حركة نحتية تأليفية ذات رموز تجريدية عصرية

ضحى عبدالرؤوف المل

يمتلك " جورجي سباجاك" ( Giorgie Cpajak) لغة تصويرية تميل نحو تجريدية متوازنة هندسياً، مع لغة تترجم كل حركة ثقيلة أو مرنة، وكل ظل تراءى مع خطٍ ملتوٍ أو المنحني بجميع مزاياه . تتساوى فيه الرؤية والفكرة في الأذهان التي تلتقط الحركة البطيئة زمنياً، خصوصاً حين نلمس بصرياً وضوح الأشياء الحسّية، التي نستطيع من خلالها تمييز القيم الجمالية ، واستقراء الغموض الهندسي في كل كتلة رخامية أو غرانيتية أو حجرية أو خشبية أو برونزية. تحمل عناوين فنية استاطيقية تذكرنا بالآثار الرومانية، ومضامينها التصويرية الدقيقة كاشفاً عن مهارة نحتية تتصف بخصائص تجريدية ورمزية معينة. لأنها من مواد مختلفة وتصطبغ بصبغة تكنيكية تعتمد على الارتفاع والدائرية، والأشكال الرياضية الواسعة الخيال والتعبير، الخاضعة لخصائص النسبية والجاذبية والفراغ.

حركة نحتية تأليفية ذات رموز تجريدية . تدعو الفكر إلى تواصل التأمل بالحالات الكروية أو المربعة أو المستطيلة المماثلة بين الفراغ، والكتلة والشكل الأسطواني، وبين بانورامية الصورة المتخيلة والتكوين الحركي داخل الإشارات الرمزية الدلالية، مما يمنح المساحة بعض النتوء الخاصة الموجزة تعبيرياً، وتحمل قيماً تتكامل فيها الأشكال مع الألوان وتتناغم فيها الكتلة والفراغ. وفق انزياح مؤطر رياضياً. إذ يعتمد " جورجي سباجاك" غالباً على الخط العامودي والمربع والدائرة، والتعرجات المنحنية كموتيف له تكراره الدلالي في خلق حداثة متباينة، وصياغات ذات نسق دلالية وفواصل فراغية. تجمع الماضي والحاضر والمكان والزمان، بحس إيحائي يرصد من خلاله الحركة في الفضاءات الداخلية للمنحوتة حسب مفهوم كل كتلة ومستوى جاذبيتها عند ملامسة البصر لها ، ليشعر المتلقي بثقلها وحركتها الزمنية البطيئة .

جيومترية هندسية ذات اندماجات واسعة المدى ، ومساحات نستشف من خلالها مفاهيم افتراضية بصرية، حسّية، ونوستالجية تعيدنا إلى أماكن ماضية في زمن الحاضر، للولوج بنا نحو إدراك قيمة الرخام أو الغرانيت في توحيد الأبعاد الجينوفنية ، لتشابهات زمنية تجمع الرؤى الفنية في بوتقة النحت المعاصر المتأرجح بين الرمزية والتصويرية، وبين التجريدية والبنائية. لنشعر بالتحولات ضمن المساحات المغلقة فضائياً، والمفتوحة تخيلياً، نحو الازدواجية وامتزاج الحركة بصرياً بواقع الرؤية الفنية، لكل منحوتة هندسية كانت أم جيومترية ! بصرية أم ذهنية ! وما يتذوقه منها المتلقي من جمالية تؤدي إلى رؤى مختلفة . تبوح بزمان ومكان يجمع الخطوط ويختفي في فراغ يحقق قيمته الجمالية . المتمثلة بالمساحة المتجانسة مع الموتيفات المتوزعة فيها، بالإضافة إلى المشاعر الانفعالية والإرهاصات الحسّية الملموسة ، والتي تفصح عن دلالات هندسية متنوعة برزت بتشكيلات نحتية لها طبيعتها التكوينية الخاضعة للفكرة ، ومدى ملاءمتها مع المادة والإيحاءات المرتبطة بمعايير فنية ثابتة لها امتدادها الحضاري.

