مساحات تشكيلية تتناظر فيها الموتيفات المتباينة

ضحى عبدالرؤوف المل

تتماثل الأشكال الديناميكة في أعمال الفنان " والتر انجلس اندرسون " لتتوازن مع التشعب الحركي في فراغات ضيقة توحي بالكثافة الطبيعية ، المستوحاة من واقع الحياة، بينما هي في الحقيقة نظرة هندسية لمستطيلات ومربعات مقسمة تقسيماً فنياً. لتتناسب مع الفكرة ومع الأحجام، ونسبة توزيعها فنياً في مساحات تشكيلية تتناظر فيها الموتيفات المتباينة . فتبدو بصريا وكأنها تضج بالحركه. إلا أن عزلة الإنسان لا تكتمل في الطبيعة وامتلاءاتها ذات الإيقاعات الموسيقية المتناغمة بصرياً مع الحس السمعي الناتج عن ازدواجية الألوان ، وانعكاساتها الجمالية، فالتوزيعات اللونية الباردة والحارة تحقق الانفعالات الذهنية التي من شأنها أن توحي بعمق الأشكال المتنوعة في لوحة تتخذ من الواقع انطباعات تكتسب إسلوبياً مفهوماً عفوياً أو art brut ) ( ولكن لا يخلو من نظرة سيمترية تنقسم فيها الأشكال الرياضية تبعاً للرؤية الجمالية المتوحدة مع الكل . فالأجزاء المنفصلة والمتوزعة بين الفراغات هي العناصر الطبيعية بكل مقوماتها التكوينية التي تجردها العين وتتركها ضمن امتزاج ديناميكي درامي، وبانوراما صارخة باللون المنبعث من نفس الفنان " والتر انجلس اندرسون."

تلقائية تنطوي على حيوية بصرية مدموجة بالأشكال المتعددة ، كغابة متعددة الإيحاءات ذات شاعرية انفعالية تتغنى بالطبيعة الصامتة وبانعزالية الإنسان، ولكن ضمن تأخي ثنائي متعدد الوجوه معنوياً من حيث المضمون والأسلوب، والرؤية الفنية ذات الفكرة المتضمنة القيم الجمالية التلقائية ، وعفوية الفطرة التشكيلية في لوحة تفوح بالتمرد على اللون المتسم بالتضاد الحار والبارد مع اشتعالات الأحمر المخفف أو القوي بصرياً ، فالخطوط ومساراتها تتميز بإشارات نفسية تخضع لإحساس فني وإدراك جمالي يتخذ من الرؤية المجردة انطباعات تتصف بالترابط البصري بين اللون والضوء والأجزاء المتداخلة ، رغم كثافة العناصر الفنية وتناظرها. فهو يحاكي الطبيعة ويجادل الإنسان. ليتركه في عزلة يتأمل من خلالها فيزيائية الأشياء المقترنة بالحركة والتفاعل والانفعالات الإدراكية المُفعمة بتأثيرات طابعها نفسي . لأن الفنان " والتر انجلس اندرسون " يوهمنا بالشدة والقوة، والتوهج والخفوت والاتزان الهندسي العميق داخلياً والعشوائية الخارجية الممزوجة بنظرة أحادية للطبيعة العذراء المُكتظة والملتفة على الإنسان.

