هل يحتاج النحات للقساوة لينتج منحوتاته؟.

ضحى عبدالرؤوف المل

تتفاعل الأشكال الهندسية مع الحواس عند رؤية منحوتات "رودولف شمعون" وما تنتجه مادة الخشب من ثنائية مشتركة لها أبعاد الفن التصويري، ودقة النحت، وجمال التشكيل، ورقة تجويف الخشب. لأنه مادة مُشبعة بالطبيعة ومأخوذة من عنصر طبيعي حي يتمتع بالدفء والإحساس، كما بتمتع بالمادية والمعنوية من حيث الصلابة والليونة، فهل يحتاج النحات للقساوة لينتج منحوتات لها أبعادها الجمالية الخاصة؟ وهل كل مقدرة نحتية تتساوى، فتتقن إعطاء ملامح إنسانية لها فراغاتها التعبيرية ومقاييسها الانفعالية التشكيلية ؟.

شفافية مضيئة وتعتيم معتق مع أسطح ناعمة الملمس. لها حركة مستقلة تنتج حواراً خاصاً مع الضوء، ونعومة الشكل وطراوة منحوتات تدفعك للمسه. لتتأكد أنها من مادة خشبية لا ليونة فيها، لكنها تتألف من خلايا أكثر سمكاً تنشط مع الألياف الملونة والخواص الحسية المكتسبة على نحو سلس ينساب مع ليونة أنامل" رودولف شمعون " التي تحدد المكان والزمان لفضاء مرئي في مخيلة ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع الجسد من خلاله خطوطه الداخلية والخارجية ، ونمنمات لها البعد الحركي القادر على جذب البصر داخل الأشكال الهندسية المتداخلة في فضاءات الفراغ المتماسك، وكأن الفكرة مستوحاة من فضاء مخيلة لها نفس طبيعة مادة خشبية تتنفس وتتحرك، وتنسجم وتنفر، وكأنها مزيج من تناقضات لها امتيازات نحتية خاصة برودولف قبل أن يدخل إليها مادة لربط المواد مع الحواس، فتشترك الملامح الأساسية بإنهاء غموض كل كتلة لها طابعها الأنثوي الخاص.

لو نظرنا من خلال كل مساحة فارغة في منحوتاته سنجد توزيعاً لنقاط تستقطب الظل، وكأنه يملأ فراغ المنحوتة بالضوء في ترتيب له مساحته المخصصة والمجردة من مفاهيم النحت الكلاسيكي، وابتكار علاقة جمالية لها قيم عملية نحتية تتجه نحو حداثة حميمة. لا تفارق الكلاسيكية، لكنها تسبح في فضاء أسلوب حداثي متعلق بالصورة والذاكرة، والإيحاء في مساحة السطح المتوهج مع الذات والمرتبط مع الفن الواقعي والحياة.

يقول الفيلسوف الكولومبي نيكولاس غوميز دافيلا :" لا يتأتى الانسجام الحقيقي في أفكارنا من المنطق الذي يربطها، بل من الحافز الروحي الذي يثيرها."

خبرة هندسية ووحدة تكرارية لها محاكاتها في تحديد شكل المثلث فراغيا، وداخل الكتلة من خلال التجويف والإسقاطات المشهدية المزدوجة، وكأن الإيقاع هو صدى صوت الماء المتساقط نقطة نقطة ، لتتدفق غزارة الرؤية وفق تسلسل الحواس في التقاط الحركة الدقيقة التي تعتمد على جسم العمل الفني المتجانس مع المساحة من حيث الطول والعرض والسماكة، والفضاء السردي المتلاحم مع الخيال المشدود نحو كل فجوة تركها البصر لتنغمس في نرجسية لها أبعادها النفسية القوية المترابطة جماليا مع المرأة والوجود وقوة الخلق وجمال الحياة.

منحوتات مستوحاة من ظلال الرجل والمرأة، والازدواجية الحركية لدوائر لها أبعادها الثلاثية التكتيكية الغامضة أحيانا مع رمزية تنكمش من حيث الدينامية، فتشعر بالليونة والالتفاف مع كل خط منحن له فروقات خاصة ، وتضاد بشبه الموت والولادة في خلط له نافذة الحياة المظللة حسياً والقادرة على خلق الحوار الداخلي المثمر بين " رودولف شمعون" وبين المتلقي، وبين الفضاء النحتي ضمن أبعاد ثلاثية ( العرض والطول والعمق).

تنافر وانسجام ومن ثم تفاعل مع فضاء مخيلة لها مؤثراتها، وخصائصها التي تتناسب مع الحجم والمساحة، والأبعاد الأساسية للرؤية لأن مفهوم النحت هو تبادل الحركة بين المادة واليد، وبين الفكر والحواس وأيضا بين المعنى والمضمون والأسلوب،. مما يجعل التعبير البصري هو المحور الأساسي لكل عمل فني مبدع خلاق، وما يجسده من حركات وتفاعلات في كل نفس تتذوق الجمال.

منحوتات " رودولف شمعون " ترتبط معا بصريا من حيث الطول والارتفاع وفق خطوط عامودية لها ليونتها التجويفية ولون الخشب المذهل ونوعيته، وارتباط زوايا شكلها وجمعها في شكل له البعد الثالث والمعاصر فنيا، ليبتكر نحتيا ما يعكس رؤيته التصويرية المفعمة جماليا بالحداثة رغم الكلاسيكية الطفيفة المقترنه بالعين المرئية التي جذبتني نحو حركة الروح لمادة صلبة تعطي هوية خاصة لفنان يمتلك فروقات وضعها في منحوتات لها عنوان " ظلال" .

مفاهيم لها مكونات تجريدية محسوسة زمانياً ومكانياً ما يجعلها تعكس ظلال الواقع الفني المتجدد نحتيا وقد جسده رودولف في تجربة كشفت عن الحياة الإنسانية الكامنة في الخشب ومخيلة تخفي الوجه الحقيقي لواقع المرأة الداخلي والخارجي، وتناغمها المتجانس مع الرجل وثقل الكتلة وتوازنها، ما يجعلك تشعر بالألفة والمودة والتقارب، واحتضان الظل لقوى غامضة نابضة بالحياة رغم أضداد المادة والشكل مع طبيعة وبنية الإنسان إلا أن الغموض في معرض " رودولف شمعون" له ظلاله الملونة.

Doha El Mol