محورية اللون الأبيض الذي يقبع ضمن بؤرة بصرية جاذبة
ضحى عبدالرؤوف المل
يطغى اللون الأبيض على لوحات الفنان الروسي " فلاديمير فولغوف" ( Vladimir Volegov ) إذ يبدو التحدي اللوني في أغلب لوحاته. ليظهر الأبيض وسط الطبيعة مزداناً بسطوع ضوئي يؤدي جمالياً دوره في خلق ترابط انطباعي بين التصوير والرومانسية، والحركة المتآخية مع السكون الطبيعي، لزمن معين في النهار حيث الشمس واتجاهاتها تؤثر بصرياً على تفتيح اللون أو التلاعب به حسب المعايير الفنية ذات المعادلة الخاصة في لوحات " فلاديمير فولغوف" وبراعة إظهاره مع اللون الأبيض حيث يتراءى الظل بين الفراغات كانعكاسات مخفية تتأرجح مع اتجاهات البصر والريشة، وتوازنات اللون الواحد، والممزوج مع ألوان أخرى تتباين من خلالها الخطوط اللونية ذات الاتجاهات المتناسقة مع المساحة والعناصر الفنية الأخرى .
رمزية ضوئية في لوحات " فلاديمير فولغوف" تستمد من الأبيض أسسها الرومانسية ذات الطابع الانطباعي في تصويرات تتعادل فيها الفراغات والظل. لتجذب الحس الوجداني إليها، وكأنها قصيدة عاشق مرسومة بريشة تعزف على إيقاعات الطبيعه وسحرها الجمالي المزدان بالأشكال الانطباعية، ومقاييسها المقترنة في الوقت النهاري حيث يستطيع الرائي الإحساس بنور الشمس أو مغيبها أو حتى ارتفاعها ظهراً مع جمالية الظل ، والمحافظة على شفافيته وحركته وسكونه. إذ تتميز لوحاته بجمالية الظل المُتناسق مع الحركة والسكون، واتجاهات الضوء لخلق مؤثرات بصرية تؤثر على الحس الوجداني ، وفيزيائية الشكل الإنساني في لوحاته التي تترجم جمالية المرأة بشكل خاص . إذ يتناولها في أغلب لوحاته التي تتصف بالتصويرية الرومانسية لانطباعية مخففة حسياً لا تخلو من تخيل، هو جزء من واقع مرسوم بدينامية واحترافية فنية ذات تشكيلات هي مزيج من أساليب ومعادلات نسبية مدروسة ، ضمن نظم أكاديمية تحرر منها نوعاً ما ، ولكنه التزم بمقاييسها أيضاً.
تكمن جمالية لوحاته في محورية اللون الأبيض الذي يقبع ضمن بؤرة بصرية جاذبة بقوة ، ولا إرادياً نحوها حيث تبدو اللوحة ذات فسيولوجيه معينة أو لإشباع لوني شفاف قادر على التأثير بصرياً، وعلى خلق تدرجات تتناسب مع بعضها البعض، وبتضاد أحيانا يثير الدفء العاطفي. لتتكامل الألوان ضمن سمفونية شاعرية، ولمسة ريشة حسّاسة غنية بالضوء، وبسطوع هو جزء أساسي من بنية اللوحة حيث يرتكز الموضوع على الطبيعة والإنسان والتآخي الجمالي بينهما في بيئة طبيعية بكر، فالوعي الفني في اللوحة يمتد إلى المشهد والسينوغرافيا حيث تتوسط العناصر الفنية بموضوعية لا تتناقض معها الأشكال والأحجام ، ويحافظ الشكل الإنساني على الصياغة المتناغمة، وكأن الزمن لا يؤثر على التغيرات البيئية والإنسانية في المناظر الطبيعية التي يرسمها ضمن علاقة جدلية فنية ذات أسس في تشكيل اللوحة.
وعيّ فني تشكيلي، وكينونة ازدواجية للمرأة والطبيعة، والزهور والأطفال وتفاصيل تزيد من من المعنى الفني والجمالي حيث تبرز القدرة على رسم تفاصيل كثيرة لا يراها الإنسان بهذه الجمالية الواعية في الطبيعة الخارجية . إذ يحتفظ بالمعنى الداخلي للوحة حيث تبرز خاصيتها ، كفن متكيف مع ريشة ولون ، وخط وأبعاد، ومساحة، وضوء، وظل، ولون أبيض سيكولوجي ذات فلسفة بصرية تضعنا أمام تأملات مفتوحة الفضاءات والتخيلات. مما يؤثر على الانفعالات الحسّية عند الرائي . ليكتشف الفروقات الذهنية بين الواقع والخيال وحقيقة الربط بينهما تشكيليا .إذ تتسع مجالات الرؤيا بين الألوان. ليترجم كل لون معناه من حيث الواقع والخيال أو الإنطباعات التشكيلية الرصينة ذات النشوء الفني الذي يعتمد على مبدأ اللون وتدرجاته، والتشابه الخارجي والداخلي للمشهد العام أو بالأحرى للصورة المرسومة بكامل تفاصيلها الطبيعية.
سيمة فنية تأملية تندرج تحت مسمى الطبيعة والإنسان، والغنى الفني فيهما حيث تحاكي اللوحة هذا الوجود الفني الأكبر بآخر فني أصغر. أي ضمن اللوحة باعتبارها الجزء من الكل ، فالصلة والتشابه بينهما يصنعهما الفنان بريشة وألوان، وخطوط متزنة ذات توازنات فنية مدروسة المعايير، وبجمالية بصرية مفتوحة على تأويلات وتفسيرات متعددة. إلا أن اللوحة في مجملها هي تجسيد لقوى الجمال المثيرة التي تمنح الفنان قوة ملاحظة وأحاسيس خاصة. لتشكيل بنية اللوحة التي نراها، ونشعر بمتعة فنية، ونحن نتغلغل بصرياً بين معانيها اللونية والضوئية والفراغية ،وحتى الخطوط اللينة والقاسية، والتي تؤثر على منطق اللوحة الجمالي بشكل عام.
يسمو الفنان" فلاديمير فولغوف" على الطبيعة، لتتزين في لوحاته وفق رؤيته الخاصة، ليرتسم الظل بجمالية حركية لها ميزتها في لوحات مصقولة فنياً، وذات حس إدراكي متصل بين المتلقي والفنان والطبيعة والريشة وفق انعكاسات ذات أثر مضموني وشاعرية لونية تمتزج فيها الإيقاعات المتناغمة ، المنسوجة بوعي فيزيائي لقيمة الضوء ونسبته في اللوحة، والصفات المشتركة بين الطبيعة والإنسان، والقدرة على خلق محاكاة بينهما باللون والشكل ، وما الى ذلك. إذ تتقبل الحواس صياغة اللون ومفارقاته وقوانينه الفنية ذات الخصوصية الرومانسية مع الحفاظ على النغمات المنسجمة مع الاتساق الفني ، ودينامية التعبير اللوني المتجسد بالأبيض وموسيقاه الغنية بالرؤى التخيلية أو الحالمة ، التي تعتمد على الحواس الفنية الإدراكية المرتبطة بمحاكاة ثنائية مصدرها اللوحة والفنان. إذ نشعر بالجمال الثنائي المنبعث من ورائيات اللوحة أو من المضمون والأسلوب ، وموضوعية الضوء والظل ، والاستثنائية في اللون وصفائه وقفته الموسيقية الطويلة.
Doha El MOL