لمحة من الحياة تناغمت داخل عولمة فنية..

ضحى عبدالرؤوف المل

تتدفق في الروح قوة الحياة ويلتصق القدر بنا، فنتوحد مع العين الثالثة لنترك للبصيرة خطوطها الفكرية والوجودية، وكأننا نحيا في جزء من الزمن وراء أنفسنا. نتمسك بخيوط قدرية ترتبط مع بعضها البعض. بيد تمسك بالعقل والقلب، ولكنها تترك البقايا في إطار كوني تتجمع رؤياه في عدسة العين التي ترى كل حقيقة جمالية أرادها الله للبشرية.

لمحة من الحياة الإجتماعية التي تقسو على الإنسان، تجمعت في فرشاة ألوان تركت أثارها على خطوط وجه أتقن "رافي يداليان" التعبير عنه، وعن ألوان أمكنة نحبها وتبقى داخل جزء من ذكريات نرميها، لكنها تحفر خطوطها في شخصية الإنسان التي تنقسم إلى أجزاء لها صفات حقيقية تجعلنا ندرك محسوسات كونية تتجسد في رؤية تحمل انفعالاتنا، وتضعها داخل الألوان الباردة التي تتطور مع انجذاب مخيلة تدفعنا لرسم خطوط عامودية تتصل وتنفصل في الفراغ الضوئي تاركة سراً إلهيا لا يدركه الإنسان، لكنه موجود في الوعي الداخلي لكل منا، وهذا ما تترجمه ريشة " رافي يداليان" اجتماعيا من خلال فن تشكيلي يحمل رؤية اجتماعية تتناقض، لكنها تشكل رؤية حياة حضارية نتعايش فيها من كل المذاهب والطوائف التي تتكون منها الجماعات ، وتتقبلها العين الواحدة مهما اختلفت الرؤية لكل فرد، إلا أنها عين إنسانية ترى مختلف الأشياء من خلال التوحد البشري، وقبول الآخر في تعايش بمحبة وسلام.

تتوزع الخطوط في أعمال "رافي يداليان" Raffi YEDALIAN بشكل هندسي بنائي في مساحة اللوحة، فتزيدها عمقاً فلسفياً، وكأنها تخلق إيقاعاً متوازياً يجعل الحركة التعبيرية صامتة لنفتش عنها في ثنايا اللون والضوء، وكأنها زركشات عمر يترك أثره على الوجوه في المجتمع الواحد، فهو يريد توصيل فكرة التنوع الحضاري من ثقافات وديانات، كأنه في حياكة لونية باردة لها تشكيلها المميز من لمسات خطوط دقيقة، ومن تفاصيل عميقة داخل ملامح رسمها كخطوط صغيرة حول العيون، وشعيرات حول الأبنية، وفي مربعات تشبه نصوص قصص لم تنتهي بعد، فهو يسترسل في سردياته الحركية الهادئة التي تخرج من إطار اللوحة وتتصل مع المتلقي، فتخاطبه حسياً ليدرك أن سلامة أي مجتمع هي في تنوعه.

إن التناقض الإجتماعي هو حقيقة تعاني منها مختلف شعوب العالم التي لا تقبل أي صفة يختلف فيها الآخر. رغم أنها معرفة مضافة لنا . فالحوار الصامت في لوحة " لمحة " له دلالات تجعل الإنسان هو الأكثر حضوراً في الحياة، فقياس الخطوط في اللوحة يشبه الشعيرات اللونية الجزئية التي امتدت مع مربعات تركت الأبنية، كأنّها سراب من وحي أفعال إنسان ما زال ينظر للماضي رغم المساحات التي تمتد في صفاء لوني تستريح عنده الأحاسيس، لتخرج تنهيدة لا نشعر بها إلا أن لمحة " رافي يداليان " خرجت مع عمق مجتمع يفتقد الروح الجماعية والمعنوية لبناء حضارة لا حروب فيها ، ولا كثافة سكانية تتناحر فيها المذاهب والطوائف. لنعيش داخل ألوان وطنية باهتة لا حرارة فيها.

