روحانية اللمسة الإنسانية المُتحركة

ضحى عبدالرؤوف المل

ترتفع مستويات البنية النحتية في أعمال النحات "ميشال بصبوص "من حيث فيزيائية الكتلة الصماء وفراغات حركية في كتل أخرى، وانزياح الخطوط الداخلية، والعلو العامودي المندفع بقوة موازنة المادة وأبعادها التفصيلية ضمن دلالات تشير إلى التوازن البصري المُلائم لكل منحوتة. وجوهريتها الطاغية على الجانب الحسي، وتفاعلات المادة بمعناها الواسع، مركزاً على مقومات خصائص النحت المحاكية للمادة (حجر، معدن، خشب) وطبيعتها ولونها وقدراتها على التماسك، وإمكانياتها التأثيرية التي تتعارض وتتوافق مع الحجم والشكل والمضمون مع الاحتفاظ بلغة جمالية ذات خاصية فنية، وبصمة تغني فن النحت برؤية تتجدد زمنياً، وتمتلك مفهوماً تحاكي به البُعد الجمالي والأسلوب الداخلي. لنظام المنحوتة المتشكّلة ضمن معانٍ كلاسيكية، وأخرى معاصرة تتماشى مع صرامة الحركة التي يفرضها «ميشال بصبوص» Michel Basbousعلى الكتلة الصماء، وعلى الخطوط الداخلية والخارجية، والخرمشات التي تميز المنحوتة، وكأنّها لغة حجرية يخاطب بها «ميشال بصبوص» البشر بصمت عابق بالمعاني الجمالية، وعقلانية قواعد النحت المرصوفة حسياً على أسس منطقية تربط بين المعنى والشكل، والزوايا التي تعكس صلابة المنحوتة، وليونتها المرنة التي توحي بتمادي المادة بين أنامل «ميشال بصبوص» العازفة على هارمونية المنحوتة واتساقها البنائي.

تترك منحوتات «ميشال بصبوص» حالة جمالية تكمن في قوة الانفعالات الحسية المتأثرة بفضاءات تخيلية، تعيدنا إلى أزمنة توحي بتاريخية الجمال، ولطقوس نحت تأليفية ذات تصميمات وتكوينات ثلاثية الأبعاد تحيط فيها فضاءات مختلفة زمنية. إذ توحي رسوماته بتصاميم تتناسب فيها السطوح، والنسب والمسافات وقياسات تنتمي هندسياً إلى متانة البناء البصري، والمعايير ذات النسق المنسوجة من خامات لها خصوصياتها وثيماتها، وجدلية «ديالوجية» تتجسد في اختزال الكتلة، وتعريتها لالتقاط الجوهر الجمالي الداخلي، وإخراجه من ذاتية المادة إلى روحانية اللمسة الإنسانية المتحركة مع الزمن حيث عراقة الإنسان تتجسد في تسخير عناصر الحياة له ليخلق منها عوالمه الخاصة.

