سلاسة ريشة فنية تهدف إلى التقاط الأضاد
ضحى عبدالرؤوف المل
يفصح الفنان التشكيلي " خوسيه برباريتو" (José Gabriel Barbarito Hernández) عن تآنس الألوان في لوحاته الفياضة بالمعاني الحسية، المرتبطة بتقنية اللون، ومعناه السيكولوجي المؤثر على الفكرة، وتفاصيلها التي يترجمها عبر الخط والخيال، ليظهر سلاسة ريشة فنية تهدف إلى التقاط التضاد برقة ضوئية انطباعية أحياناً، وأحياناً أخرى بضربات مبهمة تسعى إلى الفصل بوعي بين عوالم الطبيعة والإنسان، والفروقات الجمالية بين هذا وذاك. ليطوي تعابيره المتناقضة بين لوحة ولوحة .إذ بين تقنيات لون عالية ترمز إلى عصف وجداني مؤثر ذي سرد بصري يستولي على تفاصيل اللون والظل، حيث التلاعب بدرجات اللون يؤدي إلى تداخل يعكس من خلاله " خوسيه برباريتو" قيمة الخفوت والسطوع والفروقات بين الألوان الحارة والباردة ، والتفاصيل المتنافرة مع طبيعة الشكل أو بالأحرى التفاوت بين الشكل والمضمون خصوصاً في لوحاته المغمورة بلون أسود تجريدي يلامس نوعا ما سريالية يبحث من خلالها عن الوجود أو أصل الإنسان .
ما بين الألوان الشغوفة بحرارة الضوء، واللوحات المجردة من الألوان ـ تحليلات سيكولوجية مختلفة. إذ يجمع في معرضه هذا لغات فنية تشكيلية ميثولوجية من نوع خاص. بل بمزيج ابتكاري يتسم بفلسفة محاكاة ذات مخاوف وهواجس داخلية، وكأنه يبحث عن الإنسان البكر في طبيعة جمالية تتكون من مفردات فنية يرسمها ضمن إيقاع يفرضه على الكتل والفراغات، والظل، وحركة الضوء الراسخة مع خرق للإنماط التقليدية التي يتمسك بها، ويتمرد عليها باعتبارها تجسد رؤيته الإنسانية ذات الطبيعة الوجودية، المتشابهة في تصوراتها والمشبعة بالمساحات المتخيلة، ضمن واقع الوعي الفني الموازي مع اللون الأسود أولا، ومن ثم الألوان الأخرى في لوحات يتركها لميثولوجيته الخاصة من حيث اليقين بالمعنى الفني المؤدي إلى خلق عبثية نستشف من خلالها روح الفن المعاصر، المغاير للواقع عبر فلسفة ذات سمة جوهرية تبرز بقوة في لوحات الفنان" خوسيه غابريل فارناديز"
فن ذو مفاهيم فنية اختلطت ما بين غامض انطباعي ميثولوجي تعبيري يتذبذب بين عبثية الوجود وقوة الحياة التي تسمو مع الألوان القوية ، وتنخفض مع الأسود من حيث قوى الشر المتملكة في النفس بشكل خاص، وفي الحياة بشكل عام . إذ يوحي " خوسيه بارباريتو" بالاختلاطات الوجدانية والعقلانية، ومؤثراتها على العين الفنية، وعلى ريشة تجاوزت عن الوصف بالاختزال الإيقاعي، والتكرارات المنفية من لوحات تنسجم مع الفروقات فيما بينها، والغامضة في قسم منها، وكأنه يروي قصة الخلق وبدايات الإنسان والصراع بين الخير والشر من حيث الضعف والقوة في متانة اللون الأساسي، وشفافية اللون المركب وأيديولوجيته المدعمة بالضوء في لوحاته التي تمثل الطبيعة البكر وبداية الإنسان وفي لوحات أخرى يترك للتجريد الأسود محاكاته الفلسفية، ليضعنا أمام مقارنات فكرية بصرية، وبتآلف إيقاعي يختلف في درجاته بين لوحة ولوحة، كتعبير وتحفيز لاستكشاف ماهية الطبيعة في حياة الإنسان.
تكوينات لونية أساسية ينطلق منها " خوسيه غابريال هارنانديز" بفعالية منضبطة في الشكل ومتفاعلة أسلوبياً مع اللون، وبحركة ضوئية تنخفض وتعلو تبعاً لدرجات اللون الذي يعتمد على الاتجاهات وصفاتها الرياضية المرتبطة بتحديد الأشكال ومعانيها الداخلية، وانفعالاتها الانعكاسية المصاحبة للون الأحمر المركب، وللأسود الموحي بميكانيزم خاص يرتبط بمعنى الإدراك الفني للشكل المستوحى من قصص ميثولوجية، ومن تعبيرية تثير بوحدة تكوينها البصر، وتحفز التأملات على الاسترسال في التفكر لفك معاني لوحاته التي يتلاعب في ألوانها ومعانيها. ليترك الصورة الموسيقية مفتوحة على عدة تحليلات بصرية وفنية .
كل لوحة من لوحات الفنان " خوسيه برباريتو " هي بمعنى مختلف من حيث المضمون والأسلوب، ودرجات الضوء والظل، فهو يمزجها ببناء موسيقي يتدرج بصرياً مع الخط وحدوده، ومع المساحة ذات التعقيدات بتداخلاتها ورمزيتها المرتكزة على بناء الفكرة المتحررة من ريشة ذات معتقدات يؤمن بها، ويبثها فكرة البحث عن الإنسان وفي عدة وجوه حسية من فرح وحزن وألم وخير وشر ووجود، وعدم وعبثية وما إلى ذلك . إذ يرسم ليحاكي الذات من خلال موسيقى اللون الداخلية بغض النظر عن الخط وحيثياته المتلاشية هارمونياً ووفق إضافات يمنحها تأطيرات فراغية تريح البصر وتجذب الفكر إلى التأمل والاستنتاج أكثر ، فهو لا يلتزم بأسلوب واحد في معرضه . إنما يزاوج بين المعاني التشكيلية، وبواطنها الموسيقية التي ينفرد بها لونياً، مترجماً بذلك خصائص كل لوحة من لوحاته. ليجبر الناقد على الإبحار في كل لوحة لفهم كينونتها الذاتية. بل وخاصيتها التشكيلية.
يتكئ الفنان " خوسيه برباريتو" على اللون الأسود في إظهار حدسه الواعي بالمقارنات التي يخوضها تشكيلياً. إنما ضمن انعكاسات اللون وحجمه واختلاطاته، والانبعاثات الوجدانية والعقلانية الكلاسيكية في باطنها والتقليدية في ظاهرها. إلا أنها تظهر امتزاجاً تاماً مع الفن المعاصر، وبروحية فنية ذات جدلية توحي بقوة الطبيعة، وغيبيات ما ورائية يصعب تفسيرها أو فهمها بشكل بارز. لهذا نلمس غموض جدلية ميثولوجياته مع الإنسان والطبيعة، وتحت عناوين مختلفة في كل لوحة .
Doha El Mol