تحديات نحتية معاصرة تؤثر حسيا على جمالية المنحوتات

ضحى عبدالرؤوف المل

تتغلغل الفنانة " نادين أبو زكي" ( Nadine Abou Zaki ) في أعماق النفس، لتستخرج خبايا الذاكرة من اللاوعي، وبلمسات تترجم بشكل فني أحاسيسها ومشاعرها المتصلة بالمادة الخام. إن بالطين أو بالخشب ، وفي كلتا الحالتين تتلاعب بالدافىء والبارد، فالطين ومادته الباردة ومفهومي الليونة والقساوة، والقدرة على تشكيل التجاويف أو الخطوط دون رؤية أو بالأحرى بإخفاء حاسة البصر. لتنتج منحوتاتها البصرية باللمس، وتخاطب الجمهور أيضا بعتمة يحتاج من خلالها الحضور إلى لمس المنحوتة، وهذا التناغم البصري واللمسي هو بمثابة تحديات نحتية معاصرة تؤثر حسياً على جمالية المنحوتات ومعانيها الساكنة، والمتناقضة مع العناصر الحركية الأخرى .

تتوق الفنانة" نادبن ابو زكي" إلى خلق انفعالات حسّية لا واعية تعيدنا إلى اللمسة الأولى للذات، وبتفحّص يجتذب اهتمام المتلقي وينمي قوة الملاحظة والفروقات ما بين الإيحاء والتخييل، والواقع الإساسي الناتج عنه هذه الرؤى التي خرجت من نفس تعيد تشكيل المنحوتة باستدعاء اللاوعي، ومن ثم تعمد إلى مشاركة الضوء لإبراز تغيراته، وبتقنيات محورية تؤدي إلى تغيرات ضمن جوانب انفعالية من النفس التي تستعين بحاسة اللمس. متمردة بذلك على قاعدة المعارض النحتية الملتزمة بمقولة لا تلمس المنحوتات، لأنها تركت للمتلقي حرية الاستدلال والارتقاء بالمنحوتة نحو العقل ليدرك تفاصيل انفعالاتها ومن ثم بتوأمها مع انفعالاته ومفاهيمه الفنية، وبعيدا عن المراكز البصرية التقليدية المؤدية الى استكشاف ماهية المنحوتة، أبعادها، مفاهيمها ، معانيها ، حرارتها، برودتها، خطوطها، فراغاتها وما إلى ذلك..

تنطوي المنحوتات على حيثيات متبادلة بين ثلاثية جدلية في الفن( النحات، والمنحوتة، والمتلقي) وصلة الوصل بينهم الأحاسيس المشتركة التي يتم اكتشافها بتأهب نفسي وبدني مماثل، وبغموض ازدواجي. كأن المنحوتة هي من تستكشف الإنسان. لتتعرف إليه، ويتعرف إليها من لمساته المختلفة سيكولوجيا، وبتوازنات تتعرى مفاهيمها حسياً وبصرياً، وضمن تشكّلات الضوء وحتى اللباس أي ما بين التحليل والتمحيص، والاكتشافات الذاتية المتنازعة فيما بينها. لفهم الأجزاء ، والأطراف، والعمق، والمعنى، والخطوط، والنتؤات، والتقعرات، وهذا ينطبع في ذهن المتلقي باعتباره ثقافة نحتية تعتمد على حركة الآخر في الاقتراب أو الابتعاد أو حتى لمسة الأصابع وغيرها .

ربما يتم قبول الفن النحتي بهذا الأسلوب بوصفه يجسد إعادة الحركة في نشأته ولو عشوائياً، وربما يتنافر مع تفاصيله، فلا يألف بعض الأشكال والأحجام. إلا بعد أن يراها بمتغيراتها عبر الضوء، لنستخلص طبيعة المنحوتة دون نقطة بداية أو نهاية تجعلنا نتجاوز عدة مصطلحات مفهومة كلاسيكيا ، لنتجه نحو أسلوب معاصر في العرض، والاستكشاف مع الحفاظ على جمالية فن النحت وتركيباته المثيرة التي تستجلب الانتباه، وتعيد للوظائف الحيوية نشاطها، وللذاكرة ما تستبطنه ضمن نطاق العقل الواعي، وما يجسده من كبت أو اضطرابات تريدنا الفنانة " نادين ابو زكي" أن نتخلى عنها ونتعرف على تجربتها في إعادة تحريك الذات من الداخل، لنستمتع باكتشافاتها الجمالية.

يسبح الفكر في سطوح منحوتاتها، وتتيه النفس بين ثنايا التجويفات المتكررة الإيقاع، وضمن اقتباسات لكل منها تأملاتها الباطنية التي يستبطنها العقل، وتتآخى معها الحواس. لتغرق بالتفكير العميق دون الإحساس بأن ما نلمسه ، وما نراه فيما بعد هو عمل نحتي رحلنا معه نحو أعماق الذات، بمتعة حسية لها جمالها الخاص حيث الهروب نحو المراكز اللاشعورية التي تجاهد في الوصول إلى العقل. لمعرفة ماهية ما تلمسه، ودون تكلف عاطفي أو وجداني يؤثر على ديناميكية الفكرة المطروحة في معرض عنوانه " رجاء لا تلمس الأشياء" لتستفز الزائر على اللمس، وتحفزه على التمرد. بل وتعيده إلى مرحلة الاستكشاف الطفولية للجسد، وللأشياء من حوله تاركة نشوة نفسية تحث الإنسان على تجربتها بنفسه .

المس وتخيل لتصفو فكريا وترى الواقع بتشكلاته الحقيقة وجوهره الحسّي المبني على مفارقة الواقع واللعب مع الخيال دون نسيان المادة (الطين والخشب) أو الأحاسيس الناتجة عن فهم الحركة، وعمق الأشكال المرصودة ذهنياً ، وبإيقاعات باطنية تتشابه مع المخ في تشكّلاتها الخارجية والداخلية، وبتضاد مع حركة الروح الإنسانية، وفقدانها في المنحوتة الجامدة بمادتها والنابضة بالمعاني بأشكالها وخطوطها وبالمعاني الحيوية التي تنادي النفس إلى التخلص من شوائبها أو بالأحرى من كل كبت داخلي حسّي أو معنوي . إذ تنفي التعقيدات الداخلية الموجودة فكرياً بالتهيؤات أو المؤثرات من ضوء، وشاشات، ونحت حي أيضا، ونسيج خاص لنوازن بين الكبت والتحرر، وتضارب الآراء والتردد، والشك واليقين المشوب بانفعالات تفهمها النفس، وهي تلامس المنحوتة أو بالأحرى بشكل مجازي بصمة ذاتية نحتية لها جمالها.

لخلق مؤثرات إضافية على منحوتاتها اعتمدت الفنانة" نادين ابو زكي " على أربعة فنانين هم " زيد حمدان " ( شاشات رقمية ) " علاء ميناوي" ( الإضاءة الفنية) " بشارة عطا الله ( النسيج او اللباس ) و" ليزا شحادة" ( النحت" على قيد الحياة او النحت الحي ). وذلك بإعادة العمل النحتي كل حسب طريقته الفنية، وبتقاطع يجمع النحت مع الفنون الأخرى لتستكمل المفهوم النفسي لمنحوتة غامضة في تكاوينها بصريا.

Doha El MOL