذي يُساعد الضوء والظل على التوازن، بينما يتخذ الارتفاع عند ألفرد في منحوتات أخرى بعداً فراغياً له وجوده الضوئي القادر على إبراز الحقائق الدقيقة في المادة الصلبة التي يستطيع تحويلها برقة إلى معان لها مفردات نحتية وتشكيلية توقظ العاطفة الإنسانية المكبوتة، فالتوازن الفراغي له مساحة، وزوايا تتشكل منها المنحوتة الصلبة كي تتجانس مع بصر المتلقي، فيلمح في إيحاءاتها عاطفة قادرة على جذب مشاعر تجعله يغرق في تأملاته .ليبحث عن شكل الفراغ، تاركاً للكتلة وجودها الموضوعي، القادر على تسليط الضوء الذي يعكس جمال الحركة داخل التجويفات الملساء، فيحوّلها إلى لغة نحتية لها أحاسيسها الصادقة التي تسمح بتطوير الأفكار، ونقلها إلى الحواس ميتافيزيقياً من خلال قدرة "ألفرد بصبوص" على التعبير الحنون ، والمُنعكس في انفعالاته الصامتة التي تتركز في منحنيات كل منحوتة تكلم معها بلغته البصرية الممتلئة بالحرية والحركة الداخلية.

في النحت ترى الكتلة ثابتة والفراغ متحرك، والمحاكاة بينهما تخلق البعد الثالث القادر على توسيع مدارك الرؤية ومفاهيمها، للتتسع المخيلة، وتخلق حواراتها بين الارتفاع والحجم، والخامة الطبيعية في همس درامي له صوت امرأة تحتضن طفلها وتغني له أغنية الحياة . فيسيطر على الخطوط الهندسية، ويُضيف عليها حيوية تمتزج تجريدياً مع الطبيعة ليبدأ بمنحوتة "الزوجين "بشق الفراغ لنتحاور معه بصرياً ، قبل أن يبتكر لغة جدلية بين الداخل والخارج تاركاً للضوء تشكيل التضامن المُتماسك بين الإثنين ، من خلال أبعاد مدروسة جاءت بخطوط متوازية ذات مستوى تقني له كوامن نفسية ينتج منها ألفرد أفكاره ويُسقطها على المادة ، فتتجسد بمختلف الأشكال والأحجام، لنتشارك معه الجمال الرمزي وهو التمسك بالأم، الأرض، الوطن، المرأة، التي ترمز إلى قوة الحياة وغموضها، أو احتضانها للطبيعة المسخرة لها تاركاً لغة الزمن تندمج مع نقطة الوجود في رمزية تعبيرية.

تنوعت رؤية" ألفرد" في أكثر من منحوتة استطاع صياغتها وفق أساليب تشكيلية لها خاماتها المتنوعة من برونز وخشب وما إلى ذلك لما تحتويه من تأثير على الحواس، فللنحاس أوللخشب قوة تزيد من تفاعل الناظر إليه، لأنها تزيد من وجوده وحركته، كما أراد ت له رؤية الفنان، ليزداد الإرث الفني صلابة تمتد آلاف السنين، وتتميز بوجودها الفنيقي والروماني المتسلسل أيضاً لبنانياً مع ألفرد. ليؤرخ حقبة لفن النحت ووجوده المميز عبر تاريخ مستقبل آت.

توظيف حسّي فني في خامات لها قساوة الحياة التي أنتجت تشكيلاً له أبعاده وعناصره الجمالية المألوفة للعين، وللزنجارالذي يتلوّن ببساطة حياة طبيعية جعلها نقطة انطلاق نراها في أعماله من خلال احتكاك الكتلة مع الضوء، وصلابة تجعل من الفراغ عنصراً طبيعاً له انحناءات تتواءم مع الحجم في إيقاع ديناميكي يعادل قوة الخطوط، والأشكال الهندسية العامودية منها والدائرية ، فتتخذ أبعاداً متناسقة ، ومتناغمة لتتلقى انعكاساً بصرياً، كما تتلقى منحوتة " زوجين" الضوء. فهي ذات رؤوس أفقية بارزة تعكس ظلال الخطوط العامودية، لتعطي للمتلقي إحساساً بالبعد الثالث الذي يترجم العاطفة والإحساس بالجمال في انفصال جميل له صلة ترتبط بالفراغ النسبي بين الكائنات المتناغمة والمتنافرة، وكأنه يؤمن بالحب ويرفض علاقات الجسد المادية الباهتة والخالية من الروح الخلاقة. بل وكأن المرأة في مفهوم ألفرد الفني هي الأساس التقني لجمالية النحت.

بناء منظم له نمط فني خاص به يتوافق مع أفكار يجعلنا نتساءل عن تفاصيل أبرزها من هي الأم التي تتناغم مع طفلها؟..ما هي المادة التي تنطق بالحب بين زوجين.؟..لماذا يتكور الفراغ في منحوتة أكروبات ويمتد في منحوتة أخرى؟..هل يبحث ألفرد عن حركة كونية داخلية تستطيع التعبير عن حركة الضوء داخل التجاويف المُعتمة التي تحدث ترجمة بصرية أخرى لها ذاتيتها الضوئية الخاصة؟..كيف لمادة صلبة أن تصبح شفّافة وتخلق حوارها الخاص بها في أنفسنا؟. أسئلة جعلتني أشعر بالتعايش مع العناصر المُستخدمة كلّها التي ساعدت لبروز هذه الأعمال، فهي تخاطب الفراغ والزمن، لتثبت وجودها ككتلة لها وجودها الخاص ولها هوية لبنانية ، هي هوية ألفرد بصبوص أو راشانا لبنان.

إن إعطاء صفة الجمال للمادة الصلبة قديماً جعلت العقل الضائع يقع في متاهات الفن لتستسلم النفس، وتشعر بقداسة ما، لا تدرك سرّ ماهيتها. لكننا اليوم ندرك أن الإنسان حاول معرفة صفة الجمال الخلاق في كل شيء من حولنا بدءاً من الطبيعة وحتى الحجر الذي استطاع الإنسان القديم استخدامه في شتى المجالات، مثلما استطاع الإنسان الحديث تكوين مفاهيمه الهندسية وإسقاطها على الخشب أو البرونز أو المادة الزنجارية أو حتى الصخرية، لصنع منحوتات تلتقط الأحاسيس وتحاورها، فتتفاعل النفس مع المخيلة وتتذوق الجمال الإبداعي.

إن أعمال" ألفرد بصبوص" غامضة وخيالية لأنها صامتة في حوارها الداخلي، لكنها واقعية وطبيعية وغريبة الأطوار في أحجامها وتناسقها، لأنها من عمق الطبيعة البشرية، ومن خارج الرؤية الكونية التي تعكس الأشكال المألوفة على العين، فنتحسس الانحناء كأنّه عاطفة تفيض محبة لها فلسفة طوباوية أحياناً، كمنحوتة الأم وطفلها التي تجعلك تدرك لمسة الأم لطفلها، ولمسة الفنان لخاماته من خلال المظهر الحركي الهادئ في الفراغ.

Doha El Mol