سكون الحركة في عين اليقين...

ضحى عبدالرؤوف المل

تتشابك الألياف البصرية حين تتلاعب العتمة مع الضوء، فتنقسم الرؤية إلى أقسام متعددة، وكأنها تستكشف جوهر العتمة التي تمنح الضوء بهاء وجوده القادر على خلق أشكال هندسية تثير الحركة، وتزيد الضوء للمادة المُظلمة التي أظهر" ساندرو سانا ( sandro sanna) " قيمتها البصرية، وكأنها غلاف الكون الذي يعكس جماليات القدرة الوجودية في رؤية كونية يبحث عنها في الخطوط المائلة العامودية والأفقية التي تؤلف المثلت والمربع واضعاً النقطة في مخيلة لا تلتقطها العين، ولكنها موجودة من خلال شفافية الفكرة وقوتها، وكأنه يبرهن أن الكون مفتوح على كل الاتجاهات. بل هو نقطة ضوء غير مرئية في عتمة تتكسر الألياف الضوئية عند عتباتها، فتولد حركة ساكنة لكون يتجدد كل ثانية إلى ما لا نهاية له.

يقول ساندرو سانا sandro sanna:" البحث من خلال لغة الفن على لغز الحياة (التكوين) ليس لنجد أجوبة مستعصية، ولكن لنحاول من خلال الصور أن نعطي شكلاً لهذا الوجود الذي هو في حالة تطور مستمر."

ظواهر كونية سابحة في فضاء مخيلته، استطاع وضعها فيزيائياً بلغة فنية قادرة على خلق التساؤل عند المتلقي، فيبدأ العصف الذهني من لحظة بصرية تتفاعل مع الحركة اللونية التي اعتمدها، وهي علاقة الضوء الحميمة مع العتمة، ولا تنتهي عند الوميض المُظلم الذي تكشفه الاهتزازات اللونية في لوحة Lunare قمري، وكأن قزحية العين تصدر تموجات تلتقطها اللوحة ، وتعكسها إلى الذهن مباشرة، ليبدأ بالتحليل والاستكشاف لجزئيات المادة الضوئية التي تنطلق من النقطة وتعيد توزيعها، فيصعب اكتشاف نقطة البداية للوحة لا حدود لها..

نبض ضوئي يبعث إيقاع زمان تائه على خارطة الواقع، لنتساءل أين نحن؟.ما هو وزن العالم؟.أين التفاعل الجزئي مع الكلي المنتج لهذه الرؤية التي تشبه حركة النطفة وشريط الحمض النووي ، أو التركيب الذري للنواة، لكن بفن شمولي يتأرجح بين الثابت والمتحرك، وبين نسبية تجمع الفراغ مع اللوائح الضوئية في حركة كونية دائرية تجعلك تشعر أنك في جلسة تأملية فضائية تفرّغ الذهن من شحناته السلبية، وتعطيه نوعاً من الخلاء الكوني الناتج عن عتمة لجفن سجى؟ فهل نستطيع ترجمة الفراغ والأمواج الضوئية تتلاعب في بحر لجي من الظلمات، فتجعلنا نستمتع بحركة الشكل الثابت، ونحاول التقاط الحركة المهيمنة على البصر..

لوحة رملية ضوئية ذات طبيعة قوية تركت الهواء يجنح مع الثقوب الضوئية التي تركها تنتشر بكل الاتجاهات حسب خطوط وهمية، وكأنها تضغط على الأشعة الضوئية قبل أن تنفجر، وتحدث بعض ثقوب ذات مركز طاقة لتكاثر يشبه التكاثر البشري جغرافياً، والعشوائي كونياً، وكأنّها لوحة الخلق الأولى التي تشكّل قوة جاذبية تنقسم إلى ثلاث مراحل، فتختفي كبصيص ضوئي يتلاشى تدريجياً، ليصبح غير مرئي ثم تتحرك بسرعات متفاوتة لا يلتقطها البصر، لتعود وكأنها امتزجت وتناغمت حتى مع حبيبات الرمل التي التصقت بقوة كغبار ضوئي انطفأ فجأة لأشعر بعظمة كونية جعلتني تائهة بين الخُنّس والكُنّس، وقوة السكون الحركي المُذهل التي تنتج عن زوبعة رملية على الأرض أو في الفضاء أو في لوحة (Verso Bisanzio)

