ابتكارات فنية تنتمي لمذهب نحتي يميل إلى الشرقية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتبلور الاتجاهات النحتية في أعمال الفنانة " سيمون فتال" Simone Fattal في أكثر من عمل نحتي قدمته في معرض يستنيش ذاكرة النحت الصلصالي القديم. ولكن ضمن رؤية نحتية معاصرة تهتم بطابع بلاد المشرق القديم، وما بين النهرين أكثر من أي حضارات غيرها. كما تقدم رؤيتها وفق أسلوب بسيط ومعقد ، ولكنه يتسم بقولبة قديمة تواكب روح العصر، وتمنحه جمالية نحتية تتميز بمحاكاة زمنية ووحدة المعنى المسبوك في الكرات أو الوجوه أو حتى خزائن الكتب، فالتقنيات الكلاسيكية المستخدمة في النحت استحدثتها "سيمون فتال" لتمنح الكتل والأشكال الأبعاد الثلاثية حرية مقيدة ضمن ابتكارات فنية تنتمي لمذهب إبداعي نحتي يميل إلى الشرقية أو السمات العربية الطافحة ، بتفاصيل وجوه أو بمضمون موضوعي سبكته مع مادة الصلصال أو السيراميك بالإضافة إلى مواد أخرى تميل نحو التعتيق النحتي.
لم تكسر" سيمون فتال " ما هو معهود في مادتها الخام المستخدمة في منحوتات تنوعت ما بين القديم الجديد، ووحدة الرؤية الفنية المتثاقلة بمادتها الطينية أو الصلصالية أو حتى السيراميك، فالاختلافات في الأشكال الرياضية الديالكتيكية ما بين الدائرة، والمستطيل أو ما بين الكتلة والفراغ ، يحقق ترجمة نحتية مقروءة من قبل المتلقي الذي يبحث في ثنايا الذاكرة عن الآثار الفنيقية أو الكنعانية أو تلك المخفية في بلاد الشام. مما يبعث روحية جمالية تحتفظ بها منحوتاتها الأثرية، وكأنّها مقتطعة من مغارة أو كهف أو من متحف فني نحتي مستحدث، يراعي فكرة التناسب الفراغي بين الكتل. كما يراعي المواصفات المنسجمة مع الشكل والمضمون والأفكار المتناغمة مع الأسلوب الديناميكي.
تستحوذ المؤثرات القديمة والإسقاطات النحتية على المادة المتشكّلة تبعا لطواعية المادة، وصعوبتها في التشكيل المرن أو الغامض في زمنيته، وفي الأجزاء والتفاصيل المؤثرة على المتلقي بمعناها الخاص ، من حيث إنها شبيهة بالآثار التاريخية الغنية بطبيعة جمالية ميتافيزيقية ذات مضامين تحتل الفراغات فيها جزءاً كبيراً مع الاهتمام باستقلالية الكتلة، وتفردها أحيانا بالتأثيرات البصرية الكاشفة عن تكوينات تلامس الكتلة نفسها، وربما يتوازن معها من حيث التناغم والتضاد والانسجام الجزئي مع إسقاطات الضوء على الماده وخاصيتها. إلا أن تعرجات الخطوط تخفف من الحركة بسبب المادة النحتية المستخدمة، فالاتجاهات والمسارات للخطوط تحدد الكتل وقدرتها على استقبال الضوء والظل والحركة البصرية المحسوسة في كل منحوتة نجحت" سيمون فتال " في صيغتها الإنسانية المُرتبطة بالزمن المتجدد في كل حضارات العالم.
تسري الحركة المحسوسة في أعمال الفنانه " سيمون" فتال من خلال الضوء ومزاوجته للعتمة، والظل المرتبطة بتكوينات الثنايا أو الطيات الغائرة في المنحوتة ، حيث تبدو التفاصيل مبسطة واختزالية وغير معقدة، بينما هي تحتاج لقدرات فكرية وإدراك ينعكس على قيمة المعنى في كل منحوتة يلعب فيها التوازن النحتي دوراً مهما . فالتفاصيل الفنية تتضح مطوعياتها في التكوين النحتي، وطبقاً لقياس الطول والعرض للكتلة، وفلسفتها القديمة الجديدة التي تبرز معنى الوجود الإنساني، وتفرده في بث المنحوتات تراثيات تغلغلت في الذاكرة البدائية للوجود النحتي، وخصائصه الرمزية التي تشير إلى روح العصر والمعنى النحتي المتجدد في آن.
إن الأسطح المتنوعة الاتساعات تستفز البصر ، بالإضافة إلى أنّها تقدم صورة تعبيرية ذات ملامح شاعرية بالإضافة إلى عقلانية الخطوط ، وتشكيلاتها المحكومة بأحجام تختلط فيها الأبعاد مع الرؤية من حيث رؤية التفاصيل التكوينية، الانفعالية في قسم منها متمسك بالحياة والوجود، دون الاهتمام بالامتدادات التخيلية وفضاءاتها ذات المعنى البسيط الذي يعطينا الإحساس بالحركة والتوازن في الزمن عبر أمكنة متعددة أو بالأحرى منحوتات مختلفة تستحق أن تنتمي إلى عصور مختلفة منها القديم ومنها المعاصر. لأن تفاصيل كل منحوتة يمضي بنا نحو حضارة ما، ربما ما زالت في الوجود من خلال المعالم الأثرية أو النحتية أو المعمارية، بالإضافة إلى المادة ودورها في التآلف بين الشكل والفراغ أو خلق تضادات تأثيرية بصرية، تستفز الفكر والوجدان وتمنح الرؤية ذاتية جمالية خاصة.
يقول دكتور شاكر عبدالحميد في كتابه العملية الابداعية :" إنّها تعني القدرة على اختراق العقل الإبداعي لكل حواجز الزمان والمكان، ورؤية ما يكمن خلفهما." تدمج الفنانة " سيمون فتال " بين مظاهر النحت القديم بالأساليب المتعددة لرؤية كل ما هو مخفي عبر الأزمنة ولكن عبر مخيلة فنية ، وبخامات تقليدية ذات طراز ديناميكي يساعدها في تقديم صياغاتها النحتية التي تتحدى فيها الأزمنة عبر سماتها التكوينية ، الدقيقة التي تتجلى في التصميمات المفتوحة بملامحها المتميزة على وجود ذي معنى يؤدي إلى خلق ذاكرة خاصة. تحتوي على معالمها الأثرية التي تستنبشها من مادة خام ينتج عنها كتل تتناسب مع الفراغ، والإحساس بالخفيف والثقيل، والخشن والناعم ، والحركة والسكون، والخطوط الانسيابية ذات الانعكاسات الجمالية، والحوارات الداخلية والخارجية مع الكتلة والشكل ، ومع الحجم ، والمساحة ، والأبعاد التكوينية الواضحة في كل نحت عكس حالة فنية ارتكزت على المادة ومفهوم النحت واتجاهاته الزمنية
Doha El Mol