ابتكارات فنية إبداعية تناجي الطبيعة
ضحى عبدالرؤوف المل
يكرّس الفنان " داريو الفاريز باسو" ( Dario Álvaréz Basso) المادة الكيميائية في تشكيل لوحاته ذات الكيمستري التكويني الذي يمنح الصورة التشكيلية جمالية مادة مأخوذة من محيط الحياة ، وتنوعها البيئي من غابات ورمال وبحر وجبال وطين وما إلى ذلك . مما يسمح في ابتكارات فنية إبداعية تناجي الطبيعة بتكوينها وجمالها، وتشكيلاتها التقنية ذات الأشكال والألوان المتقاربة بطبيعتها النابضة بالحيوية التي تتمخض بوجودها، وتجاوزها الألوان التي تصطبغ بمائيات هي جزء من طبيعة تتشكل في رسوماته ، ونظمها التكوينية وبكل المعايير الفنية المثيرة للجدل في تقنيتها ورؤيتها التي تعصف بأفكار تتفاعل مع الصياغة الوظيفية والإخراجية في تنفيذ رسوماته وخاماته التي تعتمد على التجانس، والتضاد، والتباين البصري المبني على قيمة الشكل واللون معا.
إيحاءات وانفعالات تتفاعل مع خواص الرؤية الباطنية، لأشكال يرسمها وفق خطوط عشوائية تميل إلى صياغة تثير علامات استفهام، هي جزء من المعنى التعبيري الذي يتركه في أكثر رسوماته ذات الألوان الترابية، وكأنه يتقصى آثار الإنسان في طبيعة بكر يكتشفها وفق أسلوبه المتمثل بأهمية اللون، وحقائق الحركة الناتجة عنه مع الشكل بمختلف توصيفاته اللاشكلية. للولوج إلى المخيلة عبر فضاءات يمدّها بفراغات تتوسع مع اللون الأبيض، والتفتيح المفاجئ في بعض رسوماته ذات الكثافة والشفافية، والرؤية الكونية الشاملة في كل ما نراه من حولنا، وكأنه مشهد من الذات تضعه الحياة في طبيعتها وألوانها وأشكالها التي يرسمها " داريو الفاريز باسو" ببساطة وتعقيد أي السهل الممتنع مع الحفاظ على شاعرية اللون كالزهري والأصفر والخطوط الرفيعة والدقيقة، وكأنها شرايين نبتة رقيقة ذات جمال ملكي خاص.
كثافة في البنية اللونية تقابلها في جزء آخر شفافية في البنية الصورية الأخرى . لتتوازن الرسومات مع أضادها في أشكال تختلف عن بعضها البعض من حيث التناغم وحيوية اللون، ودقة الخط المتوائم مع اللون وعلاقاته الهارمونية المتعلقة بالمواد الطبيعية، وارتباطها بجمالية الحياة والتكوين التشكيلي المتحرر من قيود الشكل، وقياسات الحجم. يقول بولوك" أنا بصعوبة أمد القماش لو حتى قبل الرسم ، وقد ابتعدت عن أدوات الرسم التقليدية ، وفضلت استخدام العيدان ومعالجة البناء، السكين والأصباغ السائلة في التنقيط، العجينة الثقيلة مع الرمل، الزجاج المكسور، إضافة إلى مواد غريبة أخرى.
يستخدم " داريو الفاريز باسو" المواد اللونية المختلطة مع شوائب متنوعة غير متوقعة كمواد تشكيلية، ويتحرر كليا من قيود الفن التشكيلي . كما فنان عصامي أحيانا، ولكنه يرتبط مباشرة مع الطبيعة بكل إمكاناتها الفلسفية والجمالية . ليترك لعفويته وما يمتلكه من خزين كيميائي فيزيائي حركي في تشكيل رسوماته الهاربة من الزمان والمكان ، والمرتبطة ببيولوجية طبيعية يصور من خلالها كونية تتمثل في أهمية جمال اللون الطبيعي، وعلاقته بتكنيك يمنحه تركيبته الفنية الخاصة من حيث التفتيح، والتعتيم ، والضوء، والظل، والفراغات، والمزج الأوبرالي المتناغم مع الفكرة، وكأن رسوماته مجهرية في طبيعتها التشكيلية. ليضعنا بشكل مباشر مع أجزاء من الطبيعة تتلاحم في لوحاته، وتؤلف معنى الحياة وجمالياتها وفلسفتها الفطرية البكر وانفعالاتها التلقائية التي تتشكل من خلالها رسومات تراها العين، وتستمتع بها الحواس ويتفكر بها العقل. لتوحي بدلالات لونية لا واعية من حيث إيمائية تكوين اللون المائي أحياناً ، وحدته المحيطة بثيمات كل شكل ونغمته وحجمه، وحتى المساحات العامة لرسوماته وتفاصيلها الفنية.
وعي لوني تكويني يرتبط بالمساحات والفراغات، والمحاكاة الثلاثية التي يفرضها "داريو الفاريز باسو " اللون، والخط، والمساحة، وارتباطهما بالحركة الدائرية أحيانا التي تتشكل من لون محدد أو خط دقيق في مساراته التشكيلية او مساحة مفتوحة الفضاءات بمرونتها البصرية، ودلالاتها التخيلية التي تستمد من الطبيعة إيحاءاتها، وجمالياتها كالمربعات البيضاء وذبذباتها النصف دائرية المتناغمة مع دورة الحياة ، والمنسجمة بصرياً مع البنية المغايرة لتنوعات اللون، وتدرجاته والظل والضوء والتلاعب البصري اللامتناهي المتعلق بالزوايا المفتوحة على الضوء والفراغ، والتناقضات المنعكسة على خواص الرسومات وقيمتها وأبعادها المتكيفة موضوعياً مع ذاتية اللوحة ومعناها البولوجي التصويري، وكأنه بعتمد التقاط حركة اللون او المادة التي يدمجها مع الخامات المستعملة في تشكيل اللوحة .
يتكيف البصر مع لوحات الفنان " داريو الفاريز باسو" وذهنية المعنى والمضمون والشكل ، والغموض الطاغي، كتجريد يستمد تعبيراته من الحركة اللونية ، ومفارقاتها السلبية والإيجابية ، القادرة على خلق صورة تتوافق مع النسق المنظمة في رسومات ذات رؤية متعددة العناصر، ومستويات ضوئية تتضاد بين لون ولون أو بين حركة وحركة تبعاً للشكل واللون، والمساحة التي يعتمد عليها داريو في تشكيل رسوماته مع الحفاظ على الحس الصياغي أو التشظي المساعد على الانفلاش اللوني الواحد ، والانكماش في اللون المماثل، والظواهر البصرية النسبية الجاذبة للحس الفني وتذوقه الجمالي لنتأمل لوحاته بغرابة جمالية تضعنا أمام محاكاة الطبيعة وصلاتها الفنية الانعكاسية التي تؤدي إلى خلق فني تتماثل فيه الرؤية الإخراجية للوحة وسينوغرافياتها المرن لخلق تأثيرات مختلفة يتأثر بها المتلقي وتحتفظ بها اللوحة.
Doha El Mol