فانتازيا فيزيائية للوحة مماثلة ومتناقضة لها، فهناك حركة ممحاة غير مرئية، وهنا موجات لون تُشبه اللون الأبيض الذي يحتوي على مجموع الألوان كلها، فترى بصرياً اللوحتين تتداخلان من حيث السالب والموجب والغائر والنافر والجاذبية ، والقوة والضعف، وكأن الذكر والأنثى في تنافر وتناغم يزيد من الطاقة الخلاقة التي تتحكم في الجزئيات الحركية للموتيفات الطبيعية التي لا يمكن أن تنفصل عن واقع وجودها، ولا يمكن أن تنفي فضاء المخيلة التي تلتقط الحقائق وتضعها على مسرح سطحي لا يتأثر بالتجريدية ولا بالتكعيبية. بل بفن فيزيائي كوني يروي قصة خلق جديدة تعيد بكورية كون متجدد ، تحدده العناصر الأساسية لكل لوحة أتقن رؤيتها، واحترف تنفيذها وإخراجها في سطوع متوهج مُظلم أو منير...

مضمون جمالي روحي لقوة الطبيعة الخلاقة في أكثر من لوحة اعتمد فيها على المقاييس المتحركة للأشكال الهندسية، التي تجعل من اللون عنصراً مفارقاً لها وموجوداً فيها، وكأنه يعكس ضوء الشمس على عتمة القمر لتتولد انكسارات تتصادم مع العتمة، وتنتج رؤى متعددة لقوة الطبيعة وقوة المربع والمثلث، وحدّة الخطوط التي تتنافر وتتلاقي في زوايا تجدد الطاقة البصرية حيث تستريح في قعر الزاوية، ومن ثم تنطلق بقوة مفتوحة نحو الأفق، وكأن الفرق بين الحياة والموت أو الحركة والسكون هو هذه اللحظة الضوئية التي تنطلق فيها الروح من المحدود إلى اللامحدود.

إن أعمال ساندرو سانا تتركك في حالة يقظة تمسك بالعقل الباطن ، وتضعه في كون متناقض أبيض وأسود، نور وعتمة، مفتوح ومغلق، ليجعل الحواس مهيأة لجذب التصورات الذهنية التي تنشأ من أمواج العتمة والضوء التي تتداخل وتنفصل، وتولّد أشكالاً متحركة في لون ثابت، ولون شفاف ثابت لأشكال متحركة، فتتنشط وظائفك الحسّية، وتشعر بالقوة وأنت في حالة من اللاوعي، وانصهار مع المادة الخفية التي اندمجت مع القماش، وتغلغلت فيه لتعطي شكلاً فيزيائياً، وكيميائياً يختزن السائل وتحوله إلى أبخرة لونية تتفاعل مع الضوء المتساقط عليها ،

ميكس ميديا تحمل توازن ترموديناميكي لجزئيات بلورية تحمل ألوان القمر من خلال أشكال ثلاثية الأبعاد متفاوتة في الإضاءة ومتوازنة في الخطوط من تحت وفوق، وعن اليمين وعن الشمال، وكأنّها تمتص كل طاقة سلبية من الناظر إليها، فهي وهمية المثلثات والأضلاع، وكأنها تمارس اهتزازتها بسكون ثابت يخدع البصر.

كتل سوداء متحركة تنفصل عن التقاليد الفنية المعروفة من سريالية وانطباعية، لكنها تقترب من التكعيبية في التفاعلات الديناميكية بين ذهنية المتلقي وبيتها، فتدخله الواقع المحسوس للكون الذي يعتمد على المحاكاة المتناقضة لمسطحات مختلفة في الأشكال الهندسية، لكن كل كتلة سوداء لها إيقاع مختلف يتداخل بين الفسحات الضوئية، وكأنه يؤلف سمفونية على آلة واحدة ضوئية متعددة النغمات، مما جعلني أتساءل عن سر وجودية كون متجدد في كل ثانية ضوئية تهتز لها رموش عين ترى اليقين الإبداعي، لقدرة تخلق قوة جذب كهرومغناطيسية لألوان تستطيع السكون والحركة في آن ..