يقول رالف لنتون " المجتمع عبارة عن مجموعة منظمة من الأفراد، والحضارة مجموعة منظمة من الاستجابات التي تعلمها الأفراد، وأصبحت من مميزات مجتمع معين" هذا المجتمع أراد رافي أن يظهره في معرضه ونراه بعين العقل الثقافية، فهو لم يستعمل الكثافة اللونية بين خطوط تركها. بل شفافة واضحة كوقفات موسيقية أو كتفعيلة لها جمالها البلاغي القادر على جعلنا نتذوق المدنية كما نتذوق الأرياف، لنسعى نحو حضارة قادرة على الإبتكار.

للأشكال والخطوط جمالها الخاص عند رافي، فهي ذات اتجاهات معينة تمسك بالوجوه أحيانا، كخطوط الحياة التي يمسك بها القدر، فيموت هذا ويولد ذاك، فالقواسم المشتركة في مجموعة العيون لها نقاط رؤية توحد النظرة الواحدة للكون، كما توحي الخطوط العامودية بقوة الحياة وثبات أفرادها وتنوعها ، فالتوازنات اللونية في لوحة " التعايش" تزيد من الإحساس بالأبعاد التي ترمز إلى شموخ الحضارات التي ترتفع وتتفاعل ضمن مساحة جغرافية أو بيئية. يسعى رافي أن نكتشفها من خلال عمله الفني التكويني ذو النظام الجماعي الذي يثير الجدل في الذهن، لنتساءل أين الهوية الحضارية التي يسعى لها رافي من خلال الشكل واللون وثبات الخطوط التي تربط بين الروح والمادة ، فهل يسعى رافي لخلق حضارات يجمعها اللون والثقافة الفنية؟ أم أنها نماذج وجوه تثير الجدل، وتستحضر الهوية الواحدة في عصر عولمة تقاربت فيه الأشكال الحضارية، كما تقاربت العيون والخطوط القدرية في لوحاته تتسع في فضاء المخيلة المفتوحة، فجعل الإنسان كالمنارة التي نراها ونهتدي بها في بحرلجي بارد هو بحر العولمة.

محاكاة واقعية رمزية، هادئة تجعلك تشعر بتوقف الزمن. بل تتجمد الأمكنة، وكأنها صور لكوكب بشري مختلف متفرّد انطباعياً، كما يتفرد رافي في رؤية وجه وخط قدري متصل بالناصية، ومقسّم تقسيماً مشتركاً له أشكاله من مستطيل ومربع ، وخربشات لها نغمات الحياة وصلابتها التي حددها هارمونياً من خلال تفاعل العين الناظرة لأعماله مع العين التي تشبه نقطة التلاشي بين الإنسان والمجتمع والحضارة التي يحلم بها.

خطاب فني يخضع لمؤثرات عاطفية رغم قدرته على التمرد الإجتماعي، الرافض لمفاهيم نختلف عليها سياسياً، ونتفق معها فنيا، فالحنان هو ميزة إنسانية لا نستطيع التخلي عنها، مهما ابتعدنا عن مفاهيم المشاعر التي تثير أي عاطفة حدد خطوطها باللون الأحمر تاركاً لحرارة الأم قدرة على لمس أحاسيسنا في مشهد حسي حركي صامت، جعلنا نبتعد عن الحضارات وهمومها. بل جعل من التاثير دلالة تجتمع في أنامل طفل يلامس رقبة أمه التي تنبض بالمحبة في رمز للبراءة والطفولة، والولادة الحياتية التي تتشكل فينا فطريا، ورغم هذا لم ينس رافي حقوق المرأة في تعدد الحضارات ، فمشاعر الأمومة واحدة في أي بيئة أو مدينة تتراءى كسراب في هوامش شفافة داخل شعر الأم في لوحة تأملتها جدا ، مما ذكرني بقول الشاعر " الأم مدرسة إذا أعددتها..أعددت شعبا طيب الأعراق."

Doha El Mol