ازدواجية المادة مع الرؤية النحتية
ضحى عبدالرؤوف المل
تنوء المجتمعات الإنسانية عن الانكماش حين تدرك معنى الحياة ، فالمادة المتحجرة هي جزء من الحياة التي تقسو وتلين، والطين هو مادة الخلق الأولى ، ومن هذا المعنى العميق لكينونة الإنسان انطلقت أنامل " محاسن عجم " لتجسد الوجود الإنساني بمنحوتات واقعية بغموضها التجريدي وتشكيلاتها ذات التعابير الفلسفية الصامتة التي نفهم لغتها إيحائياً، وكأن جوارح المادة تتكلم عن الإنسان وقدرته على مدّ جسور التواصل مع الآخرين، فهل تحاول " محاسن عجم " فتح قنوات تواصل اجتماعية بين النحت والإنسان مجدداً ؟.أم أن الإنسانية تحتاج لقراءة عقلانية تعيدنا إلى التفاعل الجوهري الذي يؤدي إلى السلام؟.
تطغى الحركة على الخطوط المنحنية في منحوتات مؤثرة اجتماعياً على العاطفة الإنسانية حيث ترى في الوجوه مختلف التعابير التي تترك ألف سؤال في نفس المتلقي .مما يجعل من دلالاتها الصامتة سيميائيات تترجمها الحواس بتقنية استقرائية فنياً، وتؤدي إلى فهم سلوكيات إنسانية منها فردية، والتي تدخل ضمن نطاق الأنا والذات، وتأثيرها على الآخرين حيث تكتشف التناقضات الحسّية من فرح وحزن ، وألم، ودهشة، وقلق، وخوف، وما إلى ذلك من المشاعر المختلفة التي صاغتها " محاسن عجم" بتعبيرية تجريدية منحت الجسد صفة الكل. لتترك الجزء الأهم في واقعية معالم الوجوه المُختلفة في مجتمعات ما زالت متماسكة نوعاً ما، فالخلجات التأثيرية في منحوتاتها تكمن في ليونة الخطوط التي توحي بالترابط الثنائي، والجماعي انطلاقاً من الكل إلى الجزء، وبالعكس حيث ترى في تكتلاتها صلابة تجمعات هي من طبيعة الإنسان المجبول عليها فطرياً.
وصل لأجزاء مشتركة في الإنسان، وهي قدرته على التفاعل مع الآخرين حيث جعلت من المادة النحتية بحدودها المشتركة مع الجسد المتعارف عليه كشكل، وحجم، وكتلة لا فراغ فيها، إلا بمقدار التناغم الإيقاعي فكريا بين المجتمعات . مما يؤدي إلى تقارب وتباعد في العادات والتقاليد، والأفكار، والعواطف. فالقدرة على التواصل الإنساني داخل مضامينها النحتية ، يشكل جماليات تُسهم في منح المتلقي قدرة على تأمل أفعالها وأشكالها، وليونة حركتها رغم صلابة المادة النحتية التي تستعملها. إلا أنها مجبولة من عاطفة إنسانية نشأت عليها اجتماعياً، فاستطاعت نقل الفكرة وتطبيقها على أفراد وجماعات تبادلت معهم لغة صامتة ، ووصلتهم بمنحوتات صلبة. لتحقق التفاهم الجميل بين البشر تاركة للإنسان معرفة الاجتماعيات التي تميزه عن المخلوقات الأخرى.
منحوتات تجريدية لا تخلو من رمزية تعبيرية لونتها بألوان المجتمعات المختلفة، فلغة الجسد المتمايل تحمل في رمزيتها طراوة في السلوكيات والمشاعر ، مما يجعل للإنسان قدرة على بث المتغيرات الحياتية التي يسببها الزمن وتأثيره عليه ، فالانطباعات الحسية على الوجوه والجسد تُظهر التناقض بين الوجوه والأجساد الشبيهة بالأقوال والأفعال فيما بينهم، وكأنها تحاول تصوير التناقضات بين المجتمعات الإنسانية بتضاد يظهر أحياناً بين الخطوط العامودية والخطوط المنحنية أو المتمايلة في بنية الجسد أو الكتلة الجامدة ظاهرياً ، والمقروءة بجاذبيتها، وتكوينها الجمالي المبني على قاعدة ذهبية ربانية جعلت للإنسان جاذبية بصرية كمخلوق في أحسن تقويم .
تمتلك " محاسن عجم" لغة نحتية صامتة تترجم من خلالها المشاعر الفنية التي تؤثر على الإدراك الحسّي، وتمنح الرؤية جمالية خاصية متصلة بالإنسان ومساراته الحياتية، وانفعالاته الاجتماعية، وعاطفته تجاه الآخر، كثنائية المرأة والرجل، الخير والشر، حديث النفس أو التفاعل مع الذات، فجاذبيته الجسدية تكمن في مادته الطينية النابضة بتكوينات منها القبح والجمال، ومنها البهاء والاعتدال، ومنها القصير والطويل والسمين والنحيل، والاختلافات في لون البشرة. إلا أن المتلقي يشعر بالراحة للتنوعات وجمالياتها في منحوتاتها برونقها المتفرّد والازدواجية السلسة من حيث المادي والحسي، والتي تحمل عدة تأويلات مضمونيه. إلا أن الأسلوب جمع بين الكل والجزء تحت مفهوم الإنسان ، والقدرة على التآلف الاجتماعي وبناء الحضارات رغم الحروب والأوجاع . لأنه يحمل في داخله مفاهيم السلام والمحبة والتآخي.
صياغات تشكيلية تتكرر فيها النسق الهندسية التي تميل إلى اتجاهات فنية منظمة ، ومنضبطة من خلال ارتباطها بالأسلوب النحتي الخفيف البروز، وأبعاده البارزة داخل التجويفات المتعلقة بالأهداف الإجتماعية التي تشير إليها " محاسن عجم" كوحدة فنية تحمل عنوان المتغيرات الإنسانية داخل المجتمعات، ومدى تأثير ذلك على الحضارات تحت ظل تأثير الاتصالات الصامتة التي توحي بخلق لغة شبيهة بلغة النحت البصرية ذات الأبعاد الثلاثية، والرباعية، والخماسية، والسداسية، فالعناصر المتكررة والمتصلة ببعضها البعض تخلق تفاعلات متينة بين المتلقي والمنحوتة، وفكرة " محاسن عجم" المتعلقة اجتماعياً بالأنسان والوعي الاجتماعي أو الحضاري ، بوصفه الكائن الاجتماعي الذي تحفزه لغة الجسد الرمزية والتعبيرات الإيحائية الناطقة بشتى الدلالات الفنية.
وجوه واقعية متعددة الرؤى والإشارات. إلا أنّ حدودها الزمنية لا متناهية، فهي تمثل الإنسان في كل المراحل الزمنية. لأن التجريد في الجسد يمنحه أبعاداً زمنية تتخطى فيزيائياً ميكانيكية الحركة في تشكيل الخطوط الأساسية للمنحوتة، فالإحساس بالحركة بطيء نسبياً، لأن الوجه المستدير كالقمر كوني التكوين وينسجم مع العامودي، والمائل، والمنحني، ومع كل كتلة فراغية برزت كفواصل فنية يستريح عندها البصر المتأمل للحركة، والخط، والفراغ، وللخامة النحتية ، وخصائصها الجمالية في منحوتات فردية وازدواجية واجتماعية.
Doha El MOL