فكرة متفردة لها أداتها الفنية الفكرية الثابتة
ضحى عبدالرؤوف المل
لا تخضع أعمال " سوزان كلوتز " Artist Susan Klotzلمعايير جمالية هندسية ثابتة ، لكنها تخرج من فكرة متفردة لها أداتها الفنية الفكريةالثابتة ، وهي القيمة الإنسانية المُنبعثة من فن تركيبي له أهدافه البنائية والمعرفية ، من أجل خلق لغة مفهومة من صلب اهتمامتها . إبراز الفن التراثي أو الإبداعي الفني، نازعة بذلك الفوضى العبثية عن الأعمال اليدوية، لتتركنا في غموض فني يطرح تساؤلات ذاتية عند المتلقي. أعمال تبحث في علم الاجتماع الفني عن حقوق الإنسان، عن القيمة الإنسانية للأوطان، عن تراث فني يكاد يندثر ويمحو آثار وطن محتل ، فهي تشارك كل إنسان الأحاسيس الجمالية وأبعادها الفنية المتمسكة بجذور وطنية لها انسانيتها ، فالفكرة الإنسانية تتصدر فنّها التركيبي، ومضمونها التحليلي. لتجعل من كل لوحة لغة عالمية تحاكي كل الأديان والمذاهب وتخاطب الإنسان. بل هي تُظهر الفن الجميل ، وقدرته في تصوير المعاني الأجمل.
نسق زخرفية طرزتها بالألوان، وأحيانا بالقماش، وفي الكثير من الأحيان بالأحجار الكريمة أو الرصاص، لتختزل الحدث، وتمنح الرؤية قوة انفعالية مؤثرة في النفس، فسوسيولوجيتها المبطنة إن في أسماء الله الحسنى أو في كل لوحة تمتص البصر، وتنشىء لغة بصرية تمتاز بالمحاكاة الحسّية والعاطفية، الجوهرية والبنيوية، لنموذج له أسبقية فنية. تجعلك تشعر بحرارة الأنامل التي واكبت هذه الأعمال، تصميماتها ، وتنفيذاتها، والاكتفاء فنياً بمواد نسيجية أحيانا، فالأداء له تعبيراته الاجتماعية المحبوكة ذهنياً بقدرات شعب أتقن يدوياً حتى صنع السلاح . لكن " سوزان كلوتز" أظهرت الجوانب الإبداعية، لتفتح أبواب فن تركيبي يهتم بموضوعية، بحقوق الإنسان. لتصبح مسألة الوطن معولمة على الإنفتاح الفكري، والفني القادر على تحقيق عدالة السلام. المُختزنة في فكر كل عمل فني قدمته " سوزان كلوتز " إبداعياً وفكرياً، وفنياً بالإضافة إلى المحافظة على الجماليات المتفردة أسلوبياً ، لأنها تجذب الحواس، وتلتقط الحركة من الألوان الشعبية القوية، لتحاور بصيغة فنية اجتماعية أدبية مكتسبة من الحضور الشعبي الفلسطيني ، والإسلامي والطفولي. إلا أن القيمة الإجتماعية تبين لنا أن القضايا التي تطرحها " سوزان كلوتز " في أعمالها بصفة خاصة. هي قضايا متعلقة برفض السلاح والعنف، وانتهاك حقوق الإنسان ، وقيمة الشهداء ومنح الطفولة فهم دورها، فالمسارات الفنية في أعمالها لا تتقاطع مع المعنى الفلسفى أو المعرفي المتعلق بالتاريخ الماضي، والحاضر، والمستقبل . إنما هي أفكار إنسانية شاملة متمسكة بمعاناة الشعوب من الحروب والقتال، وهذا ما أظهرته في لوحة " الشهداء " وفي " الكتاب الفني " والتي تتناول فيه ضمنياً تصوير الاحتلال، ومفهوم القوة المتسلطة والعنف الإنساني بحق الطبيعة الإيديولوجية البشرية، وقدرتها على الدفاع عن النفس، لتصف بمنهجية فنية القتل دون أن تنفصل فنياً عن الجمال، فاللوحة ما هي إلا رسالة فنية توضّح مفهوم الحرب ضد الإنسانية ، والرصاصة المرهونة بالتغيرات الدرامية لتستبدلها بمادة قادرة على إبراز المعاني والجمال.
