خصائص موسيقية وشاعرية في منحوتة يا نسيم الريح للنحات " بيير كرم"

ضحى عبدالرؤوف المل

يتألف النسيج النحتي من خرمشات متوازية ذات ملمس موسيقي خشن، لكنه يتسم بنظرة جمالية ورؤية تعبيرية تثير المفاهيم الجمالية الكلاسيكية ومفهوم الفهم والمتعة البصرية، والمعطيات النحتية لخصائص موسيقية شاعرية وتعبيرية في منحوتة" يا نسيم الريح " للفنان" بيير كرم " حيث مزج بين الأسلوب الكلاسيكي كشكل نحتي ، وأسلوب تعبيري ظاهر على تقاسيم الوجه الحيوي كطبيعة بشرية في ثنائية تشاركت معها آلة موسيقية تحتوي على نغمات تنسجم مع التكوين والأبعاد، والنسب الكلاسيكية ، ومن خلال مستوى اتجاهي متناقض في الوقفات الفراغية المحفزة ، لحركة ريح غنائية تخرج حسيا من بين الشفاه المتعرجة، الشبيهة بتعرجات الآلة الموسيقية، فالصياغات الحركية في المنحوتة منسجمة مع القيم الجمالية في نسيج يحقق البُعد الفراغي السيمتري، القابل للإيحاء وللإضافة والحذف، وكأن الحجر بين يدي " بيير كرم " ما هو إلا ذلك الوتر الذي يعزف عليه. لتولد الملامح الحادة بليونة وطراوة تنسدل مع طيات الشعر والخدود والذقن والشفاه ، وحتى الشعيرات المتفاوتة بين البارز والغائر والمفعمة بحركة متناهية يتعرج من خلالها الضوء والظل .

تلقائية تحيط بالحركة المتناسقة مع الخطوط الداخلية والخارجية ، الخاضعة لمعايير كلاسيكية بعيدة عن الفهم والتفسير وقريبة حسيا من القراءة الوجدانية ، المتلاحمة مع الحس والحدس ، ليقرأ المتلقي القيم الجمالية ، ويتحسس التعابير والملامح من خلال الخطوط الجمالية الغامضة ، فالوجه العام لصفة إنسانية هي وجه يتماشى مع أزمنة مختلفة، ومرحلة عمرية تؤكد على جمال الإنسان، وقدرة الخلق التعبيري بحد ذاته ، فالظواهر الفنية لها إبداعاتها الخاصة المرصودة من خلال تفكّر الفنان في كل ما يرى من حوله ، وما يحمله من فلسفة فنية يضيء بها أعماله ، فيستطيع بذلك رصد كل حركة داخلية طبيعية، ليظهرها على الكتلة الخارجية مترجماً الأنا من خلال الأنماط الاختزالية، وتأثيراتها على الفراغات المفتوحة بتوازن مع الانعكاسات الضوئية الناقلة لمناخات انفعالية. يتأثر بها الإنسان عند سماع إيقاع الطبيعة الموسيقي أو إيقاع كلمة أو دندنة موسيقية، لأوتار تشبه آلة نحتية تحتك بالحجر، وتؤلف موسيقى تصويرية نرى من خلالها كل ما تأثرت به مخيلة الفنان وأبدعته يداه.

وعي إدراكي يمتصه المتلقي عند التأمل لمنحوتة " بيير كرم " ونوتاتها الموسيقية التي تحمل بصمة الفنان " مارسيل خليفة" ليجمع بيير بذلك بين النحت والموسيقى وريح كلمة صوفية أطلقها " الحلاج " وتغنى بها " مارسيل خليفة" لنسمعها كحفيف ريح تغني للحياة، فالمنحوتة تجمع الفنون فكرياً وجمالياً من خلال الرمز والإيحاء ، والرؤية الشاعرية لسوسيولوجيا فنية تندمج فيها المفاهيم الفنية عامة، والشكل الدلالي المرتبط بخصائص متعددة تتفق جمالياً مع المشهد والعلاقة الهندسية، المخفية في تفاصيل تشبه البناء الموسيقي لقصيدة الحلاج با نسيم الريح.

بنية نحتية متماسكة من حيث الكتلة وأبعادها الموضوعية، فنظامها الهندسي الثابت والمتناغم مع الازدواجية في أشكال متآلفة، ومتماثلة داخل رؤية مكتملة التكوين واللغة الفنية ، ليحقق " بيير كرم " بمنحوتته توأمة الإنسان والطبيعة مع ما تخلقه يداه من إبداعات تتمثل في الموسيقى وغيرها، ومع ما يلمسه من الأصوات الحسية التي تلامس الحواس البصرية والسمعية. أو من الجماليات التي يراها وتساعده على تنمية الوجدان، فيستطيع بذلك التقاط محاور متعددة ، منها المحور الجمالي والهندسي ، والتماثل والتجاور المرتبط بالأداء الفعلي لحركة البداية والنهاية، ولنوعية النسيج النحتي وقدرته على المحاكاة ، والتحاور والتخاطب، ليشعر المتلقي بالعاطفة والعقلانية في منحوتة ثنائية الأبعاد ، كفكرة بصرية تعالج موضوعاً فنياً ، ومتعددة الأبعاد زمنياً ، ككتلة حجرية تحمل صفة نحت كلاسيكي يحافظ على الجوهر ، ويوحي بجمالية الكلمة التي تخرج من بين الشفاه .