يقول باوند : إن الإنسان الكامل لا بد من أن يهتم بالأشياء النامية المتغيرة أكثر من اهتمامه بالأشياء الميتة أو المحتضرة أو الثابتة".إلا أن ساندرو سانا sandro sanna جمع بين الموت والحياة وبين المطلق والنسبية، وبين الإدراك الحسي والمعني، بأريحية هي معادلة لخلق لغة شعرية تقترب من المقاييس الفنية، وتتمرد عليها. لتخلق فن ناشط بحيوية يعتمد من خلالها على الرؤية الشمولية المتجددة ، والتي تلامس الاختلاطات الأسلوبية التي تجمع كل الفنون في فن واحد يجعلك ترى معجزة الكون الحقيقة، وكأن الليل إذا سجى جعلنا في سكون عتمة لها وميضها الضوئي المعاكس في لوحة بدائية تُشبع الحروف النورانية والحروف المُعتمة أو الحروف القمرية والحروف الشمسية ، ولوائح لأدراجات ضوئية مهيأة لرحلة إسراء تخترق فيها حدود الشكل واللون، والحجم والضوء والعتمة ، وكأنني أرى قصيدة متناغمة تجمع بحروفها وكتلها لغة العالم بأسره. بل لغة كونية يفهمها كل بصر يخسأ لرؤية شمس نهار تجلّى أو عتمة ليل سجى.

ينطلق الفنان الإيطالي «ساندرو سانا» (Sandro Sanna) من البنية الأساسية وأشكالها المرئية واللامرئية المحددة بصياغة تتميز بمعطيات كونية تتسامى بمتغيراتها نحو فضاءات لامتناهية يمدّها الفنان «ساندرو سانا» بتناقضات تهدف إلى خلق قوى ما ورائية تندمج بشكل جزئي مع الأطر اللامرئية الموحية بطاقة سلبية وإيجابية تؤثر بصرياً على الإنسان، والمتمثلة بمفاهيم رياضية يتركها للتفكّر وللتأملات الخاضعة للتوازن الذاتي المتعلق بمفاهيم الفناء والوجود محاولاً اكتشاف ما هو غير مرئي، ليضع البصيرة أمام حقائق كونية لا بد من تحفيز دلالاتها برمزية هندسية للتقرب من المقاييس والأبعاد، وفك المعاني الهندسية التي ترتبط بتحديات الأشكال وطبيعتها الجمالية التي تكتسب في لوحة الفنان «ساندرو سانا» بعداً فنياً لا متناهياً يتصارع بين المرئي واللامرئي، لينتج تساؤلات ذهنية تعصف فنياً بالمتلقي، وبكونية الوجود وعدمه تاركاً للبدايات والنهايات نقطة وهمية سابحة في فضاءات متخيلة ولا متخيلة. لينحاز إلى الوجود بين ما هو واقعي وما هو تجريدي نراه كونياً في كل ما حولنا.

سمة جوهرية هي أصل العوالم الحقيقية التي يبحث عنه «ساندرو سانا» من خلال الفن البصري ولا مرئية الأشكال وانعكاسها المرئية على الأشياء، لتتجلى الحقيقة من خلال الأبعاد التي يتركها سابحة في فضاءات انعكاسية. تثير جدلية هندسية هي الأصل المطلق للأشياء التي يفتحها ويغلقها تبعاً لتكنيك تتضاد فيه الخطوط، وتؤثر على حركة البصر عبر متاهة وهمية يصنعها من خلال الخطوط، والتلاعب بها رياضياً بمُسحة تجريدية هندسية تدعو إلى التأمل الجوهري بالتكوينات المُختزلة والمركبة سلباً وإيجاباً، وبتطور رياضي يتجلّى بصرياً كلما ابتعدنا أو اقتربنا من اللوحة حيث تظهر قيمة المُتسع والضيق، والتباين المفاهيمي للألوان وخاصيتها التي يستخدمها تبعاً للحركة، وسكنات الخطوط الأفقية وتعرجاتها المخفية في مساحات تحتوي على صراعات المفاهيم الهندسية والرياضية، كونها تشكّل البنية الأساسية للوحة فنية هي محاكاة فلسفية لعوالم لها أصولها الكونية المبنية على قياسات تشتت البصر، وتعيده .بل وتتركه في حالة نشوة فنية ثابتة فكرياً لها شموليتها وجزئياتها من حيث مفاهيم الحركة والسكون والعتمة والضوء والكتلة والفراغ.

