القيم التعبيرية لفن النحت وتكويناته المختلفة حسيا
ضحى عبدالرؤوف المل
تتمتع منحوتة " سلوى زيدان" Salwa Zeidan بليونة ذات خصائص مرنه تحقق من خلالها صباغة منحنيات مع الحفاظ على الحدود الداخلية والخارجية . ليتفاعل الفراغ مع التعبير الداخلي للمنحوتة بمزاوجة فنية تمحو من خلالها صلابة خامة الرخام الأسود ، والتباين الطبيعي للمادة حيث يبرز التشكيل النحتي ، كتجريد ساهم في إيحاءات تؤكد على القيم التعبيرية لفن النحت، وتكويناته المختلفة حسياً والمنسجمة مع المضمون ، والفكرة والشكل المادي . إذ تبدو الحركة الداخلية بمعناها الجمالي متفاعلة مع الرؤية . لتنضبط الحركة الخارجية بصريا ضمن حدود المادة ونهايتها المصقولة بدقة . لتتماسك الكتلة مع الفراغ، ومع حسية الخصائص الجمالية التي ارتكزت عليها الفنانة " سلوى زيدان" في منحوتتها الرخامية ذات الإيقاعات، والمسارات المنحنية التي تضيق وتتسع تبعا للتشكيل الانحنائي ومعناه الخاص.
يقول سانتيانا :" في كل تعبير يمكننا أن نميز بين حدين: الأول هو الموضوع المعروض بالفعل ، وهو اللفظ والصورة، والشيء المعبر، والثاني هو الموضوع الموحي به، والفكرة اللاحقة ، والانفعال أو الصورة المثارة، والشيء المعبّر عنه." فهي تربط بين حيوية الفكرة، والانحناء العاطفي الانفعالي ، وبين البناء الشكلي مع الحفاظ على صياغة الخطوط بليونة تؤدي إلى ازدواجية الداخل والخارج ، والمعنى التشكيلي المحمل بنحت تختلف مستوياته. كلما أمعنت النظر في منحوتة ذات خواص جمالية غنية بتوظيفات الخامة الرخامية. لتحقيق الرؤية بتوازناتها الحسّية المثيرة لجدلية الشكل الخارجي والداخلي والتناقض والتنافر بينهما .
مادة رخامية سوداء معتمة ذات التماعات انعكاسية تساعد في استدراك الخواص الحسّية للعمل النحتي، وتضيف عليها إيحاءات قابلة لخلق حركة تعج بالخطوط المنسابة، وبتضاد التفافي أو ميلان في التناغم بين خطين ، لتتماسك الكتلة وتمنح ازدواجية تكنيكية، وإحساس بثقل الكتلة ، وخفة الفراغ مع مراعاة لخامة الرخام للحفاظ على القيمة التشكيلية والتعبيرية ، لمنحوتة تميزت بمقاييسها التي لم تتحرر من القيود أو الخروج عن المألوف، ولكنها أجبرت المادة على طواعية الخط والانسياب معه ضمن إيقاع نحتي جمالي يثير الحس الوجداني المتوائم مع مادة الرخام الأسود ، وخصوصيته البصرية من حيث التوازن بين اللون والشكل والحجم والفراغ . لمادة تنبض بحيوية اللون الأسود الواعي حسيا . مما أكسب المنحوتة غموضا يتناسب مع الشكل، ومميزات المنحنيات الجدلية المرتبطة جماليا بالحركة ، والفراغ، والمحاكاة الفيزيائية بين الصلابة والمرونة، والمتناقضات الرياضية التي تلاعبت بها " سلوى زيدان" وفقا لمادة الرخام الأسود، وصعوبة تشكيلها من حيث دقة الخطوط الانحنائية، وصياغة الخطوط اللينة والتحكم بها نحتيا. لإيجاد علاقة حركية تثير البصر، وتحقق صفة موضوعية غامضة من حيث الزمان والمكان، والكتلة الواحدة والتفاصيل المتناغمة مع الشكل والانسيابية في الحركة المقترنة بمادة الرخام الأسود ، الموحي بالوعي واليقظة والتجرد من الواقع .
يتنوع الخط الخارجي الانحنائي في ميلانه. مما يثير جمالية إضافية تتناغم معه الحواس من نقطة الانطلاق حتى نقطة الوصول إلى نقطة الارتكاز الأساسية للمنحوتة. لإبراز قيمة الاتزان في الكتلة، ودرجة إيقاعات الفراغ المنحصرة في الوسط مع حركة فراغية تبعا لزاوية البصر، وتعزيز الدوائر الشفافة أو اللولبية عند أطراف المنحوتة بتفاصيل تتكرر فيها الخطوط، لتترابط الأطراف أو النقاط ما بين البداية والوصول. إذ يمنح الخط المنحني عاطفة انفعالية تتصل بالواقع ، وضمن الرؤية النحتية وخواصها الجمالية.
مدلولات نحتية توحي بالقدرة على الإستجابة للمادة واتجاهاتها ، وقدراتها التشكيلية من تماسك وليونة وفراغ ، وحركة ذات مسافات تتضاد مع سكون اللون الرخامي ، ومسارات الفراغ الغامضة زمنيا . لتنفي الزمان والمكان في لانهائية الحركة، وظاهرية الخط الانحنائي الممتد بتماثل مع البعد الأول. لتتشكل ثنائية الخطوط ببعد ثانٍ يولد الإحساس بالأبعاد المتبقية، لنشعر بتغيرات الداخل من حيث الاتساع والضيق. كلما اقتربنا أو ابتعدنا عن المنحوتة ، ليزداد الإحساس بليونة الحركة وصلابة المادة معا، وضمن خاصية الاستقراء من خلال الإيقاعات الداخلية والخارجية، وثوابت الكتلة الخاضعة لانسجامات " سلوى زيدان " الهندسية والرياضية. لتشكيل نحتي معاصر هو رؤية جمالية تعكس حركة المادة الرخامية على الفراغ ، وعلى ليونة الخطوط وحدتها المتأثرة بتقنية النحت المتضمنة الانضباط الموضوعي. لمقاييس الكتلة والفراغ والتناسب بينهما مع بنائية الشكل ، والارتفاع الطولي الأقصى للخط الوهمي النصفي الذي يقسم المنحوتة إلى أجزاء متساوية تحاكي بجمالية الحس الداخلي منطقية الحركة وتكويناتها، لنشعر بفروقات التعتيم والتظليل بين الخطوط الداخلية والخارجية ، والتوزيع المرن لثنائية الظل والنور ، المحسوسة عند الانحناءات وأطرافها السفلية المتلاحمة مع القاعدة ضمن التفاف بسيط في الشكل، وعند الطرفين. مما يعكس التماعات المادة الرخامية السوداء المصقولة بدرجات تؤثر على الملمس، وعلى انتثار الضوء المتميز في منحوتة الفنانة " سلوى زيدان" الرخامية.
Doha El Mol