إدراك قيمة العمل الفني وصلاحيته الحضارية

ضحى عبدالرؤوف المل

يزود " دايفيد تيشاوت " David Teachoutلوحاته بفكر" جيومتري" وجودي له فضاءاته المرنه خيالياً ، والمُرتبطة بماهية الخط الهندسي المتحرك اللانهائي والألوان الشفافة التكنيكية، وكأنه يحدد مصير الحركة واتجاهاتها من خلال الأشكال الهندسية المُتداخلة هارمونياً في لوحات تعددت فيها الرؤى التشكيلية ، والتصور الهندسي للخط وامتداده داخل المخيلة . دامجاً ذلك من خلال رؤيته الذاتية محاولاًتحرير أفكاره من الاختباء والانهزام، ليجسد فكرة الحركة الهندسية اللانهائية، وارتباطها بدائرية الكون ، محدداً شاقولية الصعود والهبوط هندسياً وجيومترياً من خلال اتزان الخط واللون، والضوء ، والظل، والمساحة، واضعاً رؤية دينامية ماضية ومستقبلية أو باطنية وظاهرة في خدمة الفكرة العامة. المُرتبطة بالهندسة الوجودية الكونية ، كمصير يحتم عليه وضع رسومات متباينة تتراءى في مخيلته الرياضية. لتتوازن الأشكال والخطوط، وبمعادلة يقارب من خلالها مفهوم الانعكاس البصري، ومفهوم المفتوح والمغلق أو الموت والحياة، والسماء والأرض بتجريد هندسي لوني، له تشكيله ومحتواه الخاص. بزمان ومكان الفضاء الحر المنفتح كخط لا نهائي له خصوصية كونية مستقلة هندسياً من حيث البعد والمساحة، والعلاقة المتبادلة بين الفراغ والمخيلة ، والخط والضوء، واللون والفكرة، والحركة الفاعلة في إبراز التوافق والانسجام الهارموني بين الكل والجزء ، وكينونة اللوحة التي تتجلى في الخط الهندسي المتجه نحو المصير، المجهول بمعناه الخاص الإيحائي، ونحو توضيح الرؤية لعلاقة الخط بالشكل بمعناه العام، فهل يدعونا " دايفيد تيشاوت" إلى التفكير بمصير الأشياء ، وإلى منح الوجود الذاتي قدرة على إظهار الإبداع الذي يفرض نفسه ، ويختصر رؤية الإنسان الحياتية.

عقلنة فكرية مزجها برؤيته التجريدية والقدرة على إعطاء اللون حرية الإندماج، والانخراط في التشكيل اللوني المتجاوز عقبات الفكرة اللانهائية، والمُلتزم بالمكان والكينونة الزمنية بعكس التشكيل الهندسي في لوحاته الأخرى ، فهي تمنح العقل جمالية التفكر بوجودية الأشياء حولنا والقدرة على تجريدها هندسياً بمعنى عقلنة الطبيعة، وتقديم منطق تجريدي هندسي معتمداً على الخط العامودي غير المرئي، والخطوط الأفقية الدقيقة الحركة، وكأنه يجمع النقاط الأساسية في فضاءات متحررة مفتوحة كونياً، ليقدمها في لوحة تشكيلية فلسفية ترتقي وجودياً للهندسة التجريدية. القابلة للقياس الحسّي والبصري، والأكثر انضباطاً ودقة من هيمنة الخط اللانهائي ، والتقاطع المرئي الجامع للواقع والخيال ، وقوة التلاؤم بين الطبيعة والتجريد في لوحاته.

يتحرر " دايفيد تيشاوت" من التقاليد الفنية من حيث هي مجرد منهاج فني منطلقاً نحو الفيزياء الفنية، بفكر رياضي يطبق من خلاله فكرة الانتشار اللوني. بمحاكاة بصرية ذات لغة ذهنية ، وكأنه يبحث عن معرفة الأشياء من خلال طبيعة الخط الميتافيزيقي ، والأشكال المختلفة التي تكتسب حركة ضوئية من خلال اللون واللعب بدرجاته الطولية، المختلفة مع المحافظة على تحاوره وتجاوره مع الألوان الأخرى، الحارة والباردة وزمكانية الحركة الحرة في لوحة تمتاز بقوانين فيزيائية حركية ، كل جزء فيها يتطابق مع سواه، ويتنافر مع الظل المبهم المتحرك، وغيرالمرئي فيزيائياً. إلامن منظور حسّي يترجم كل إيحاء تتصوره مخيلة المتلقي.

