انطباعية توحي بالحاضر الرؤيوي المتقن في الأعمال النحتية المعاصرة

ضحى عبدالرؤوف المل

تكتسب منحوتات الفنان الأميركي " دايفيد لي بوغان (David Lee Baughan) مظهراً حسياً منطقياً، يميل نحو فلسفة الروح والطاقة ، وبوعي مُثقل برؤية نحتية معاصرة تجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل. إن من حيث الكتلة الصماء وخطوطها الغائرة والنافرة، وإن بالكتلة الفراغية ذات الحركة المُتداخلة مع بعضها البعض، وبنوع من السريالية الناشطة فكرياً والجامعة بين الشكل والمضمون، وروحانية ما بينهما من فواصل يتركها بغرائبية انطباعية توحي بالحاضر الرؤيوي المتقن في الأعمال النحتية المعاصرة. إن من حيث الخامة نعومتها وخشونتها وملمسها البصري المتمايل مع الخطوط والتراكيب النحتية المثيرة لدهشة المتلقي من حيث البناء والامتداد، وقياسات الطول والعرض والتضاد ما بين الخطوط الجامعة والخطوط الفاصلة ذات الطابع النحتي اللين في مساراته ومعاييره ومساحاته المعينة المخصصة نفسياً للاستراحات البصرية التي يتلاعب بها النحات " دايفيد لي بوغان " عبر أجزاء منحوتاته المتفرقة والمجتمعة حسياً. ليخلق عند الرائي فراغات ذهنية من منحوتة ذات كتلة صماء دون الانفصام عن الواقع الذي يتجسد في تكتلات المنحوتة الميالة إلى الظاهر الإنساني وتلاحمه مع الكون ، والأبعاد غير المرئية لمنحوتات تشبه الداخل الإنساني النابع من مفهوم " وفيك انطوى العالم الأكبر " إذ تبدو الخيالات الرمزية كحقائق تتوهمها النفس، لكنها وجودية في طابعها المادي المُتجسد بمادة المنحوتة أو بالأحرى خاماتها وانصياعاتها لفكر " ديفيد لي بوغان" ذي البعد المعاصر في النحت.

تأملات نحتية تبثها الخطوط المثيرة بصرياً في منحوتات الفنان " ديفيد لي بوغان" حيث تتخذ الأشكال دلالات منسوبة للطبيعة الغامضة التي يصعب فهم القاعدة الذهبية فيها، محاولاً منح الخط العامودي واقعية الخط الأفقي الذي يقسم فيه الحركة إلى أجزاء يتوهمها البصر حسياً عبر منحنيات يبحث من خلالها عن العاطفة الإنسانية، والمشاعر الوجدانية وتحديات الذات الباحثة عن الخروج من الجسد أو من الحالة المادية ، مشيراً إلى الأطراف، والزوايا المتكتلة عشوائياً عبر نظمه الخاصة ، وأهميتها في البنية النحتية من حيث النهاية التي لا بداية لها للإنسان، وماديته الجسدية البعيدة عن الحركة الروحية أو بالأحرى التصوفية التي تدفع بالأحاسيس نحو التفكر الفلسفي مرتجلاً بذلك المعاني التفكيكية لبناء الجسد أو اندثاره وتلاشيه عبر الفراغات الصامتة في الكتلة المندمجة بقوة اللاوعي الحسي المتضاد، والمرتكز على عدة مجسمات جمعها بديناميكية هندسية ذات مفردات تنوعت تقنياً، وبانعكاسات بصرية ثلاثية الأبعاد من حيث المفهوم والأسلوب، وللوصول إلى المعرفة المرتبطة بحقيقة الإنسان المنسجم مع ذاته، والمتآلف بين الداخل والخارج والتركيبة المثيرة لعالمنا النفسي العميق في سيرورته، والمتشابه مع منحوتات الفنان" ديفيد لي بوغان"

