نحت يحمل صفة التغير الحالم بالوجود المتناسق جمالياً

ضحى عبدالرؤوف المل

يؤكد النحات " أمين باتروزيان" Emin Petrosyan على أهمية الحلم في توليد الإثارة الفنية والعواطف الوجدانية، لإدراك الخواص الخيالي المندمج مع العقل التحليلي والمنطقي، لإضفاء صفة الغموض النحتي على رموز مجردة من الواقع، وقادرة على خلق فلسفة جمالية لها غاياتها المعرفية المعاصرة. لإضافة أسلوب انسيابي متسق وخلاّق يتماشى مع الأزمنة ، وجودة الذوق الفني والمهارة النحتية الملتزمة بمفهوم الجمال المثير للمخيلة الابتكارية التي من شأنها التعبير ما ورائياً عن طاقات روحية. تدفع الوجدان إلى ملامسة كل فكرة ينتج عنها تصميمات تتميز بطابع فني .يستمد النحات وجوده من حكمة أو فلسفة أو خيال أو لمسة روحانية تحنو لها النفس، وتحققها الأنامل بأسلوب يتصف بالبراعة الفنية والروعة الجمالية.

رمز وإيحاء ونحت يحمل صفة التغير الحالم بالوجود المتناسق جمالياً، لفن عمارة يؤكد على الثقل الهندسي الجذاب والرياضي ، ومدى قدرة الإنسان على تسخير الجماد، ليولد الجمال مختوماً بدهشة ترتبط بالتناسق والتماثل، والتضاد، والتوازن، والمنظور الجذاب المرتبط بعوالم رمزية، لها آفاقها الهندسية، وانفعالاتها الوجدانية القادرة على تحريك المشاعر الصوفية والجمالية، ليتم الوصول إلى عمق الغاية النحتية، وباطنها لنقل تشفيرات الرمز، وتحويلها إلى واقع يظهر جوهر المادة في الحياة وجمالها المطلق، مما ينعكس على المفهوم النحتي لكتلة تعامل معها " أمين باتروزيان " بانسجام وجاذبية تكوينية غلب عليها الطابع الحالم والعين الغافية، فالخطوط اللينة في منحوتة " أمين باتروزيان " التي تحمل معاني شاعرية تتصف بسيميائية تعتمد على الاختصار والاختزال، والتبسيط والخطوط الموسيقية المنتظمة حسياً، فالإيقاعات التي تعتمد على ليونة الخط المنحني ختمها بتكوينات ناعمة تجويفياً ( حركة الخط من الخارج إلى الداخل) ومؤثرة نفسياً عند تحويل الخط العامودي افتراضياً إلى بندول ( pendul) يعكس المؤثرات النفسية إلى الداخل، وكأنه يحوّل المنحوتة إلى نغمة إيقاعية مسموعة ومرئية ، تساعد على الاسترخاء والإحساس بالراحة والثبات. فهو يخضعها إلى ضبط نحتي له ملامحه الدلالية المسكوكة، ودرجات نقاء رؤيوية وظفها افتراضياً عبر خطوط وهمية . ندركها حسياً وحركياً بعد أن يتراقص البصر مع حركة الخطوط وليونتها الشاعرية، مبتعداً عن القيود المعروفة في النحت ومتجاوزاً عن كل تفصيل جزئي يؤدي إلى الجمود الفاقد للحيوية.

يحاول " أمين باتروزيان " اختصار مفهوم الكلاسيكية وتخطي مفهوم الفن المعاصر. ليجمع بين الاثنين بسرعة زمنية تهدف إلى اختصار الخطوط الوهمية المعاكسة لمفهوم الاشتقاق الفراغي. المحفز لخلق تفاصيل تعتمد على متناقضات رياضية مثل كبير وصغير، طويل وقصير، ضيق ومتسع بالإضافة إلى خلق ازدواجية ( dualité) المقصود منها إيجاد مقارنات متكافئة هندسيا، وملتزمة بالتوزيع الحركي وبالنظام الإيقاعي المتآلف والمتلاحم مع الكتلة والحجم، والارتفاع، والطول، والعرض، والمساحة الحالمة ، والفضاءات المتسعة والممتدة نسبياً.

تناسق حركي له صلة بتموجات الخطوط المُغلقة والمفتوحة ، وكأن المنحوتة منارة غافية على شاطئ البحر، والخطوط هي أمواجه الجمالية . مما يؤكد على سمو تفاعلي بين الكائن والمكوّن، وبين ثنائية متوازية ومتناقضة. تخاطب كل حواس تتذوق من الإيقاع النحتي ما يجعلها تنسجم مع المادة الصلبة وطواعيتها لقانون سيمفوني يؤلف وحدة تنوع لها خصائصها السيمترية والجيومترية.

معايير رياضية تدرّج في تنسيقها من الأعلى إلى الأسفل، واضعاً الصيغة النهائية للشكل داخل عين أغمضها ، ليحاكي الأسرار الإلهية بواقعية الحلم ،ولندرك الجمال الباطني قبل الظاهر، ولنستمتع بروحية الحركة الساكنة في مادة جامدة صلبة. ترك " أمين باتروزيان" لمساته الوجدانية عليها، وفلسفته الجمالية شكلاً حسياً ومعرفياً، لمنحوتة تحمل صفة بصرية تتجاوز الصورة، وتتلخص في رؤية تحاكي الفكرة وتحاور بليونة دياليكتيكية لحجر منحوت بمقدرة إبداعية. يُحاكي به باتروزيان الذات الإنسانية المُنتجة لفن يحاكي الحياة والجمال والكون.

يبدع " أمين باتروزيان" في حركة العين والخطوط العاطفية التي ترتقي بالشكل جمالياً نحو هندسة توازنت مع الرؤية والفكرة. بل ومنحت المنحوتة اتجاهات خيالية غامضة لا تخلو من ذاتية ، ومعايير قياسية متوازية موضوعياً مع الضوء والظل للمحافظة على القيم النحتية التي تكمن في إظهار الرومانسية على حجر يحمل لمسات فنية معاصرة بروح كلاسيكية لا تنفصل عن الزمان والمكان. لأنها تمثل كينونة العين الغافية، وما تخفيه من أحاسيس جمالية داخلية لها أدواتها البصرية الحسية والحدسية الخاصة. إذ يتجلّى الحضور الرمزي في الحلم الغافي على الخطوط العامودية والأفقية. بتجريد يحتوي على المضامين الجمالية المتمثلة بالخطوط التي تؤكد على العاطفة العقلانية ، المرتبطة بالهندسة الإبداعية من خلال منهج فلسفي تلتحم فيه الانطباعات المتعلقة بالزمان والمكان، والعمق المعرفي للشكل النحتي المنطلق بالرؤية من الأعلى إلى الأسفل، ليضعنا خارج حدود الغفوة الحالمة ، والقادرة على منح البصر التحليلات المتعلقة بالوجود الفراغي والثقل المادي، والاتزان بالمقاييس التجريدية والكلاسيكية والفن المعاصر المُرتبط بقدرة النحات على إبراز عمق وجوهر المنحوتة ، وما تختزنه من أحاسيس تدعو لتأمل الحركة والسكون، وكل تكوين هندسي مفتوح أو مستطيل أو دائري، مما يجعلنا ننتظر حركة البندول pendul ) الموسيقية، لنغفو مع العين المغمضة التي تركنا نستمتع في فضاءاتها التخيلية المفتوحة .

Doha EL mol