تنقاد المادة الرخامية أو الحجرية أو الخشبية مع " جورجي سباجاك" لطبيعة الحركة ذات المنحى الميلودرامي بمعناه الفلسفي. القابل للمحاكاة الوجدانية وأبعادها الفنية ، بصفة تجعل الفنان يتخطى المألوف ورموزه المنسجمة مع مقدار الجهد المؤدي إلى إنتاج منحوتة . هي بمثابة العالم الخاص للرؤى الذاتية النابعة من داخل الوجدان، والظاهرة من خلال تصورات عقلانية تؤدي إلى خيال فني يدفع الحواس إلى التأمل والاكتشاف، والمعرفة المرتبطة بحيوية القياسات الفنية والأسلوب النحتي المتماسك، والمتناغم مع الآلات النحتية الحادة التي تثير النحات ، وتستحثه على إظهار الدهشة، ليتذوقها بصرياً تاركاً للمتلقي الدهشة الحسّية والإدراكية، وكيفية الترجمة الحركية بصرياً، لمنح الخطوط اتجاهات تمنح المحسوس الجمالي لغة تتصل بالفضاءات التخيلية، وصورها الفنية المتعددة في أعمال" جورجي سباجاك" النحتية.

جمال فني يحمل بصمة واقعية وجدانية تحتفظ بصورة رمزية . تحتوي رؤى هندسية لها طبيعتها الحضارية التي تتميز بنوع من التأثير المُسبب للانجذاب البصري المؤثر على الإدراك الحسي السيكولوجي، المنتج لأفكار وإيحاءات وصور متخيلة. نستنتج من خلالها العمق الفراغي الملائم للمساحة، ولألوان العمل الطبيعية المتباينة فطرياً على سطوح الأشكال والعناصر الفنية ذات الأبعاد الثنائية والثلاثية. لأن " جورجي سباجاك " يضيف التوازن النسبي للكتل والسطوح، مما يخلق انسجاماً موسيقياً بين عناصر العمل الإبداعي، وبين حجم كل فراغ في منحوتة ذات مساحات تتفاوت فيها درجات التأثير البصري. كما تتفاوت الأوزان بصورة واضحة تتميز بالأشكال والصور الرمزية المتخيلة، مما يسمح بالاستقراء العميق لكل حركة خط داخلية أو خارجية.

تجانس بنيوي يكشف عن تعرية المادة الخام، وإظهار باطنها الجمالي، لفهم الحقيقة الجوهرية للمادة النحتية وتحديد مستواها التكويني من رخام كانت أو غير ذلك. فالأشكال الهندسية من دائرة ومربع أو مثلث أو تعرجات وانحناءات، مقرونة بمرونة الحركة الملحوظة بطبيعتها التشكيلية المتزنة، وبمفاهيم الأشكال الدلالية المنصهرة في مساحات تؤدي وظيفتها من حيث الارتفاع والطول والعرض، والرمز، والشكل ، والزوايا والفراغ، والزمان، والمكان، والملمس، والكفاءة الحسّية في إظهار الفكرة والمضمون والشكل بغض النظر عن الثنائيات الحيوية لمعاني الأشكال الرياضية، وتغيراتها الضوئية المواكبة للظل وللفراغ، ولمنحوتة مُفعمة بالبساطة والتعقيد، وبمتناقضات تعيدنا إلى بدائية النحت والفن المعاصر في آن.

تتفرع المضامين النحتية باتساق وتنافر يتمثل بحركات انعكاسية مشتركة بين الأشكال غالباً، ليحاول البصر الانتقال من نقطة لأخرى تاركاً نقطة الالتقاء في الفضاءات التخيلية، لترتبط الحركة المتثاقلة جينوفنيا بفن بصري نحتي . يبحث عن هوية فنية معاصرة تلازمه وثائقياً ، كطراز إغريقي أصيل يرمز إلى روح عصر له زمانه ومكانه، ودلالاته المعاصرة. يقول يبتر ماير:" لكل مرحلة جديدة تعبير عن مضامينها الروحية الخاصة، فهي لا تبني من جديد مجموعة الأشكال الفنية المعبرة، وإنما تستقبل من طفولة الأشكال القديمة تلك التي ( تتدوزن) وتتطابق مع الأفكار الجديدة."

يحاول " جورجي سباجاك " عصرنة الأفكار النحتية التي تولد في فضاءات مخيلته الزمنية، فيترجمها على المادة التكوينية الطبيعية حيث يترك آثار بصمته عليها، فتتدوزن إيقاعات كل شكل نحتي إبداعي حسب الأطر الضوئية المؤدية إلى إنتاج شكل خرج من الماضي بلغة عصر جديد.

Doha El Mol