جماليات الإيحاء وأسفار اللون في المعاني التوراتية

ضحى عبدالرؤوف المل

إن الإحساس بالأطياف اللونية هو انبثاق للحركة عبر التدرجات الضوئية ، وانعكاساتها المثيرة لنشوة الحس الجمالي عند كل فنان دون استثناء، فإشكالية الموضوع في كل لوحة تضيف إلى التاريخ الفني نموذجا يحتذى به. لتكون ضمن المتاحف العالمية كهمزة وصل تنطق بمقاييس رفعت من قيمتها الجمالية. لتتآزر محاور الجمال وترتكز على مفهوم نسبيز ربما هو الجزء الأهم من اللوحة التي تحتاج إلى بصر يفهم شيفراتها، لتتعرى مقاييسها وندرك أهميتها ، فالشكل البنائي المتفاوت في حركته وتطلعاته ونسيجه اللوني يشكل بإبعادة مستويات عديدة ذات مفاتيح بصرية تختلف في الفهم والمعرفة والأسلوب المرتبط بعناصر البناء الفني، لتتسق المفردات مع تطور والخطوط والألوان، وتولد اللوحة قوية بأركانها الواعية ومحاور ارتكازها المشدودة إلى بعضها البعض، وربما هذا ما استفز بي قراءة لوحة " الرضيع "التي تتدفق فيها الحياة من عتمة يصنعها القدر، ليولد الضوء في لحظات ترسم الأمل لظل مطمئن رغم الخوف الداخلي ، فتظهر الأشكال في أبعادها، وكأنّها مخلوقات خالدة تحيا أكثر مما يحيا الفرد البشري، وهي ضمن لوحة تظللها الخطوط، والأشكال الهندسية لتتناغم الكتل والتموجات اللونية، فتعطي الحياة لوجوه نتأملها، ونحاكيها لنرتقي في سمو فكرة ولدت من مخيلة رسام رأى في الظل والضوء عتمة ساحرة، ليتدرج الضوء من ريشة انطباعية تحدد المفاهيم لفن تشكيلي حمل اسم "جورج دولاتور"

رأيت اللوحة صدفة، بعد أن قرأت عنها في رواية أصابع لوليتا للروائي "واسيني الأعرج" فبناء الرواية المبني على لوحة "المجدلية" لهذا الفنان جعلني أدخل مكتبة العم غوغل وأبحث عن لوحات "جورج دولاتور" هذا !..لكنني فوجئت بجمال لوحة "المجدلية" كما بهرتني لوحة "الرضيع" التي تأملتها حتى ساعات مع موسيقى بيتهوفن، لأشعر بشريط ذكريات مرّ أمامي كأنه فيلم مصور عن كل مراحل أمومة عشتها وحتى إحساسي بالرضيعة حفيدتي وهي بين يدي ابنتي..

شفافية، وانعكاسات ضوء على الوجوه يزيل الظلمة عن القلوب القاسية، وكأنه يبرز الحالة النفسية للمرأة الممتلئة بالعاطفة، بل لون الحقيقة الداخلية التي تنعكس من مشاعر شخوص لوحته في توحد كامل مع كل أركان اللون والقياسات ، والأبعاد في معان يقينية وتفاعل اللون الأبيض، وكأنه يرمز لصدر المرأة المغمور بضوء الحياة. بل بنور ينبع من نقاط جمالية محددة بدقة، وفلسفة عالية. لتتجسد رؤية الرضيع في خيالنا وتتطور في مفاهيم دينية أو ربما أسطورة، وكأن الكف المكوّرة التي تمتد لتمسح وجه الطفل هي كف أ م موسى وهي تلامس طفلها قبل أن ترميه أخته في اليم.

إن نقاء اللون يضفي على النظر جواً نفسياً يبعث الطمأنينة والإحساس بالأمان، وكأن شاعرية الحركة في الأحجام المدروسة تتفاعل مع النظر والإيقاع اللوني أو الشمسي إن صح التعبير، فدرجة السطوع في اللوحة تشبه مراحل الغسق الأولى في توحد تام مع انفعالاته النفسية والحسية التي وصلتنا من داخل وخارج اللوحة! وكأن الذاكرة البصرية تستعيد مراحل رسم الرضيع الجنينية، وحتى الولادة في امتزاج اللون الإشراقي من ثوب الفتاة التي تحمل الطفل وحركة أصابعها. لتمتزج القوى الحياتية المنبعثة من ثلاثية العناصر الموجودة، فينبعث النور وكأنه يقول"ليكن نوراً"

إن للفن التشكيلي لغة تؤثر بالحواس التي تتلقى العمل الفني وتوزعه بالتساوي على كل العناصر الحسّية، لتندمج مع الرؤية القادرة على إتقان العمل الفني بكل مراحله الإبداعية التي تجعله كقطعة موسيقية أو رواية أو قصة قصيرة أو أسطورة ذهبية نتأثر بها ونعيش مراحلها، لتبقى في مخزون الذاكرة كضوء في عتمة أو ظل يخترق كل صلب لطيف نموذجي يستطيع تحوير الرؤية ليخلقها مجدداً من ذاكرة الخيال.