ما بين اللامرئي واللامحدود يتناول الفنان «ساندرو سانا» فكرة الوجود والتحليل المنطقي للعدم، لتتكون الحركة من خلال إيقاعات حسية يعتمدها كوسيلة تعبيرية عن منطق فني يتجلّى في اهتزازات فراغية تتشابه بين المعلن والمخفي. أو الوهمي والموجود تاركاً لمتاهة الفكر لذة الاكتشاف، لأن الإيحاءات الهندسية والرياضية التي ابتكرها في لوحة تحاكي بعقلانيتها الأطر الجمالية وإشكالية الثابت والمتغير لما هو مرئي ولامرئي، كالحياة والموت وما ورائية الحس الفني المتوازن في رؤاه وفلسفته التي تضع العقل أمام تساؤلات تعصف ذهنياً بالمتلقي.

أشكال هندسية صاغها الفنان «ساندرو سانا» تجريدياً بنسج فني ديناميكي متحرك وساكن يؤدي إلى خلق رهبة ورغبة في التغلغل إلى عمق الخطوط ومعانيها، لتكوين تأثيرات فنية تختصر بملامحها الحسية الأبعاد المخفية والظاهرة، وبغنى مضموني ذي تقنية دقيقة في حساباتها الانعكاسية من حيث الخطوط الأفقية، وحيوية الأشكال المصقولة فنياً لإضفاء صفة وجودية ذات أصول تتشابك مع روحانية الواقع الذي يراه في متانة الخط الهندسي واتجاهاته المحورية، في بناء الأشكال ووحداتها الهندسية المتكسرة أحيانا، لتتجلّى الحركة في الكثير من الأشكال ذات القيمة الموسيقية المتناغمة مع إيقاعات بصرية لها معادلاتها الخاصة هي بمثابة مقاطع هندسية تجريدية سابحة خارج الزمن، وهي أساس الأشكال كلّها التي نراها مكتملة في الطبيعة بشكل عام، ولكن النسق الفنية لها استقلاليتها الذاتية من حيث النظم الهندسية وقواعدها التي تنطوي على مستويات بصرية مختلفة في إيقاعاتها الداخلية التي تتصف بنيوياً بمفهوم ترتيبي له قوانينه الخاصة. إذ يلجأ سانا إلى حبك تتابعي مترابط في تضاده وتناغمه وتلاحمه الفيزيائي بمنهجية النظم التي يبحث عن دلائلها من خلال التجريد الهندسي ومحورية الحركة الخاضعة لعدة مصطلحات فنية أضفى عليها «ساندرو سانا» حيوية وجمالاً.

قد يسأل البعض لماذا قراءتي عن أعمال "ساندرو سانا " تركتها في باب قراءاتي عن الفن النحتي ، والسبب بسيط لأن كونية أعمال ساندرو سانا تفتح الذهن نحو إسقاطات نحتية مدروسة بأبعادها شاملة. إذ يمكن تنفيذ الأفكار التي تجسّد قدرته على التشكيل الهندسي برمته على الفن النحتي المحاكي للقوى العقلية قبل الوجدانية لإحداث الدهشة أو الإبهار ، وبالتالي هو يحيك معادلاته الفنية عبر العديد من التساؤلات التي تزداد بعد كل عمل فني يقوم به.

Doha El Mol