العمق الإيقاعي للفراغات المحسوسة بصرياً
ضحى عبدالرؤوف المل
تتباين الألوان الحارة والباردة وتتغاير الخطوط في أعمال الفنان الأمريكي "تيم نوردن" (Tim Nordin) ليحقق عبر التكرار العمق الإيقاعي للفراغات المحسوسة بصرياً ، وضمن مراحل فنية تعتمد على الكتل التقليدية في زخرفة اللون وتناقضاته مع اللون الآخر. لتتضح نوعية الخطوط الفاصلة بتراتبية إيقاعية ذات فلسفة مبتكرة، لخلق وحدات تكوينية بقياسات مختلفة توحي بنوعية اللوحة وقدراتها الفنية الخادعة بصريا والابتكارية في توافقها وتنافرها، وكأنها جداريات زخرفية ذات مصدر لوني يتفاعل مع الضوء والفراغات الفاصلة المصممة تشكيليا، كممارسات موسيقية ذات قيم جمالية تتميز بالتكرار والتباين اللوني الذي يتسم بالعمق ضمن مراحله المتغايرة لإدراك الأبعاد بثنائيتها، وحتى ثلاثيتها النابعة من أصل تكويني واحد يوحي بالبيئة الإنسانية واتجاهاتها المسطحة عبر ثنائية المفهوم الداكن والفاتح ، وبصياغة ذات أوجه عديدة متراصة في بعض منها، فتكرار وحداته الفنية المترابطة النافية للروتين الحسي برغم التآلف البصري مع التكرارات المتشابهة والمتماثلة في كينونتها التشكيلية.
وتيرة حركية تتوحد مع نغمة الفراغات وعمقها، وتلاقيها، وتنافرها، وتناغمها ذات الترديد المنبسط ضمن أوجه التشابه والاختلاف في الألوان والحركة، والحجم، والظل ، والفراغ، والمساحات الصغيرة والكبيرة ذات التباعد والتقارب الناتج عن المزج بين لونين تتساوى من خلالهما أبعاد كل وحدة تكرارية متشابهة مع عناصر اللون وقيمة الفراغ ، ومعناه الهندسي المتطابق والمتنوع حيوياً الثري في صفاته التكرارية العميقة بمخزونها الفلسفي والهندسي، وبموضوعية الشكل وذاتية الخط الفاصل بمرونة بين الوحدات الفنية المتكررة، وكيفية اتجاهاتها وأحجامها المتساوية هندسيا وفق مفهوم التطابق والتساوي اللوني بتدرجاته، واتزاناته ونغماته البصرية الشبيهة بنوتات موسيقية، فهل يحاول " تيم نوردن" فهم أسرار التكرار في الكون من خلال اللون ؟
تكرار لوني وتشكيلي مشبّع بالحركة، وبتوزيع فراغي جزئي متوازن مع التوزيع الكلي للون والشكل، وبتحدٍ يؤثر على المساحات الممتدة والمنبسطة بمغزى فني يوحي بالتشابه، والتماثل، والتناظر، وبقوة مركزية الأشياء وتجددها بصريا، كلما نظرنا إليها من أبعاد مختلفة . لأن الإحساس بالعمق الفراغي في أعمال الفنان " تيم نوردن " هو لمعرفة العوامل البصرية المثيرة للإحساس الوجداني والعقلي، ولخلق انفعالات تتشكل عبر التنظيم والتساوي، والتطابق عند النظر إليها بعين تحتاج للتركيز على بؤرة البداية التي لا نهاية لها، وعلى قوة التلاشي لحقائق اللون وخداع الفراغ ضمن ثنائية تتزايد فيها الحرارة والبرودة عبر الجوانب السفلية والعلوية لكل شكل وحجم، وبنمطية كسر روتينها بنظريات اللون الثنائي والأبعاد داخلياً وخارجياً، وفي مساحة كل وحدة فنية تكونت إيقاعياً بشكل منفرد إيحائياً وكأن الجزء هو الكل، وبالعكس أو بالأحرى بمعنى قوة الجماعة في اختلافها وائتلافها وترابطها الحركي المعاكس والمنتظم، فلوحاته تشبه بأسلوبها أعمال الفنان " فازاريللي" وإن بنظرة فنية تشكيلية معاصرة .
ضبط فني يتراخى ويشتد عند تحديد الأحجام من منظور المفاهيم الرياضية القريب والبعيد، والصغير والكبير، والإيحاء بالثقيل والخفيف، والتلاشي عبر الفراغات المتكونة تلقائياً عند اختلاف تدرجات اللون وكثافته وشفافيته، وبتناقض مدروس تنظيمياً ، وإن تبدو عند النظر إليها أنها عشوائية وبتوافق سمفوني جمالي. لأن ما بين مفهومي التباين والتكرار في أعمال الفنان" تيم نوردن " يتضح مفهوم الحركة الفيزيائية المتلاشية مع النقطة المخفية في الفراغ التائه بين الأشكال. إذ يزداد الإحساس بالتجانس عند حدود فروقات اللون الواحد الضوئية، وكأنه يمارس فناً خزفياً يحتاج لصبر دؤوب في خلق العمق المتناسب مع الرؤية والمفهوم الإيجابي والسلبي لكل لون، وهذا ما نراه في الحياة ضمن البيئة والمجتمع وبفكر الإنسان الباحث عن العلاقات المتكاملة والمنتظمة في تفكر ذاتي نفسي ذي صفة إبداعية خلاقة . إذ لا يمكن توصيف لوحات الفنان" تيم نوردن" بمحدودية الأسلوب وقيمه الجمالية. إنما بالمعنى والمبنى وقوة الانصياع البصري للشكل والقاعدة الأساسية ليوحي بالانسجام المتين بين العناصر الفنية.
Doha El Mol