التكافؤ الموضوعي المتنافض مع الحقيقة الفنية في تشكيل اللوحة

ضحى عبدالرؤوف المل

يروي الفنان الفرنسي " تيري نيغلان" ( Thierry Naiglin) قصصه الطفولية بأسلوب فني أشبه بالسرد اللوني، لفن عفوي متمرد على المقاييس والمعايير. بل وعلى تناقض الألوان الداكنة والفاتحة ذات المسار اللوني الواحد ، الشبيهة بلعبة ذهنية تعتمد على دقة الفهم والملاحظة. إلا أنه يعتمد على تعبيرات الملامح للوحة تصويرية هي جزء من فن لوني يتميز بغموض ديلكتيكي يعتمد على رؤية تمثيلية وتصويرية ساذجة، يستخلص من خلالها ضحكة أو دمعة أو ارتسامه تعبيرية تؤدي لخلق دهشة اجتماعية فنية ساخرة احيانا، تستمد معانيها من البيئة المحيطة به أو من اللحظة التي ينتج عنها صورة اجتماعية ما. لترتسم المعاني بزخرفة لون رياضية تتلاعب على التضاد والتناغم البصري، والتنافر الإيقاعي بين الألوان الحارة والباردة ، والخارج والداخل ، والرؤية العامة للوحة من حيث ذاتيتها وموضوعيتها التشكيلية . كما في لوحة ( عام 2014 ليس عام السلام

(is not a good year for peace) .، فهل نبحث من خلال الفن التشكيلي عن الدلالات الاجتماعية أو حركة العالم الباحث عن السلام؟.أم أن الحس الفني يترجم الأحداث لصياغتها في حبكة تشكيلية تحاكي بصرياً العالم؟

تصوير تعبيري حر وفن ساذج ممزوج بلوحات مشهدية تسرد بألوانها الساطعة قصة قصيرة ذات مغزى اجتماعي، يهدف إلى تذليل قسوة الحياة . إذ تمثل شدة اللون وسطوعه قدرته على ترجمة الأحداث الاجتماعية التي ينتقدها فنيا بالحركة الزاخرة بالحيوية، وبنبض إيجابي يضع المتلقي أمام لوحة مقروءة هي أشبه بقصة قصيرة تروى للصغار وللكبار على السواء. إنما بخطوط زخرفية بسيطة ذات تعبيرات خلاقة تؤدي دورها في المخيلة إذ تعصف بالذهن من خلال الحركة التعبيرية التي تتولد من التناقض الرياضي، والمعنى الجمالي والتعبير اللوني للون الواحد مثل الأزرق المسيطر على لوحة سيدة تشرب الشاي. ليضعها بحجم بصري غير متوازن مع العناصر الأخرى. لتكون العنوان الأساسي للمشهد الذي رسمه بجمالية ترك فيها للأحمر ثلاثية حارة ما بين فوق ووسط وتحت، ليحافظ على مرونة البصر عند المتلقي وشدة الملاحظة المبنية على فروقات اللون الواحد.

يشدد الفنان" تيري نيكلان" على أهمية اللون في سرد قصة تعبيرية ما إذ يستطيع جذب البصر إليها بقوة السطوع الضوئي النابع من موجات اللون القوية. أو الطويلة المدى حيث يبرز السرد بين الفواصل بشكل محبب للنفس ومرن زخرفياً. إذ تبدو هندسة اللوحة لونياً متناغمة مع النباتات والأشكال بمختلف أحجامها، وألوانها، والمربعات، والمستطيلات، والمثلثات التي تتألف منها رسوماته ، وضمن رؤية يحبكها بالأشكال ذات التناقض اللوني، كالدائرة الحمراء في لوحة مربعة تعبق بالاخضرار، ودمعة تتساقط على سلام سيبقى في دائرة الحلم المغلق الذي يصعب تنفيذه أو خروجه للواقع بينما الطبيعة خارج الدائرة مزهرة جمالياً ومتصالحة مع بعضها البعض .

ما بين الأخضر والأزرق، ورمزية الأرض والسماء والدائرة الحمراء تعبيرات مختلفة استطاع ترك خطوطها الساذجة تؤلف بعفوية قصته الباكية على سلام لن يتحقق هذا العام. لنتأمل أسلوبه في رسومات اندمجت بصرياً مع السرد القصصي البسيط دون تعقيد بصري. بل بجمالية فنية ذات تكنيك معاصر . ليميط اللثام عن معنى فني يخاطب به كل الأعمار ، ويلامس به الأشكال الكرتونية المحببة للنفس، والقادرة على المحاكاة البناءة في تحقيق حياكة لونية في لوحة غنية تنتمي إلى مزيج من الأساليب المتحررة، كالفن الساذج او art brut أو حتى المقروء بصرياً من أصغر الموتيقات الفنية في اللوحة حتى أكبرها. إذ تبدو الأنماط الرياضية تناظرية في قسم منها، وحتى بسيمتريتها التي تعتمد بشكل ما على طفولية المعنى، لتقريب التشكيل البصري إلى وجدانية النفس من خلال فيزيائية اللون وحركته الإيقاعية التناقضية ذات الموسيقى أو الإيقاع الصاخب.

نعود إلى الطفولة، ونحن نتأمل لوحات الفنان الفرنسي " تييري نيغبلان" إذ يبدو التناظر الفني بين الأشكال والألوان متناقضاً مع الطبيعة، ومتوافقاً مع الحس السردي لسيميائية اللون الخاضع لترابط الألوان الحارة بشكل الخاص. وانسجام الألوان الباردة مع الرؤية الجمالية لبناء اللوحة المتحررة فنياً من القوانين اللونية، فلو تأملنا الزهور في مزهرية ذات خطوط انحنائية قليلا. لشعرنا بقيمتها الجمالية داخل الدائرة، والتي تحتاج كما الإنسان للخروج إلى الطبيعة أو إلى السلام .

برغم الاختلاف والتنافر والتضاد والتناغم، وما إلى ذلك من فروقات في الألوان والأحجام والأشكال. إلا أن العناصر تحتفظ بالمعنى مهما نظرنا إليها من نقاط مختلفة . إذ تتناظر بتناسب مختلف، ولكن نحتفظ بإبراز الموضوع أو الشخصية الأساسية في اللوحة ذات التكافؤ الموضوعي المتناقض مع الحقيقة الفنية في تشكيل اللوحة التي تتساوى بصرياً مع حواس المتلقي، وتتناقض مع المعايير الفنية . إلا أنها تحتفظ بجمالية فن ساذج معاصر لسمات نراها في اللاوعي التجريدي للأشياء أو من خلال كريكاتورية الشكل وتبسيطه فنياً . ليبدو طفولياً في تشكيلاته والتحولات ذات المنظومة الخاصة بالمحاكاة المفاهيمية المتكافئة مع الأسلوب المتوافق بخطوطه وألوانه ، وقيمة السرد الموضوعي. لقاص تشكيلي يقص على الكبار والصغار قصصه الحياتية المستمدة من البيئة معانيها اللونية، والحركية ذات الخاصية المرئية غير المألوفة واقعياً. إذ تأخذ من الواقع تخيلاتها لتروي الواقع من خلال الخيال الحسي .

Doha El Mol