يقول بيكاسو:" الطبيعة والفن شيئان مختلفان ولا يمكن أن يكونا الشىء نفسه". بحثت عن الفراغ في اللوحة لأجد أنني سابحة داخل نظرة الأم التي تنظر إلى وجه ابنتها، أو تلك الراهبة المتتلئة نعمة وحنان، فالتوازنات المدروسة للكتل في الفراغ أظهرت بدقة الفكر الفلسفي لنظرة الفتاة وتقاسيم وجهها المرسومة بما يناسب عمرها، فالأعمار كالأحجام لكن الأولى حسية زمنية والثانية ملموسة واقعية ، لنشعر بالفرق الزمني بين المراحل الثلاثة في اللوحة بينما هو وضع نقطتين بدأ منهما في رسم لوحته الساحرة.

استهدف جورج دولاتور الروح الطاهرة المحملة بمضامين تستهدف جوهر المرأة ، واللون، والعتمة، والضوء، والظل، ليسطع سطح اللوحة بوهج الحياة، ونشعر بالسكون الداخلي المنبعث من خارج اللوحة إلى داخلها ليعكس المضمون الإنساني، وفي ريشة رسمت أتقنت! أبدعت، وتجردت من كل شوائب اللون عبر عناصر محددة تولّد انعكاس لوني في تقنيات واقعية معينة اعتمدت على تناقض الضوء والظل ،فنحن نعلم أن الضوء لا يخترق الأجساد لكنه يعكس عتمتها فيحولها إلى ظل ليختصر كل التفاصيل الأخرى..

بالإضافة إلى ذلك اهتمامه بمعايير الجودة العالية التي يتقنها لتكوين غموض مُلفت في كل لوحاته لنتساءل ما هذا الجمال؟

فالعناصر البصرية المشدودة كألياف سمعية أو كوتر يعزف أكثر من نغمة، فيخفي أي خلفية حركية لوصف طبيعي، لكنه حي في لوحاته رغم بساطة المشهد. إلا أنه حاد على حدقة العين وعلى الطفل الحديث الولادة في أسلوب أبرز قدراته في قوة درجات اللون المعتم، والمضاء لأن الطفل المقمّط يضىء وجهه النورمن طاقة تعكسها الشمعة المخفية خلف كف السيدة، وكأنها لوحة دينية تمثل العذراء وابنها مع قديسة هي الأم الحنون التي استطاع تجسيد مخاوفها وتسليط الضوء على الأنف والفم المفتوح ، لنشعر بمخاوفها على وليدها، فالشعلة!... كخفقان القلب المخفي مع الألوان ! الأحمر، الأبيض، الأرجواني، وخليط مركب من البني غير الظاهر تقريبا. ألا بنسبة مدروسة ليستعمل اللون الأبيض في رمزية الطهارة التي تغلف الرؤية كلها لتتفاعل يديها في إيحاء أمومي إ لهي يبدو أكثر وضوحاً لو نظرنا إليها من مراحل مختلفة. كما في لوحة عشاء في عمواس..لكارافاجيو وهي عبارة عن موجات ضوئية تتلاعب مع الإحساس البصري في تصوير ديني انبثق من فكر إلهي، لا يخلو من الخيال رغم واقعية كل نقطة في لوحة "عشاء في عمواس" للفنان الإيطالي " ميكيلا نجلو ميريزي" الملقب " كارافاجيو " فالتأثير المباشر في هذه اللوحة على البصر يعتمد على اللون الأبيض الذي يستقطب انتباه كل الألياف البصرية للناظر إليها، في دراما مسرحية ذات إ ضاءة تجعل اللوحة تبدو أكثر امتداداً، وكأنك تقف وراء الكواليس تتابع الأحداث بدقة. فاللقطة تخبرك بالحدث لأن التفاصيل الواضحة، والدقيقة تملأ كل فراغ بالحركة، لنشعر بعمق المفهوم الديني في مضمون لوني تعبيري لا ينفصل عن الشكل النابض بالحيوية والحياة، وكأنك تسمع وترى في توافق مشدود بين الداخل والخارج وبين الريشة واللون وبين الخط والنقطة ..

ينابيع لونية حارة، نقية وصافية تشبه قرية عمواس، إلا أن تناغم اللون الأبيض لمس الضوء في انعكاس لعتمة، وظل ارتسم على المائدة التي امتلأت بالخيرات، وهي تتميز بألوان الطبيعة وفق علاقة جدلية بين الطبيعة والإنسان والواقع، لعتمة تتخللها نظرات عيون تختلف من عنصر لعنصر، ومحاكاة فنية شبه فوضوية لعبقرية استطاعت التمييز في إظهار تجاعيد الوجه، والإيحاءات المرتبطة بحركة اليدين، وغموض نظرات تبحث عن يقين داخلي في وجه يراه، وثوب أخضر يشبه الجسد الممزق لنفس تعاني من صراعها الوجودي بين الخير والشر،واليقين والشك، فكل حركة في اللوحة مرتبطة بتناغم الوعي، والفكر الديني الفطري الذي يجعلنا نترجم اللوحة في خصوصية دينية نراها وقد أتقن فيها الأداء الحركي للحواس في عيون تفتحت لرجل يتفحص الوجه الملائكي وقبضة يديه تمسكان بالكرسي بقوة ..

