مارون الحكيم" ورؤيته الفنية ذات الأبعاد الزمنية المعاصرة

ضحى عبدالرؤوف المل

يحرص الفنان " مارون الحكيم " من خلال ثلاثيات الفنية التي يغلب عليها محاكاة للإنسان وللبيئة من حوله ، للعودة إلى الإيمان من خلال رؤية تتجسد بثلاثية يؤمن بها " مارون الحكيم " نحتاً! وفناً تشكيلياً! وتركيباً إبداعيا !. إذ تتلون خامة الحجر بتصورات ناتجة عن خبرة فنية صقلها بالإيمان المُطلق بقدرات الإنسان المسخرة، لترجمة ثقافاته الفكرية وبرؤية يتيقن من خلالها بوجوده المستمر عبر الأجيال. لتشتعل الكتلة الصماء بالخطوط الغائرة والنافرة، وتُشكل إيحاءات تتناسب مع حواس المتلقي، تبعا لفكره ومعتقداته، ورؤيته الفنية ذات الأبعاد الزمنية المعاصرة المُحركة للفعل النحتي بكافة قوانينه وخطوطه وخاماته، وبالتشكيل وائتلافه للحواس المتذوقة لفن " مارون الحكيم" وللتركيب الإبداعي الذي يحمل صفة الشريط الشائك الباعث للشك والحيرة من اختراق التابو أو من تخطي كل ما هو مغلق بالمعرفة والإيمان، وبقوة القدرة الإنسانية الكامنة في إيمانه بالجمال .

تتميز منحوتات " مارون الحكيم" بخاصية الفعل النحتي وقوة المادة واتزانها مع الخطوط وخواصها الطويلة والقصيرة وفق معادلات قياس الطول والعرض لكل منحوتة وخامتها، وما يتناسب معها من كمال ونقص. إذ يشعر المتلقي بالاختزالات الشديدة الصرامة المكتفية بالخطوط الداخلية والخارجية، ومعانيها الغائرة والنافرة، وحتى الهندسية الملامسة بتجريداتها التكعيب بنسبية مسماة معادلات الرؤى الفنية، وإسقاطاتها على الخامة الطبيعية ، وما يتناسب معها من صنعة أدوات النحت ، وقدرتها على اختراق قسوة المادة وصلابتها، وتحويلها إلى كتلة هندسية ثلاثية الأبعاد بكل معانيها الجمالية والبنائية . إذ يترك " مارون الحكيم" لأفكاره الذاتية الرحيل عبر المادة نحو العمق والجوهر. ليكتشف ذاتيته بموضوعية الكتلة، وكأنه يبحث عن التآخي في مادة جامدة يحركها بقوة الفعل، ويتركها تحاكي الحواس بجمالياتها، وكأنها المرأة الأم التي يفتقدها ويبحث عن قدسيتها في محرابه الداخلي. ليستخرجها كفكرة جوهرية تتجسد أمامه بكامل كينونتها، وقدسيتها الحسية النابعه من خصائص المادة والجسم الإنساني الموشى بنسبة ذهبية يلتزم بها " مارون الحكيم" بدقة وخبرة فنية.

تتسع ثلاثيته الفنية نحو الارتقاء الحسي بمزاجية الفنان الباحث عن التأثرات الطبيعية للإنسان بما حوله ، وملاحظاته التي تبلغ أشدها في الملمس ، ودوره في خلق تناقضات تتفاوت في تضادها الفني بين منحوتة ومنحوتة. إذ يركن البصر إلى البداية والنهاية عند كل خط ، وإلى المعنى المضموني بعمقه، وتعليلاته الحركية المتعلقة بالأبعاد الزمنية من حيث التدقيق والملاحظة، وخط الارتفاع الوهمي المتوائم مع المخيلة، وحقيقة المادة وخطوطها المتصاعدة والأفقية ، وذات الانحناء المتمايل ضمن موسيقى الخط والعاطفة التي تتجلى بالتجويفات المنسابة برقة وحنو مع مادة صلبة تضعنا أمام زئبقية أشكاله ضمن المنحوتة الواحدة ، وقياساتها، وأحجامها وفراغاتها الوهمية أيضا عند الانتقال من معنى إلى معنى داخل المنحوتة الواحدة .

يتحدى " مارون الحكيم" في هذا المعرض قدراته. ليحقق استنتاجات يبرهن من خلالها وجودية نحتية ببصمة ذاتية ، وبمقاييسها الخاصة ورؤاها المحاكية للإنسان ، وما يحققه بالمقابل مع ما تحققه الطبيعه بثلاثيتها المادية والروحية والجمالية ، وبترتيب متشابه بين الإنسان وإيمانه ومادته ، وبين النحات والمادة بين يديه، وحسية الحركة المفتوحة نحو فضاءات تخيلية حيث التجرد من التفاصيل واللجوء إلى الاختزال، لالتقاط الجوهر والمعنى ضمن أسلوب هندسي نحتي مرن ، مشبع بالوان الخامات واختلافها وأشكالها وأحجامها ، وحتى سطوحها وارتفاعاتها المتناسبة مع الحجم ، فلا سبيل في تغير المقاييس النحتية والتمرد عليها ، ولكن هناك ترتيباً أولي للفكرة واندماجها ضمن التشكيل النحتي من جهة ، وضمن تتابع فصول المنحوتة من حيث الموضوع والشكل والرؤية. ليختزل ثلاثية فصوله بنحت ذي وحدانية جمالية .

ناعم وخشن ، ورؤوس دائرية وحادة ، ومفاهيم رياضية متعددة تدفع إلى التفكر بمنطق جمالي يرصد من خلاله المتلقي أدق الملاحظات المضمونية الهادفة إلى الإيمان، والعودة إلى الذات ونبذ الشك ، والتعقل في كينونة الإنسان وما حوله من ظواهر طبيعية أنتجت المادة التي يشكلها الإنسان. كيفما يشاء ويسخرها لخلق جمالية تشع بالقيم الفكرية ، وبتأليف فني ذي مقاييس تثير الحس الفني وتدفع به نحو إيحاءات وتأويلات مختلفة القراءات .

خصائص نحتية لينة وخصائص نحتية صلبة، وما بين هذا وذاك عودة إلى الطفولة التي لا يتركها " مارون الحكيم " تخلو من معانيها الجمالية. إن في أعماله النحتية أو في أعماله التشكيلية أو التركيبية الإبداعية التي لا يمكن لي الكلام عنها ضمن مقال واحد. إذ تأخذ أعماله النحتية النصيب الأكبر من الجذب البصري الذي سيطر عليه بمنحوتاته ذات الموضوع الموحد مع التشكيل والتركيب الإبداعي ، ولكن ضمن أسلوبه الخاص التابع لنوعية المفهوم الذي يعالجه في هذا المعرض ، وهو وحدة الكتلة مهما اختلفت مواضيعها المتعددة، فهو متأثر بالبيئة المحيطة به، وبالثورات والأحداث السياسية . ليرفع منحوتة كالقبضة ذات العقدة الوسطية المتوحدة مع الشكل والمضمون، وكأنه يدعو المتلقي ليتفكر بوحدانيته وإيمانه وقدراته في خلق الجمال والسلام .

Doha El Mol