الكمال النحتي بصريا

ضحى عبدالرؤوف المل

يستقرئ الفنان المصري الراحل "عبدالهادي الوشاح"( abdel hady el wechahi) المادة فيزيائياً، فيمنحها قدرة على التمدد والتفاعل معه حسياً، لتقترب من الكمال النحتي بصرياً . إذ يتغلغل إلى داخل العمق الفني للمادة، فيخلق فيها تجويفات أحياناً، ليثير ما يشكّل الروافد أو البصمات أو حتى حبكة بصرية يتبعها المتأمل إلى النهاية لاشعورياً، فتجري الخطوط بليونة رغم صلابة المادة المستخدمة، وبتؤدة تتسق معها المسارات النحتية التي تنطوي على مساحات يختصرها وفق نظم يصوغها برؤى تتشعب منها عدة ثقافات، ترتبط بالمضمون البصري إن جاز التعبير بمعنى الركائز الأساسية المبنية على الكم المغمّس بأسرار المادة والمنحوتة معاً، والإيحاءات الحساسة المؤثرة على النفس مثل منحوتة الأديب "طه حسين " واعتماده على العلو والطول والامتداد. إضافة إلى منح الحركة صفة الشد العضلي الحقيقي، ليمنحها طبيعة المادة وقدرته على تسخيرها ضمن حوارات داخلية من خلال التجاويف أحياناً، ومن خلال الخطوط وانعكاساتها على بعضها البعض. إن من حيث الخطوط الطويلة أو القصيرة، وباسترسال كأنه يحاور الذات بموضوعية يتناغم معها ضمن الصياغة وبين الفراغ والكتلة، وجاذبية المادة وتأثيراتها على الوزن، وكل ذلك بصرياً محاولاً تكوين نظرية نحتية خاصة به، تميزه عن سواه من خلال الشكل النفسي وتوازنه في منحوتة تعكس الفن الشغوف بالبصريات أو بفيزيائية الشكل الغني فكرياً أو العكس تماماً . مما يجعله يتلاحم مع عدة أساليب تختلف في منحوتاته الرخامية أو البرونزية وسوى ذلك.

تتعدد الأبعاد في أعمال الفنان" عبدالهادي الوشاحي" محاولاً منح منحوتاته الحس الشعوري، لتحظى بتأملات المتلقي لها، وفهم المغزى المضموني والشكلي أو الفيزيائي حيث تتميز تفاصيل منحوتاته من حيث المرونة، والأناقة والعنفوان الإنساني خاصة المعتمد على عدة نقاط وهمية صلبة، تشكل غالباً دلالات جزئية توحي بالفراغات وأهميتها في إبراز الجمال الفني المغذي للذهن بصرياً، بتوازن يعتمد على قدرة الخطوط بين أفقي وعامودي، والعصف الحسي بين الخطوط والأشكال الأخرى ،كالخط المائل بأشكال تتواءم مع بعضها البعض مكونة أشكالاً داخلية ذات تجاويف أو تكعيب بسيط أحياناً، يحفه بنوع من التعبيرات الغنية بكينونة إنسانية أو فيزيائية أو حتى معنى يستخرج منه الشكل بتناسب، كالشموخ، والعنفوان، والفكر، والأدب، والقاعدة الرياضية الموجودة في الأجساد أو في الكتلة السابحة في فضاءات يمنحها الحس النحتي المتوازن مع الجاذبية القادرة على الإفلات من ثقل المادة التي يختارها للنحت إن برونز أو غرانيت أو حتى طين أو سوى ذلك . إذ يسخّر الوشاحي الفضاء الحرفي بأسلوب خاص به يحدده تبعاً للتصميم بشكل جيومتري، مما يمنحه مساحات مختلفة متعددة الأبعاد بترميز رمزي مبطن، وبتكعيبية سردية بمعنى التمثيل المجازي للكتلة من وجهة نظره الحسّية قبل الهندسية، لتُبنى المنحوتة حرفياً قلباً وقالباً أي وجدانياً وعقلانياً ، وتُعطي قيمة روحية للشكل دون أن يتأثر الفضاء المتخيل بذلك من حيث الكتلة والضوء وخصوصية التصغير والتكبير، وفروقات قواعد النحت بين مادة ومادة أخرى .

تعود رؤية أعماله إلى فضاءات النحت في مصر القديمة وتطويرها من حيث المنطق التاريخي للنحت وتطوره . إذ يتتبع مسار السرد المادي، وهذا يمثله أو يجسده بالامتداد والجاذبية من منظور يلائم الواقع، والبنية المؤكدة على الأنماط المتمسك فيها، وفق التسطيح والعمق معاً،كأنه يدعو المتلقي لمشاركته المحتوى قبل الشكل. مما يجعل البصر يتعايش مع العامودي والعلو والأفقي والفراغ ، وكأنه يستولي على المساحة وجمودها الزمني. أي الماضي دائماً وأهميته التاريخية في النحت أو فناء الإنسان أو المادة والإبقاء على فكرة الوجود في التعبير الخفي أو المبطن مع رغبة في خلق تناقضات في التماثل والتناظري والسيمترية والكثير من المفردات الجيومترية التي يعتمدها في منحوتاته .

Doha El Mol