منظور فني اجتماعي مرتبط بفلسفة تبثها. بنسبة تقنية تفردت بإخراجها وتصميمها بانورامياً، وبخصائص شعبية ويدوية خرجت بمواصفات فن تركيبي إبداعي، لترسيخ مفهوم الفن وعلاقته بالإيديولوجيات الإنسانية . المُناهضة لفكرة الفن يخدم الإنسانية، والظروف الحياتية السائدة في الماضي والحاضر، لتستبعد النقد الفني التشكيلي، وتضعنا أمام فن تركيبي هادف قادر على خلق قراءة قادرمن خلالها إظهار التوازن اللوني في التركيب، والتركيز على إبراز التوجهات الفكرية المتنوعة، والدقيقة الملاحظة، فهي تخلق من موتيفات بسيطة عناصرها الفنية المساعدة على خلق لوحات يستمتع بها الحس الوجداني الإنساني ، لأنها تكشف عن عمق روح لها خطابها الوجودي، والمنهجي. لتمارس بعقلانية وعاطفة خلق أعمال فنية تنتمي لشعب فلسطيني. خسر أرضه ومقدساته ، لكنه لم يخسر أصالته وتراثه، وفنه، وعروبته ، وتواجده الوطني ، والعالمي في المتاحف ، والمعارض متخطياً تواجده اللازمني. لأنه يحاكي كل الأزمنة التاريخية بلغة تصويرية تعبيرية ، وفن تركيبي قادر على محاكاة كل متلق في أي موقع من العالم .
يقول جورج سانتيانا :" إن التعبير عن الحقيقة قد يدخل في تفاعل القوى الجمالية، ويخلع على تصوير الأشياء قيمة لولاها لأصبحت هذه الأشياء تدعو إلى النفور والإشمئزاز." بساطة تعكس جمالية فن يحتفظ برسالة تدوينية قادرة على حفظ أحداث اتسمت بانتهاك حقوق الإنسان ، واحتفظ بروحانية جمالية ، هي ملاذ " سوزان كلوتز " الفني الذي من خلاله تمارس تعاطفها مع يقينها ، وقدرتها على المُعالجة الاجتماعية ، وربط الألوان بتقنية تكنيكية . تجعلك تتساءل عن سر الجمال في أعمال توزعت فيها الكتل والعناصر، والموتيفات، والضوء، لتصور التطورات الزمنية الحاصلة في أمكنة معينة ، كصورة مسجد الأقصى في الكتاب الفني، والعلم الممزق، والأحرف المتناثرة الشبيهة بالدماء الحرة . تاركة المشاهد مفتوحة على تأويلات متعددة ، ولكن بتضاد لوني عكس جماليات الجلديات المثيرة للدهشة الوجدانية ، والمؤثرة عاطفياً على الملامح الأسلوبية بشكل عام ، لنقرأ المضمون بجمالية أسلوب أتقنته بشفافية إنسانية، وأيادي فلسطينيه تمنح المادة حساً يفيض بالروحانية والوطنية ، فالمناظر التكوينية غالباً تنم عن تقنية غير مألوفة نوعاً ما . رغم أن الفن التركيبي هو فن نشأ من القرون الماضية .
ذائقة جمالية تشعر بها ، وأنت تتأمل أعمال " سوزان كلوتز" لأنها تدغدغ عواطفك الوطنية، وحواسك الاجتماعية . لأن قراءة اللوحة تسمو بالمتلقي نحو القيمة الإنسانية للعالم ، وللإنسان المُغتال تراثياً، وثقافياً، وجمالياً ، ونحو تكوين مفاهيم تتسم بالبساطة والوضوح ، لكنها مؤثرة في النفس، وقادرة على ترك فكرة تنمو ولا تشيخ زمنيا ، فهي مزجت تقنية اللون، والأبعاد، والتوازن والسيمترية ،والفضاءات الفراغية مع القماش والأشغال اليدوية والتطريز ، والزركشة والزخرفة، وما إلى هنالك من أساليب اعتمدتها " سوزان كلوتز " في فن يحاكي قضايا الإنسان. إذ تهتم الفنانة بالمحسوس والملموس ، فتُكثر من العناصر الفنية في المطرزات والمشغولات الفنية ذات الأنماط البصرية، معتمدة على تلخيص الفكرة من خلال النسيج، والتفاصيل الشعورية المترجمة بأدوات متعددة. لتجمع بذلك بين الفن والحرفة بأسلوب زخرفي مستخدمة فيه الكثير من المواد، كالخرز والأكسسوار والخيطان والرسومات، وما إلى ذلك. ليتضح المفهوم الجمالي في أعمالها من خلال التباين الملامس لفن نسيجي من عصور قديمة جداً، فتبدو أعمالها الفنية ملحمية في تطلعاتها شبه المشرقية، وبما يتلاءم مع قاعدتها الفنية في التنفيذ والأعداد والإخراج، ليكون عملها التركيبي المنسوج برؤى حالمة وواقعية معاً ، مؤلفاً من مجموعات. لكل مجموعة عناصرها المختلفة عن الأخرى، والمشترك بين المجموعات هو المساحة البصرية المفتوحة على تقنية التطريزات والمشغولات ذات الإشراقات الضوئية، والأبعاد المتوازنة في التركيب أو التصميم أو قوة الخيوط أو الخطوط الأساسية في العمل الفني الذي تقوم به "سوزان كلوتز" ويرمز هنا إلى اللاجئين، وفكرة التجديد أو التحديث في الفكرة الإيحائية أو الدلالية أو تلك التي ترمز إلى جمالية خاصة .