تتكون منحوتة" بيير كرم " من خطوط متعاقبة ترتسم كطبقات مطوية متماوجة، ومنسجمة مع الضوء وعشوائيته المتناغمة التي تصل الحواس ببعضها البعض، فالحركة داخل المنحوتة تتمثل في التجويفات البسيطة الغائرة بتفاوت نسبي تبرز من خلالها الملامح الإنسانية الخلاقة، الممزوجة مع المضمون الأدبي لفن كلاسيكي أمسك " بييركرم " بتعبيراته المختلفة، وأظهرها للرائي بنغمة مختلفة وأسلوب ديناميكي يتميز بصياغة بنيوية ، لحجر يحمل طابعاً تشكيلياً تتصارع فيه الأفكار الجمالية من حيث المعنى الفني ، والمعنى الجمالي أو المعنى الهندسي والمعنى المعماري ، فيختزل كل هذا " بيير كرم" في وجه يحمل من المعاني حالة خاصة تتشابه مع وجوه متعددة لمرحلة كهولية. تجعلنا نرى الصياغة النوعية لجمالية مستقرة في داخل المنحوتة، كجوهر عميق يحمل معاني قصيدة ترجمها حسياً على حجر حمل ملامح الإنسان وموسيقاه الراسخة ، كمنحوتة تحمل كلمة تتعالى مع الريح وتفتح آفاق المخيلة نحو الحلم والواقع والحياة.

انساق متلائمة مع بعضها البعض، وفواصل تضفي على المنحوتة أيديولوجية أساسية لمنظور نحتي خافت على حجر ذي ملمس ناعم وخشن، ومؤثر درامياً من حيث الفعل الإيحائي للخطوط وعوالمها الهندسية المتداخلة، والمفتوحة فضائياً مع جمال التعبير الخارج من بين شفاه مسكونة بالإحساس العاطفي، والقسمات البارزة والغائرة بحيث يصعب التمييز بين ريح القصيدة ، والكلمة، والموسيقى، والتناغم الهندسي لفن نحتي جعلنا نتأمل المنحوتة ونكتشف عناصرها الجمالية ، وما تحمله من معنى فني مرتبط بتاريخ الإنسان ودرامية الحركة المنقوشة على حجر نراه بشكل منظوري وفق أبعاده الرؤيوية المختلفة، وجمالياته التي تحتفظ بالشكل الإنساني والنوتة الموسيقية.

قساوة ورقة وتضاد في المفاهيم الواقعية المستمدة من الخطوط النافرة ، والنسيج النحتي لتبرز القوة والإرادة في تصميم يولد انطباعاً كلاسيكياً متأثراً بفكرة الاتجاه الواحد أو الاقتران بين الخط العامودي والخط المائل داخل المربع ، وتفصيلاته الهندسية المغطاة تعبيرياً بزخرفة متألقة المعايير ، والعمق المتطابق مع المنظور والنظام الحركي المثير للظل والضوء والبصر، فتفاصيل الوجه المتراخية عند الأجفان لا تفتقر للصلابة رغم رقة الملامح والهدوء المحيط بها ، فلحظة الانتعاش تلتقطها من المنحوتة من خلال الانطباعات الحسّية الشديدة الوضوح ، مما يخلق تناغماً مع الفضاءات التي تُضفي بساطة وشفافية . بالإضافة إلى الرقة والدقة في إظهار التفاصيل ، وعلاقتها بالجزء والكل والعناصر الفنية.

لهذا استوقفتني أعمال" بيير كرم" الحجرية والفضول دفعني لحوار معه شكّل نقطة إضافية في استفسارات عديدة كان الجواب عنها متعة أخرى لها أصولها في قراءة منحوتات أخرى شارك بها النحات «بيير كرم» في سمبوزيوم كندا ببعضها البعض من حيث الخطوط والتفاصيل، والاتزان، والفراغات، وحتى مع لمسة مبهمة في انسياب الخطوط وتمايلها وفي الطول والارتفاع ، والتناسق بين المرأة والرجل حسياً وبصرياً، وتبعاً للحركة الداخلية والخارجية التي تشير إلى نقاط تأليف مختلفة. تبتدأ وتنتهي تبعاً لموسيقى العمل النحتي وإيقاعه وحجمه وفراغاته المدروسة من خلال زوايا حسية، لنستقرأ معنى المنحوتة أو عنوانها «اللقاء الجميل» بلقاء نحتي يحمل عدة مفاهيم متناقضة ومتناغمة ، يجمع الرجل والمرأة من مبدأ القوة والفعل أو الحركة والسكون مع حركات فيزيائية ظاهرية تحملها الخطوط التعبيرية في الوجه، والحفاظ على إبراز قيمة الخط وتضاده مع الخطوط الأخرى من حيث البداية والنهاية وتشكّل الفراغات. ليحقق الإحساس ضمن عالم المنحوتة الداخلي ومعناها الحسي «اللقاء الجميل» وهذا الحوار مع النحات «بيير كرم» هو لاستكمال استقراء المنحوتة...