ما بين النحت الغائر والنحت البارز ترك «ميشال بصبوص» سطوحاً مستوية تشبه فن (الميدالية)، لتبدو أجزاء الأشكال الصغيرة البارزة عن السطح المستوي، محفورة بدقة داخل مادة ترك فيها لغته التاريخية المتنوعة بخاماتها وبمضامينها، فهو يدرك خصائص الخامة. ليسخرها لضبط نظامي على نسق معين، وبترتيب هرمي، ولكن يبدأ من الحس اللامتناهي بكينونة الأشياء من حولنا، وينتهي بالحواس التي تضع لمساتها على المنحوتة ذات الحلقات التراتبية المتماسكة نحتياً، وطبقاً لناموس الطبيعة التي أدرك نسبيتها من حيث كينونة المادة وحالها الاعتيادي، ولكن ضمن رؤيته هو ومعرفة نقاط الضعف ونقاط القوة، وخلق مسافة بينهما لتترابط المنحوتة وفق قوانينه التصميمية بدقة انسجمت مع قساوة المادة التي يحوّلها إلى فعل رياضي يثير دهشة الفكر، ويولّد يقظة تؤثر في الحس، وكل ما هو محسوس داخلياً وخارجياً، وبخاصية رؤيوية ذات قوة وفعل يرمي من خلالها «ميشال بصبوص» إلى خلق جدلية نحتية تؤسس لمعادلة استنتاجية هي جزء من عالم النحت. وربّما من أسسه وأبعاده المفتوحة زمنياً على التجدد بحيث لم يتغافل عن طبيعة المادة، ولا عن روح الإنسان القادرة على الخلق والإبداع المنوط بقدرات العقل الإنساني، واكتشافاته ذات الخصائص المتعلقة بطبيعة الخامة الخاضعة لضبط منظم مركب تركيباً هندسياً ذات سلسلة متصلة بالإنسان، وحضاراته القابلة للتجدد الفكري حيث تثير منحوتاته تساؤلات عن أهمية الخط والارتفاع، ومفهوم الاتصال والانفصال والانحناء التعبيري الناتج عن تأثيرات ذهنية تتفاوت في إيحاءاتها التجريدية الناتجة عن حيثية صحيحة مستخلصة من طبيعة المادة التي أدرك «ميشال بصبوص» كنهها وترك عليها بصمته المُثيرة للجدل حيث تلعب السيمترية والفراغات وأنصاف الدوائر في المنحوتات المعدنية، معرفة موضوعية تتفاوت في جوهرها التجريدي ، ومادتها الكيماوية المؤثرة في العلو والانخفاض، والانحناء مع فراغات يتلاعب بها حسياً بين الغائر والبارز، كمفهوم يؤثر في مفهوم السقوط أو الجاذبية، وبالأصح هي استنتاج نحتي خال من الوهم، وناتج عن الملاحظة والتجربة والخبرات السابقة.

يتمسّك «ميشال بصبوص» بنقطتين أساسيتين في منحوتاته حيث يلغي النقطة الاعتمادية الواحدة أو المحورية إن صح التعبير، لتلعب المتناقضات الحركية دورها في خلق التناغم البصري المؤثر على المتلقي، وحتى بالنسبة لتصاميمه التصويرية المرسومة ضمن المرأة والرجل والتناغم المتولّد عن الاندماج الكلي، وهو سر الحياة التي ترك نقوشه فيها على الحجر، مدركاً أنه سيُحاكي الأجيال القادمة بعقلانية الروح والمادة معاً، وبتعقل روحي ومادي يحقق قوة استقراء تحفظ قواعده النحتية غير الاعتيادية، والمفتوحة زمنياً للأجيال القادمة على عدة تأويلات واحتمالات تؤدي إلى اكتشافات جديدة فيما بعد.

تعقّل مادي علمي، ودقة ملاحظةحسّية روحية تمنح كل منحوتة قوة جذب بصري تضع الذهن أمام حقيقة منطقية لنواميس النحت الطبيعية من جهة خصائص الحركة لكل خط غائر أو نافر، ولكل فراغ يؤدي دوره في مقاومة عناصر الطبيعة، كتحد مبني على قوة الإنسان في تحدي أمور الطبيعة من هواء وضوء، والمؤثرات الأخرى التي تعصف بالمادة وتتركها تحت سلطة الانفعالات، والتي ترجمها في منحوتاته المعدنية التي ترك فيها سر رؤاه النحتية المرتبطة بالإنسان أولا وأهميته الروحانية والجسدية، وقدراته الحسية القادرة على تخطي المادة وتسخيرها له بكل أبعادها وجمالياتها التي يتفوق عليها الإنسان بكل أبعاده وجمالياته. بل وبحضاراته التي يبنيها منها، ويتركها لتحاكي أزمنته كلها عبر تاريخ نحتي لا يقل أهمية في الفن عن تراث حافل بالجمال