لغة بصرية أتقن من خلالها " دايفيد تيشاوت" تقسيم الرؤية هندسياً إلى مسطحات تمنح اللون قوة الضوء، وبساطة الحركة الهندسية لإدراك قيمة كل خط أساسي أو وهمي. تاركاً للعين القدرة على التقاط الشكل المرئي، وللحواس إدراك الشكل التجريدي الهندسي غير المرئي، لنقرأ بلغة فيزيائية كل حركة تعتمد على كينونة ذاتية تخلق تساؤلات عن ما هية التجريد اللوني، والتجريد الهندسي وانعكاسات الضوء على الذهن، وعلى سطوح اللوحة وعناصرها الجمالية.

رؤى هندسية ذات مضمون " جيومتري" اعتمد على خلق مفاهيم تأمليه ناتجة عن حركة الخط اللانهائي، واللون في الطبيعة مع حضور الشكل واكتماله الاستثنائي بين المرئي واللامرئي، وبين مكتسبات فطرية حياتية انتزع عنها الزخرفة وجرّدها من الألوان القوية والساطعة، لتظهر كفكرة رياضية " جيومترية " منظمة ضمنياً رغم عشوائيتها بصرياً. إلا أن الشكل الوهمي غير المدرك إلا حسياً . يجعل الوحدات الفنية في حالة توازن تلقائية. تضمن جمالية الأبعاد والألوان ، والأشكال التي تنتظم هندسياً من نفسها، وفق معادلة فيزيائية رياضية وضعها كفكرة انطلق من خلالها نحو فيزياء الحركة والضوء في لوحة تسمح لنا بتفكيكها بصرياً، والتحرك مع الظل المستتر خلف مرايا حسّية انعكاسية تعكس الضوء وتتحرر معه في آن ، وهو الشىء المُرتبط بالفضاء الحر، والمُخيلة الشفافة المتحررة من الصرامة، والملتزمة بمفهوم التنظيم الكوني هندسياً، والمُتعلق بسيرورة الفراغات الزمكانية، وقيمة الماضي والحاضر والمستقبل. بحيث نلمس قوة الميتافيزيقا والعمق الفني في ارتسام الخطوط، وتجلّي الرؤية التي تكشف عن كينونة الأشياء وقوة وجودها، وأهمية الحفاظ عليها كون الإنسان ابن الحياة، والمخلوق الهابط إلى الأرض ، ليجعلها جنة يسكنها بسلام بعيدا عن الحروب الظاهرة في انفعالاته اللونية في لوحاته التجريدية ، وماهيتها المُنسجمة مع المفهوم الإنساني بشكل عام.

إن كلا من اللون والخط في لوحات " دايفيد تيشاوت" يتصارعان ويتوافقان مع المفاهيم الفيزيائية والهندسية، ويحاور كل منهما طبيعته الدلالية هندسياً وتقنياً. لانهما يؤلفان تصميم يجعلنا نتأمل كل محتويات اللوحة مع كامل عناصرها الجمالية على نحو نستطيع من بعده تحليل الفكرة التي رسخت في الذهن، وكأنها رسالة تبث تكوينات هندسية صممها حركياً وبصرياً، ووفق تصميم لم ينفصل عن الخط العامودي المُتقطع، والهندسة الوصفية تاركاً المفهوم يتشظى ماثلا أمامنا في اللوحة بشكل حسّي غير ملموس، ولكنه مدرك داخل أبعاد البنية الفنية المصممة موضوعياً بنظام هندسي له تشكيلاته المنضبطة رياضياً من حيث القياسات، وجماليات المضمون المتوافق مع الأسلوب الديالكتيكي، ومن حيث إدراك قيمة العمل الفني وصلاحيته الحضارية في عين الوجود الإنساني، والقدرة على طرح تأملات تعصف بالذهن وتولّد استنتاجات يقينية يستمد من خلالها المُتلقي يقينا . يخوله على فهم المفاهيم الإنسانية التي طرحها " دايفيد تيشاوت" تجريدياً و هندسياً، رياضياً وجمالياً إن بلوحاته التجريدية أو بلوحاته الهندسية المُنسجمة تشكيلياً مع الفكر الزمكاني، والفضاء الحر والحواس المنفتحة خيالياً نحو الخط اللانهائي...

من مجموعة متحف فرحات

Doha El Mol