تُضفي الفنانة" سوزان كلوتز" على الأقمشة والعناصر الأخرى التي تستخدمها في عملها الفني لمسة محبوكة موزونة هي نوع من البصريات الجاذبة للحس الجمالي ذي المسار الحريري بألوانه المستفزة. فالجمع والاختصار هو لعبتها التناقضية في الشفافية والكثافة والرقيق، والسميك والعريض والرفيع والمستقيم والمتعرج، والمجموعات الصغيرة هي اسئناف لمجوهرات أكبر وكأن عملها الصغير يمكن له أن يتكون في عدة مساحات لا متناهية، وبخصائص الخياطة الملونة، والتلاعب بالغرزات وأسلوبها التقني الذي يعج بالرموز والإيحاءات، والأشكال الإيقاعية التكرارية على الأطراف، وفي عدة أماكن تبعاً للمشهد الذي تكونه في الألوان. أيضاً التي تربط بين عدة معاني في آن واحد . فهل تمرير الأجزاء الصغيرة من المفاهيم الجمالية هي إخفاء لتطريز أو رسم أو تركيب منمق أو مزخرف أو إيقاعي الخيالات على عكس ما هو متوقع في الفن بشكل عام؟
تماسك تعادل تشابك وتكرار توالد وتلاعب في الأشكال والخطوط والمظهر البصري المتأجج في صلابته وهشاشته، وبالبساطة والتعقيد. رغم أنها تذكرنا بأعمال الجدات الفنية، وتعيد إبراز حرفية هذا الفن من خلال قوة الحداثة في إعادة تشكيل الرؤية والصلابة والنعومة، والدقة في التنفيذ من خلال المواد التركيبية الطبيعية منها أو الصناعية، وبشاعرية يمتزج فيها الخطاب البصري مع العمل الفني، كلغة جماعية ذات مغزى حي جرىء ويستفز الحواس كقصص بصرية سلسة متقطعة الألوان من خلال التطريز أو الخرزيات والأكسسوارات، كخيوط حياة تنسجها في لوحات متعددة تجمعها على مساحة واحدة. لإظهار المتناقضات والأضداد معاً دون أن تنسى التناغم والأحساس باللون، وبحيوية تمسك بمعانيها. لتعيدنا إلى أيام الحرير والرغبة في الخروج من شرنقة التقليد إلى التفرّد الذي يتضمن حكايات الشعوب المتأثرة بالقيم الإنسانية والأساطير والملاحم. مما يجعل خطوطها تستثير خيوطها باستعارات متعددة مكثفة من خلالها حالات المكان والزمان المتحرر من الثبات. لتُظهر قيمة التغييرات وحالاتها دون تحديد لهويات تميل إلى جوانب أخرى من هذا الفن المتوخي الحذر، البصري بأبعاده . ليجمع بين الحرفة الفنية والعمل الفني الباحث عن منهجية بصيرة متعددة الأبعاد . فهل تنتمي أعمال الفنانة "سوزان كلوتز" إلى القيم الإنسانية البحتة المتحررة من المنهجية المستقرة غير القابلة للثبات ؟
لعل هذه الإشكالية في أعمال كلوتز تضيء البصر وتضعه أمام التفكر بجماليات جمعت العلاقات البشرية مع بعضها من خلال الخيوط والألوان، والنسيج الموحّد لجميع الأشكال والتراثيات. لتخبو الأفكار أمامها وتجعلنا أمام معاني مفتوحة على عدة تأويلات ذات إمكانيات ذهنية كفاعل حيوي عابر لحدود الفن الذي تنفلت منه كلوتز كونها تضعه في متناول البصر دون عراقيل في التراكيب. إذ تتحرر من القوالب الجامدة راصدة حركات الشعوب قاطبة في أعمال تهز الوجدان، وتمنح البصر نوعاً من العصف الذهني الذي يعيدنا إلى الجدات الأوائل في العصر الحديث . فهل من دراما بصرية في أعمال الفنانة كلوتز ؟.
Doha El Mol