رؤية فنية تشكيلية ذات دلالات إنسانية ترفض العولمة
ضحى عبدالرؤوف المل
تكشف " سيفرين دي ليون" ( Severine DesLions) عن طبيعة بشرية معولمة. تأثرت بالرؤيا المادية التي تسلب من الإنسانية جوهر الجمال البشري والطبيعة الفطرية النابعة من المعايير الحياتية التي رسمتها وفق الفن المعاصر، الصارخ بالمعاناة والجفاف في الألفة والمودة والمحبة ، ولكنها منحت الخطوط مرونة هندسية ذات رؤية طفولية أو هي عفوية في الظاهر، ومتقنة في تكنيكية تنفيذها. لتتقن المقاييس والنسبة المدروسة في توزيع العناصر أو الأشكال، والأحجام والكتل داخل المساحة المتوازنة مع الضوء والظل والفراغ، وما إلى ذلك من ألوان استخدمت فيها " سيفرين دي ليون" مختلف الأساليب لتوازن بين المضمون والشكل، والأسلوب والرؤية ودفق الجمال العفوي بمعناه المكتمل من حيث جمالية الصورة المعاصرة، ومخاطبة الإنسان عاطفة وعقلا وجمالا من خلال الخط واللون والمضمون الإنساني.
يقول جوزيف برودسكي:"ان كان الفن يعلم شيئا للفنان، فهو خصوصية الوضع الإنساني." خصوصية إنسانية تستخدمها " سيفرين دي ليون " لتضفي على لوحاتها محاكاة اجتماعية تشكيلية هي جزء من الألوان الصارخة التي تستخدمها دون أن تنسى الأبيض ووقفاته التأملية أو الموسيقية الفاصلة بين العوالم المتخيلة والواقعية ، بالإضافة إلى كثافة الموتيفات التي لم تتأثر بالخط الثابت في مساراته المستقيمة والمنحنية ، والذي يشبه أحيانا رسومات الأطفال. ولكن مع الحفاظ على الحسابات الدقيقة في نسبية اتجاهات الخطوط بالنسبة للمسافات الفراغية ، ولمساحة تكشف عن رؤية فنية تشكيلية ذات دلالات إنسانية ترفض العولمة وتبحث عن روحانية الألوان في الحياة.
مشاهد سردية فنية ذات نفحة قصصية تترجم من خلالها مختلف المواقف الحياتية، بمختلف الألوان الأساسية الأزرق، الأحمر ، الأخضر الأزرق، والألوان المركبة، وكأن اللوحة هي كتلة ألوان لا نستطيع أن نميز فيها الألوان الحارة أو الباردة، فالموضوع الحركي المنبثق من رسوماتها يبعدنا عن اللون فكريا. لننجذب مع النقد الاجتماعي للإنسان المشدود نحو الدولار، في إشارة منها إلى القوة المالية التي باتت هدف الرأسمالية العالمية بعيدا عن مشاكل الإنسان الأخرى الذي بات سريع الهروب نحو رؤى ابعدته عن الجوهر الحقيقي لطبيعة الإنسان. إلا أن النظم في خطوطها العامودية والأفقية والمائلة هي أيضا نابعة من قدرتها على التواصل رياضيا مع هذه المجتمعات التي تكونت في لوحاتها ، ولكن بلغة سردية نقدية وريشة ألوان، وقلم حبر يخط بشتى الأساليب ما تترجمه أفكارها عن العولمة والإنسانية.
مربع، مستطيل ، دائرة ، مثلث، فن يضج بالغرابة التصويرية أو بالأحرى هو نوع من الفن المعاصر الممزوج بفن فطري. أو بالأصح فيما يسمى art brut) ) قدمته" سيفرين دي ليون" بحداثة رؤيوية تنجذب اليها الحواس، فالألوان البصرية هي نوع مرئي من الحركة التي تركتها تندمج مع الخطوط المتسارعة والمتباطئة، وفق الأبعاد التعبيرية الهادفة إلى خلق حركة ضوئية زمنية توحي بطفولية نحتاج العودة إليها. لتصحيح مساراتنا الجمالية القابضة على سرعة زمنية لا يمكن اللحاق بها، بما يتوافق مع مفهوم المادة والمال والقوة الوجودية للدولار مقابل جوهر الإنسان وقدرته على محو العولمة المغلوطة ، وإن بالعودة إلى الفطرة أو الطفولة التي رسمت بها " سيفرين دي ليون" رسوماتها الديناميكية.
عوالم خيالية تفرضها " سيفرين دي ليون" بفن غريب معاصر ابتدعته لتخاطب به الإنسان جمالياً هندسياً ورياضياً، وبمتناقضات مفاهيمية وأسلوبية نكتشف من خلالها عن ماهية العالم المتحضر، وما وصلت إليه العولمة من توترات تبدو على الأشكال المتضجرة والمتأففة ، وعلى سلوكية شخوصها الغرائبية وسذاجة التعابير المرسومة على ملامح الوجوه التي تخاطب بها حواس المتلقي بصرياً من خلال الشكل والحركة، وتوأمة المعنى والأسلوب بجمالية درامية أو فانتازية ذات تفاصيل متعددة التقطتها من مشاكل الحياة اليومية . لتحاكي بها الذات بموضوعية فنية ذات تشكيلات قيمة جماليا.
تفاصيل فنية ذات موتيفات حركية تمثل العوالم المشتركة ماديا، ونتائجها على النفس الإنسانية من اضطرابات سلوكية أو توترات مشحونة بالاستنكار، وهذا ملموس في أكثر من لوحة من أعمال الفنانة " سيفرين دي ليون" إذ تبرز قدرتها الفنية من خلال بساطة الخطوط، وتعقيدها في آن أو السهل الممتنع. فترجمة المضمون أو الفكرة من خلال شخوصها الغرائبية هي نوع من جفاف الإنسان الحالي الذي تحيط به المتطلبات الحياتية ، وتزيد من ضعوطاته اليومية. إلا أنّها تظهر للإنسان أو للمتلقي الجوانب الجمالية المتعددة المحيطة به، والتي لا يراها إلا بشكل هزلي محبب للنفس. رسمته بفطرة ليلامس الوجدان من خلال السرد المشهدي البسيط ، والحركي مرئياً ولونياً، والمتناغم إيقاعياً مع الفكر المنسجم مع كل شكل من أشكال رسوماتها التشكيلية .
لم تخل رسومات " سيفرين دي ليون من حركة درامية رغم أنه تطغى عليها الهزلية الساخرة، فالوجع الإنساني ظاهر في أكثر من لوحة تركت للأسود فيها الوعي المتناقض مع الألوان الأخرى البسيطة والمعقدة، ومع الفراغ المتآخي مع السينوغرافية وجمالياتها الدينامية، بالإضافة إلى الأبعاد المقترنة مع البعيد والقريب ، والكبير والصغير، والرفيع والعريض، وما إلى ذلك من مفاهيم رياضية مزجتها بتكنيك هندسي يجذب الأطفال والكبار على السواء ، فهي تكشف عن حرية إبداعية في تكوين أفكارها التشكيلية المتأثرة بالبيئة العالمية الحاضنة علميا لمواضيع شتى دون الاهتمام بالجمال الحيوي، ولمفاهيم تستقطب الرأي العام وتجعلنا نبتعد عن الفنون أو عن العاطفة التي أججتها باللون البرتقالي، والأحمر، والأزرق، وبتضاد يخدم اللوحة من حيث الجذب البصري، وبث ما تسعى إلى إيصاله للعالم عن جوهر الإنسان المفقود في زمن العولمة الجديد.
Doha El Mol