اتساق في المفردات الفنية المكثفة المعنى. تكشف عن طبيعة تماثلية تتناظر من خلالها الألوان، والأشكال ، والأحجام وتفاعلات الأجزاء مع الكل. لتصبح اللوحة إنسانية المعنى، وكلاسيكية النظرة، وانطباعية الرؤية من حيث التآزر، والاستبصار النفسي للحركة الاستبطانية في الخطوط واتجاهاتها، وعشوائية المنظور الضوئي وإسقاطاته، وتناغمه مع الظل المتوزان ذي الدلالات العميقة فنيا من حيث التنوع ، والتوزيع النسبي. ليوحي بتوازن الإنسان مع الطبيعة في لوحة جمالية تجمع بسيمايئية وهمية الحياة من خلال الألوان الصفراء، والزرقاء، واختلاطات الأحمر واحتكاكه مع الألوان الأخرى الواعية والانفعالية في آن، فالسرد امتزج مع عقلانية تختزن نفسياً الأحاسيس الفنية ، وتشكيلاتها التي تؤكد على قيمة الطبيعة والإنسان والحياة. فما بين الحركة والسكون نغمة استاتيكية ترمز إلى النفس وتخبطها بين العفوية والمزاجية ، والتركيز على القياسات الفراغية منها، والمساحات المحبوكة بتكوينات مستقلة بعضها عن بعض برغم متانة الحبك اللوني والخطوط السيمترية .

تنوع بصري لموطن أصلي للإنسان. ألا وهي الطبيعة التي تحتضن بتقلباتها كل الفصول، وما يتبعها من جمالية في تشكيل الصورة مع الحفاظ على التحولات والتغيرات الدائمة الصلة فنياً بجمالية الرؤية المثيرة التي تنطبع في ذهن الفنان. مما يؤدي إلى تطوير الكائن الحي، وتصالحه مع البيئة المحيطة به، وهذا ما أراده الفنان " والتر أنجليس أندرسون " فالحيوية في الألوان تعبيرية المحتوى الفني من حيث لا نهائية اللوحة، وامتداد الغابات اللونية خارج الفضاءات المجازية واقعياً حيث تتشابك الحواس مع العناصر الفنية بديناميكية حسّية تؤدي إلى الاستمتاع البصري، وتحسس السطوح التشكيلية بصرياً. ليستخرج المتلقي عمق اللوحة الفني بحس طبيعي وجمالية إنسانية.

طابع فني تتماثل فيه العناصر بتكرارية إيقاعية تتدفق فيها الظلال حيث الألوان الداكنة تتأرجح بين العلو والانخفاض . كما تتأرجح الخطوط القصيرة والطويلة ، والمستطيلات ، والمربعات الإيهامية الاستبطانية. لتتكون الجزئيات بتحرر بصري مرن تتوالى فيه المسطحات بانفصالية واتصالية تثير الدهشة بحيث عفويتها غير المتوقعة من قبل المتأمل لرسوماته الذاتية ، وجمالية موضوعيتها ذات الجدلية الطبيعية بين الإنسان وعناصر الطبيعة التي تنعزل معه. فيما يشبه المُحاكاة الثنائية ذات التفاعل المُختلط بالتناسب والتناغم، والتماثل، والتناظر، والسيمترية ذات الطبيعة المناسبة. لعفوية المسارات التي تتسق معها الألوان السردية التضادية من حيث الداكن والفاتح، ودينامية الضوء في اللون الأصفر المتمايز بصيغة حسية ذات إدراك جوهري لقيمة الطبيعة وألوانها، وتفاعلاتها الصامتة مع البصيرة الإنسانية.

شفافية جوهرية لسماكة اللون ورقته ، ونغمة تجذب البصر وتضع المتلقي أمام فطرة الطبيعة الغنّاء. بل وتدفعه لاكتشاف التفاصيل البيئية ، والترايط الدرامي في مشهديات احتفظ فيها بحركة الخطوط المُتشعبة بثنائيات متثاقلة ، وخفيفة حركياً من حيث المكونات التراكيبية، والتعرجات والتكسرات، والأطر التناسبية مع المساحة والفراغات التي تحقق مزاوجة بصرية إيهامية تتجلى بزوايا اللون الأزرق الداكن، وما يقابله من فراغ متوازن مع الرؤية بشكل عام .فالتوليفات النمطية تعتمد على الانعكاس اللوني والكينونة الجمالية في رؤية الطبيعة والإنسان ، وجدلية الحياة الغنية بالوجدانيات المُلامسة لحواس الإنسان الباحث عن الجمال الخلاق في اللون والفراغ والمساحة وكينونة الطبيعة البكر .

Doha El Mol