- تنشئ تقاربا بين الخطوط وليونتها وبين المادة وقساوتها وكأن الايقاع الحركي هو جزء من لمسة إزميل يترك حركته الخاصة على المنحوتة، كيف تجمع بين كل هذا في منحوتة واحدة؟

- توازن العمل وعناصره التكوينية تفرض تتابع الخطوط التي تكمل بعضها البعض من حيث الترابط . كأن يبدأ الخط من نقطة ما وينتهي عن نقطة أخرى، ولكن في مكان متقارب من نقطة ابدأ بها من جديد، وكأني أعزف معزوفة واحدة متعددة النغمات، وفي هذه المنحوتة التي شاركت فيها ضمن سمبوزيوم «سان جورج» في كندا حمل الموضوع عنوان جمالي هو «اللقاء الجميل» فموضوع المنحوتة يجسّد اللقاء بين المرأة والرجل، وهذا يتطلب تقاربا ما بين الخطوط بشكل أوسع.

* الحجم، الكتلة، الفراغ، التناسق، أي من هذه المفردات تثير ذائقتك النحتية ومن أي منها تبدأ بالنحت؟

- ابدأ بالتفريغ أو بالأصح بإزالة الزوائد، لأنني أرى المنحوتة من الداخل، فأبدأ بتعريتها كي أصل الى حجمها، وتكاوينها ثم التقط توازناتها الفراغية، لأضبطها ضمن الايقاع الحسي والتناسق أو الدافئ ان صح التعبير قبل أن أصقلها ككتلة نحتية بالخطوط لتكتمل الرؤية كما أريدها.

* هل تراعي خصائص الحجر في النحت، فكما معروف حين نقول حجر ندرك انه مادة صلبة؟

- لا أراعي خصائص الحجر في النحت بل أفرض عليه ازميلي. كما أفرض عليه أفكاري، وهذه طبيعتي كنحات أن تحمل المنحوتة أفكاري وتسافر بها عبر الزمن.

* متى تصل الى الذروة في التعبير النحتي عما في داخلك؟

- يمتد التعبير في المنحوتة حتى نهاية العمل وما بعده ولكني في البداية أعيش حالة من التيه لالتقط الخطوط من فضاءات مخيلتي ومن داخل المنحوتة، وفي هذا نوع من العذاب الجميل

* تحقق منحوتتك دهشة تثير تساؤلات عديدة فما سر هذه الحميمية في هذه المنحونة؟

- الحميمية نابعة من داخلي، ومن الموضوع بنفس الوقت لان العنوان هو «اللقاء الجميل» فتقصدت ابرازها لأسكبها في هذه المنحوتة برؤية مختلفة عما سبق عن أعمالي الأخرى.

* في منحوتتك هذه لمست نحتا للجسد الانساني وفق رؤية شاعرية، هل من فلسفة خاصة في ذلك؟

- هي نوع من التلاعب على قماشة الحجر لأن التركيز يعتمد على الخطوط وتوازن الفراغ الحسي في فضاءات المنحوتة ثم تأتي قماشة الحجر بما لها من أهمية في اساسيات العمل النحتي. ما من فلسفة خاصة بمعنى الكلمة، ولكن هي ببساطة شديدة توازن العمل في الهواء وجمالية المسافات والخطوط ضمن توازن بصري وجمالي.

* تربط بين الخطوط والتفافات حادة مع شكل اسطواني يوحي بالثقل والارتكاز، ماذا قصدت في شكل هذه المنحوتة؟

- لا أحب التقوقع ضمن الذات أو ضمن رؤية لا حركة فيها. لان الايحاء بالثقل الى الأسفل هو بنفس الوقت الارتقاء الى الأعلى من حيث المعنى الحسي، وهذا هو التناقض الاثيري والمادى وفق معادلة تبرز فيها الحركة المادية والحسية للمنحوتة.

* ما بين الشكل والفراغ رؤية تنحصر في مخيّلة النحات متى تتشكّل الرؤية، وهل من تصميم مسبق للقياسات؟

- أنا أؤمن بالدراسة وبالتمحيص ولا اؤمن بالارتجال مع انني ابدأ بدراسة المنحوتة أو تصميمها بقياساتها ومحاورها وكل ما يتبع ذلك .

ثم انتقل لحريتي الشخصية بعد أن تتكوّن، فأنا أحاول تطوير العمل لأكمله باحاسيسي مع كل تفاصيله الجمالية التي اهتم لها.

Doha El Mol