تجسيد لأفكار ورؤى إنجيلية ذكرتني حتى بأخوة يوسف، في بساطة استمدت من اللون والظل حقيقة واقعية، فالألوان تثير النشاط الذهني لمن يقرأ اللوحة من مختلف تصوراتها التي انبعثت من عقل فنان جعل من العتمة مساحة ضوئية ممتدة، ومن الخطوط صوراً متعددة تحدد ملامح الكتل الموجودة في عمل خلاق يضفي البهجة لعيون تتأمل الأداء التقني، الفني في تناسب وتوافق، وتناغم يرتبط بلغة تعبيرية لونية، لنستحضر الزمن الماضي إلى الزمن الحاضر في حوار انفعالي اشتعل مع لون القميص الأحمر النابض بالحياة، وكأنه قميص يوسف الذي أعاد البصر ليعقوب، ليتلاقى الشكل واللون مع المضمون والإيحاءات الخفية في لوحة ذات محور جمالي يحافظ على الأشكال الهندسية البشرية، وكأنها لغة فنية تفهمها حاسة النظر التي تكتشف الخيال وأثره على الواقع والطبيعة من حولنا في دقة وصفية بنائية رسمها" كارافاجيو" فاليدان المفتوحتان على خط واحد والتي تتداخل وتتناغم في إيقاع حركة الأنامل التي نشعر بها في ديناميكية إشارات هي على قدر عال من التقنية.

إن اللون الأحمر أكثر الألوان التي تشير إلى قوة الحياة خصوصاً حين ينخفض ضوء الشمس، فهو جعل الأحمر لوناً صافيا جذاباً للعين، ليترك لون الطبيعة الأخضر في لباس شخصياته المتناظرة في تقنية استخدم فيها الضوء والظلام ليخلق تأثيراً ذات أبعاد ثلاثية.

يقول أرسطو: إن الألوان ربما تتواءم كما تتواءم الأنغام بسبب تنسيقها المبهج" فالانسجام والتشابه في تضاد استعمله أدهش البصر. لأنه استطاع إبراز التباين في تقنية جمعت الأحمر مع الأخضر، مما أضفى على اللوحة تناغماَ ولمعاناً زاد من القيمة الضوئية المتداخلة في العتمة لينعكس الظل وفقاً للعين التي التقطت اللون الأبيض الممتد على المائدة ، والحوار الداخلي لنشاط ذهني يجعلك تستحضر شحنات دينية وتاريخية، وأدبية لأحداث مشابهة ترتبط بذهنية الفنان وذهنية العين المبصرة لهذه اللوحة مع إدراك بصري متناسب ومتوافق. بل ومنسجم مع طاقة اللون التعبيرية، والتي تثير العواطف الإنفعالية، فنرى في الوجه الملائكي طيف يوسف أو الطفل يسوع أو رحلة المحبة والسلام.

يقول ويليام بزيونيس:" ليس هناك نظام معين أتبعه حين أشرع في الرسم، فكل لوحة لها طريقتها في التنامي. قد يبدأ أحدهم بمساحات لونية على القماشة، والآخر بعدد لا يحصى من الخطوط، وثالث بغزارة في الألوان. وكل من هذه البدايات يوحي بشىء ما حالما أتلمس هذا الإيحاء أبدأ بالرسم عفويا. وحينئذ يمسي الإيحاء شبحاً يجب الإمساك به وجعله حقيقة. وبينما أنا أرسم، أو حين تنجز اللوحة يكون الموضوع قد كشف نفسه."لكن كارفاجيو وضع الفكر الإلهي في مخيلته وأسقطه على الواقع الفني في اللوحة.

إن قوة اللون وتدرجاته تبرز أهمية حوار العناصر،ولتصبح الخطوط أكثر تحرراً في تداخلاتها وتفاصيلها، ويحولها إلى شكل لغوي يتوافق مع النص التوراتي أو التاريخي ، " فكارافاجيو" امتلك الأداء المتقن وسيطر على تقنية فرشاته. بل تفرد في تقديم لوحات ذات خصائص فردية تظللها العتمة والضوء ولون أبيض كوقفة موسيقية قادرة على إثارة الدهشة، فالفاكهة على الطاولة هي كتلة ساكنة تعددت ألوانها في تقارب يعكس ألوان الثياب، لتصبح حركة البصر متساوية مع خطوط اليدين لتوليف حركة تعبيرية هندسية، فالتراكيب وحركات اليد تجسد تدفق الخيال في إيحاء استمد واقعيته من ملامح شخوصه التي استطاع إبرازها في إيقاع حيوي وتقنية واعية ربطت بين المضمون والشكل، ليتحرر العمل من الانفعالات الداخلية إلى الأشكال الخارجية لمادة نصية توراتية أعطاها اسم "عشاء في عمواس"

Doha EL mol