الموجات البصرية الممتزجة تشكيلياً بالحركة البانورامية
ضحى عبدالرؤوف المل
تؤثر الحركة اللونية على جمالية المعنى التجريدي في لوحات الفنان الإيطالي " بيرو ماسيتي" . فالتفاعلات البصرية يزداد سعيرها مع الأبيض الهادف إلى خلق موجات تتصاعد في التفاف لين. لتمتزج مع الخطوط الايهامية المندمجة بتناسق دينامي يوحي بنغمات أوبرالية تعلو وتنخفض حسياً مع الألوان الباردة والحارة ذات الموجات البصرية الممتزجة تشكيليا بالحركة البانورامية ذات الفراغات. لتتولد الأشكال التخيلية بإيحاءات تركها تعصف حركياً داخل اللوحة ، ليتابع المتلقي الحركة الموسيقية النابعة من الألوان وتضادها ، والمساحات المنسجمة مع الأحجام والكتل، والأبعاد التعبيرية ،ضمن لغة تجريدية نستشف منها الجمال الحركي للألوان والفراغات، وبالأخص اللون الأبيض ذات الانعكاسات الحساسة والمرئية الجاذبة للبصر، والقادرة على خلق محاكاة ثلاثية بين اللوحة والفنان والمتلقي.
تباين ضوئي يمتد بين الفراغات، ويترك للظل نشاطه التفاعلي المتناغم مع الكتل بحيث يؤلف نوتاته الخاصة على القماش بواسطة اللون والضوء. كما تتوازن الخطوط السيمترية مع الأشكال الإيحائية التي يتركها هندسياً كمستطيلات إسفنجية تثير الحس البصري. كما تثير التساؤلات التي تتركها هندسياً أو رياضياً، فالعلاقات التشكيلية المترابطة مع الأجزاء الفنية في اللوحة تتمثل في الخطوط والألوان والأشكال، وحتى الحركة واتجاهاتها . لتزداد الدلالات والمعاني التجريدية عند الفواصل الجمالية التي يتركها، كلحن يستوقفنا لونياً عند حدود مسارات فتحها أو تركها مغلقة حيث تتلاشى الحدود في الأبيض المفتوح على ضوئيات عميقة المضمون ، وتمنح البصر انطلاقة نحو الفضاءات التجريدية التخيلية الأكثر تحرراً من اللون الأحمر الناري أو الأزرق الغامق أو حتى الألوان الأخرى المتماسكة. كأنها كتلة نحتها من الألوان، لتسبح في فضاءاته التجريدية الديناميكية.
تنطوي المعاني التجريدية في لوحات" بييرو ماسيتي" على معانٍ تعبيرية وهندسية ، استبطنها تجريديا بمراوغة فنية متقنة تضفي على الحواس والوجدان قيمة ذات حركة لونية بهلوانية مرنه. تتشكل ضمن الفراغات المدروسة والنسبة المحددة أو المقيدة بنظرة فنية تشكيلية. هي في ظاهرها متحررة تجريدياً ، وفي العمق مقيدة بمقاسات نسبية لا يمكن للون التجريدي الفرار منها. إلا حين يمتزج مع الأبيض المنفصل والمتصل مع العناصر الفنية الأخرى التي يلتقطها البصر حسياً من بين الأجزاء أو من خلال الكتلة اللونية، وقدرتها على بث تشكيلات مختلفة إيحائياً ، وكأنها في أبعادها تتحرك كغيمة نرسم من خلالها الأشكال الموحية بتعدد فني ينبثق عنه تصويرات تتميز سماتها بالحركة بشكل عام.
توليفات بصرية ذات جدلية رياضية حسية تتوافق وتتنافر تبعاً للظل والضوء، فالألوان المُعتمة تخفي درجاتها حين تقترب من الفاتح الضوئي، والامتزاجات الجمالية بين كافة العناصر الغامضة والمستترة بين طبقات اللون ، وتجريداته الحارة التي تؤدي إلى الإشباع الضوئي، واتساقاته الموضوعية ضمن المساحة المدروسة ، وإحساساتها الجمالية التي تنطوي على عوالم وفضاءات مشبعة بالقيم التجريدية ، وبمنحى بصري شديد الاتساع حركياً، وكأن اللون هو راقص يؤدي تعبيرياً رقصة إيقاعية تتناغم تصاعدياً مع اللحن الضوئي، المتجلي ضمن المعايير اللونية والقواعد التشكيلية المتماثلة مع الأسس الخاضعة لحركة الموتيفات. أو النماذج التجريدية النابعة من فرشاة عريضة تميل بوضوح مع حركة الضوء المتأثر بها " بييرو ماسيتي " فالانطباعات التخيلية لا محدودة ، وهي بحد ذاتها تشكيلات ذات خصائص موضوعية تتصارع مع الذات على قماش ومساحات واسعة تتلاشى مع الأبعاد بنغمة أوبرالية ممسوحة بالعلو والتصاعد البصري.
لوحات تشكيلية ذات طابع جرىء تتمثل في عوالمها الفردية والجمالية، وكأن الألوان هي العوالم الإنسانية بكل الصراعات، والتناقضات بين الخير والجمال أو السلام . فالالتئام والتجانس بين الخطوط والألوان يمنح الحواس إيحاءات ذاتية تتشكل ذهنياً، كتصورات إنسانية تهدف إلى خلق متعة بصرية تبعث الفرح في النفس عند المتلقي ، فطبيعة اللوحة وألوانها تتجانس مع الانقسامات الفراغية، وتماسكها بتباعد وتقارب رؤيوي يؤدي جماليته التشكيلية من حيث الأبعاد ، والصورة المتخيلة دون أن يفصل بين الأحاسيس الداخلية والخارجية للعمل الفني وتصوراته التجريدية التي تعتمد على التكثيف والمسح الضوئي الشفاف. ليثير البصر المنغمس في تفاصيل الحركة واتجاهاتها البطيئة والسريعة من حيث الالتفاف والانحناء، والمرونة الإيقاعية المرسومة كتموجات مطواعة، وسلسة تحيط بالأحجام والكتل ، وتتلاشى معها انفعالياً ليوائم غموض الفكرة مع وضوح اللون ومعناه الحركي المتغلغل في باطن اللوحة، وبين الفواصل حيث يتحد الكل مع الجزء. ليوحي بالطبيعة الحياتية المحيطة به جمالياً من خلال المحاكاة بين الخط واللون والفرشاة، واللمسة الحسية التشكيلية.
ألوان نابضة بالحياة، وخطوط تسافر بنا نحو فضاءات غير محدودة، وفراغات تتصف بمستويات حسابية ذات نسب مدروسة تقنياً ترتكز على مضامين التناظر ، والتماثل، والسيمترية، والمنظور المتلاشي مع الأبعاد والنظرة الفلسفية للفن التجريدي النابع من النفس أي من الداخل إلى الخارج. بالإضافة إلى الانفعالات والتفاعلات التي تنم عن تكوينات تأملية تستأثر بالحواس، وبالطابع الجمالي لأسلوب ذي رشاقة وحركة جدلية، تتميز بالومضات البانورامية والنسق الجمالية ذات المعنى الطبيعي أو الكوني التجريدي المحسوس ايهاميا من خلال اللون والضوء والحركة.
Doha El Mol