تبلغ المثيرات النحتية ذروتها في أعماله المتميزة هندسياً مع إبراز الاختلافات في المقاييس المبنية على معطيات نحتية، تمرد عليها " ديفيد لي بوغان " ومنحها خاصية نحات جمع بين الفلسفة والبناء في رؤيته النحتية الباحثة عن الداخل والخارج، والتحليلات النفسية التي تتفاعل مع الذات، لتترجم أحاسيس النحات مستخرجاً مكنوناتها ومتخطياً التكوينات النمطية عبر الأبعاد المتأثرة بالنسبة الذهبية في تشكيل الأجساد الموحية بقوة وصلابة المنحوتة، وحركتها الميالة نحو الحداثة وسماتها المعقدة في منحوتة تشبه الأم أو العودة إلى الرحم حيث الفضاءات الموحية بقدرات الإنسان على التخييل، وبشفافية تهدف إلى خلق أمكنة تؤدي إلى البحث عن الذات عبر لغة نحتية جمع من خلالها رؤى هندسية وظّفها عبر اختزالات حركية تتضح بحيوية الفكرة والمادة معاً، والسمات النحتية المُبهمة، والواضحة في ميولها النفسية الخاضعة لمفاهيم الكون، والإنسان والوجود والعدم والقدرات البنائية المتمثلة بشفرات الحركة في كل منحوتة اختزل فراغاتها أو خطوطها، وتركها متماسكة جدلياً لما تحتويه من انعكاسات في الشكل والفضاء، والخط والتعرجات الحسّية الظاهرة والمحسوسة عبر مادة نظّمها. بل سخّرها في تحقيق التوازن البصري عبر السطوح وتناقضاتها في الملمس، والخطوط، والتعرجات أو بالأحرى خلق الفعل وردة الفعل، وتأثيراتها البصرية.

فن بصري ذو أشكال نحتية تلامس التركيب الحركي بتلاحم موضوعي وحيوية نحتية ذات محاكاة هي استلهام للتناظر والسيمترية في الطبيعة، ومادية الكون المناشدة للقوى الطبيعية التي يرمز إليها " ديفيد لي بوغان" في منحوتاته الحيوية النابعة من غزارة الحركة في الكتلة الصماء التراجيدية، وضمن تحليلاتها النفسية وتشكيلاتها العميقة، المختزلة هندسياً بعناصرها الإيقاعية ذات البعد الفلسفي والنحتي متجاوزاً المادة الملموسة نحو المحسوس غير المرئي. ليخلق انطباعات حركية تعتمد على المادة نفسها وتفاعلها مع الخطوط والأشكال المرتبطة بالصفة الجمالية والفضاءات الداخلية والخارجية المُرتبطة بالمفهوم الموسيقي للنحت الحديث ، ورمزيته التي تجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل، والإحساس البصري المثير لتساؤلات الإنسان وفيزيائيته المختلطة عبر الرؤى الزمنية المتدرجة من الإنسان القديم وصولاً إلى الإنسان الحديث حيث نفي الآلهة، والتفكر بحركة الخطوط التي ترتسم على الصخور والحجارة، والتي ينحتها الإنسان. لتترجم ما بداخله بمصداقية فن نحتي أبدع فيه الفنان " ديفيد لي بوغان"

يوظّف " ديفيد لي" الأجزاء الديناميكة في منحوتاته لخلق سريالية تهدف إلى اكتشاف المجهول النفسي حيث تعج المنحوتات بقوى غيبية يوحي إليها بصمت الكتلة الساكنه، وشكل الجسم الإنساني الغارق في متاهات البحث عن ذاته، وعن وجوده في كون هندسي استجمع منه المقاييس أو النسبة الذهبية في بناء كل منحوتة تميل بالفكر نحو التأمل المطلق في المادة والروح، وبنحت يترجم الأشكال الهندسية التي ينحتها ديفيد بفن نحتي معاصر يخدم الشكل والموضوع ، وبأسلوب جمالي أضاف عقلانية على المنظور المفهومي للكتلة وخامتها المنطوية على المعنى والمبنى .

Doha El Mol