في أعماله النحتية التجريدية نلمس قوة الحركة بالتباعد والتقارب والتساوي، وانتصاف الأبعاد بين الخطوط وانعكاساتها المتوازنة والمنتظمة، وهذا يتناقض مع مفهوم التجريد كعشوائية غير منتظمة، وإنّما هو حافظ على غموض التجريد النحتي، كحركة نقطتين بدأت كل واحدة منهما بعكس الأخرى، وهما خطان قصيران أو طويلان، يبتدئ كل واحد منهما بالتحرك نحو الآ خر، وبتعادل مماثل يؤدي إلى خلق تضاد يمثل الواقع. كما يمثل خط الزمن الفاصل بين مادية الخامة والروح الملامسة لها من خلال الفكر المُتمثل بهذه الخطوط التي تركها، لتقرأها الأجيال بفكر لا بعاطفة، وبعقلانية لا بانفعالات خارجية تفرضها الأوهام التي تستنكر قيمة العمل النحتي المؤدي إلى التفكر بناموس الطبيعة، ومادية الأشياء وروحانية الإنسان وقدرته على تسخير الحجر والمادة التي تبدأ بسوائل لينة، وتنتهي بقساوة يحمّلها لغته الخاصة.

تتكيف الخطوط في لوحات الفنان «ميشال بصبوص» النحتية مع كيفية اقتراب الأشكال العامودية من بعضها البعض ضمن نظام العلة والسبب، وضمن الحركة الغائرة غير المنظورة حيث تبدو غوامض المادة مشابهة لغوامض الطبيعة التجريدية من منطلق علمي هندسي يشد ّمن خلاله التخيلات البصرية، والأبعاد الجاذبة لقوة الفعل وتماسك الكتلة بعد تحويلها إلى مفهوم رياضي ممتلئ وفارغ، ضمن إيقاعات موسيقية تستند إلى محاكاة جبرية، لتفريغ المادة من ثقل يؤثر عليها، ويتركها في حركة تتزايد وتتناقص تبعاً للقريب والبعيد، كمقدار حركة الأجزاء المنفصلة والمتصلة عن بعضها. لتبدو المسافات بالنسبة للفراغات أقصر، وهذه محاكاة للزمن من خلال المادة الطبيعية التي سخرها للغته النحتية.

يقول «أناشار بصبوص»: «الاهتمام بأعمال الوالد قرار ناشئ عن إحساسنا بالواجب تجاه» ميشال بصبوص» فنحن من عشرين سنة لم نُخرج أعماله من «راشانا»، وبمناسبة هذا الخروج أو بالأحرى العودة إلى المدينة. لأن « ميشال بصبوص « هو ابن ضيعة، ولكن أيضا ابن مدينة بمعنى نوعية حياته التي عاشها ، انطلاقاته الحياتية والجامعية كانت بالمدينة، وأيضاً باريس التي سافر إليها مع مدن أخرى. فهو عاش فترات طويلة في المدينة. فنحته لم يُنسه موضوع «راشانا» وعودة منحوتاته إليها، ومن خلال أبحاثنا في الأرشيف لمسنا منها همّه وإصراره لإدخال عمله النحتي إلى الهندسية المعمارية وإلى المدينة بالذات والساحات العامة، وليس فقط في الطبيعة. لهذا قررنا أن نبتكر أشياء جديدة. كما كان هو مبتكراً في أعماله ويبتكر بالمواد والمواضيع والأشكال، فهو باحث في النحت. واختيارنا لهذه السينوغرافيا بالذات، لتواكب العمل ومستوياته البصرية.

ربّما من يقرأ تحليلي هذا سيشعر بالمبالغة. إلا أنني أدعوه إلى التفكّر بقدرات الإنسان الكامنة في روحه ومادته، وإلى رؤية أعماله بكل نقاطه السينوغرافية المستوحاة من تصاعدية أعماله أو عاموديتها التي تم تنظيمها بصرياً. كما يجب أن تمتد وتبقى ليتأملها كل عاقل مدرك لحقيقة الحياة من حيث التعمق والتفكر، ولمعرفة قراءة الماضي القريب والماضي البعيد. بل وبمحاولة قراءة المنحوتات من حيث البصيرة لا النظر، ومن حيث الحس الإدراكي عبر اللمس والنظر إلى باطن الأشياء ومعناها، ورؤاه من حيث الهندسة المعمارية والجمالية الفنية، وبفكر سليم عاقل. لنحقق النتائج وتتكامل الاستنتاجات الصحيحة. و"تبارك الله أحسن الخالقين"

Doha El MOL