تأطير جمالي ملتزم باللغة الفنية البصرية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتألق الألوان المتباينة كشهب نيزكية . لها حركتها الفضائية الحيوية والمشعة بالألوان الحركية، القياسية والمتعددة الأمواج الطولية. الغارقة في الغموض الإيحائي الشبيه بالأنجم السماوية السابحة في الكون، فالحركة الضوئية في لوحات " هاغوب سولاجيان"Hagop Sulahian هي استمرار حيوي فكري ، ونبض وجداني يطرح تساؤلات، تميط اللثام عن أسلوب تجريدي يستخلص فكرة هي بمثابة أضواء ذهنية تنير البصر وتستفز العين، لتقرأ كل حركة لونية محاولة تفسير اتجاهاتها، مضمونها، معناها وأسلوبها.بل وقدرتها على التشابك والاندماج، والتناغم والتجانس الحركي، والكوكبي المساعد على التفكر الخلاق الانعكاسي . الناقل لمناخات جمالية لها قياساتها الهندسية ، وألوانها التجريدية ودوائرها المتحركة المنفصلة، والمتصلة والمعزولة عن النسيج اللوني العام ، والمندمجة معه في آن، فاللوحة المسطحة لها سطوعها الواعي ومساحتها التي تربط العناصر ببعضها البعض، لتؤلف بنية متماسكة محبوكة. تحاكي الخطوط العشوائية الظاهرة ، والتي تخفي الألوان الأولمبية، وعلاقتها بدائرية الحركة اللولبية، وبالحركة المختلفة اختلافاً عكسياً بمعنى الحار مع البارد، والأزرق مع الأحمر، والأصفر مع الأبيض، مما يجعل التضاد يكتفي بذاته في اللوحة . لأن البصر يحاول تقسيم اللوحة بموضوعية تعطي الحق لآداء الفرشاة المرن والسريع ، والواثق من سماكة اللون وكثافة الطبقات اللونية، بسبب طبيعة الاتجاهات المشاكسة في بنية اللوحة ، وكأنه اهتم بنظام لوني ثابت مستقل عن الخط، وقائم في كل حركة لها أشكالها وأحجامها، وتقاطيعها الجيومترية والهندسية ، لتتماثل المفاهيم المتعلقة بنسق تتخذ من الشهب سرعتها ومن اللون جوهره.
فواصل فراغية تشي بخاصية تسابقية . تتميز بصيغة نوعية أساسية. تمنح الوحدات الفنية، والموتيفات مواصفات تضفي على الحس الذوقي عند المتلقي تأثيرات خاصة متغيرة، لأن الخطوط تتبلور وفق أبعاد أساسية إيحائية تنظيمية . تكتسب من حركة المُتلقي الوضوح والشفافية، والتعاقب المدمج بالألوان وأشكالها المتخيلة، وكأن هناك قوى خفية تتصارع بفاعلية تجعل الحواس تتفاعل ، وتختزل الدلالة ومفهوم التضاد والتجانس بين العام والخاص، والصعود والهبوط، والعامودي والأفقي، والمائل والمنحني، وبين الحركة والضوء ، والتحاور والتجاور، وبين التماثل والتقاطع، وبين الدال والمدلول، ولزمنية لوحة تجريدية احتفظت بنقطة التلاشي الوهمية ، والقدرة على استبطان الخطوط الهندسية الداخلية، وإظهارها بموضوعية فنية لها نتائجها التلقائية، الانطباعية من عفوية وعبثية ، ومعايير شفافة التزم بها ووضعها في كون مفتوح له نظامه الخاص، وتشكّلاته الوجدانية والجدلية الملائمة للنسيج الداخلي المؤلف من طبقات ثابتة حققت السطوع المتلائم، المؤثر على الوعي الفني عند المتلقي.
حاول " هاغوب سولاجيان " توسيع مدى الرؤية بوصفها أولمبية الدوائر، التي ترمز إلى ألعاب متنوعة . منها الحركي، ومنها الفني المُرتبط بفاعلية التجانس، والمضامين التجريدية والأشكال التعبيرية ، والنظم الهندسية الثابتة والمتحركة في لوحة تكشف عن جمال التناقض الحركي واللوني ، لتحقق بعقلانية قوة العاطفة المنبعثة من اللون ، وقوة التصميم المُنبعث من مساحة ممتدة تربط الجزء بالكل، وتعنى بمسافات ضوئية لها إشراقاتها الفنية المنعكسة جمالياً على الخطوطية المسيطرة على الفكرة المختزلة باللون والحركة، والضوء والانفعالات الحسّية المنطقية الفاعلة في تحقيق جمالية خاصة.كأنه يعيد قلب المفاهيم التعبيرية بتجريد قوي الحركة .يجعلنا ننجذب إلى الداخل فكرياً وبصريا، لنتصل بمفهوم اللوحة اتصالا ذهنياً شديد التأثير.
يقول أرنست فيشر" على العمل الفني أن يتملك المتفرجين لا عن طريق المطابقة السلبية بينهم وبينه ، بل عن طريق مخاطبة العقل ودفعه إلى اتخاذ مواقف وقرارات:" لوحة تجعلك تقف أمامها متخذاً من خطوطها، وتقسيماتها متاهة تحاول فكّها وتركيبها بصرياً، لتجد أنك أمام لوحات في لوحة واحدة ، فالأساليب التجريدية الثلاثية تندمج مع اللغة البصرية ، وفق قوة فكرية لا تشتت الذهن ، بل تعتمد على اللاوعي أو اللاشعور الحركي الشبيه بالأسلوب الزخرفي نوعاً ما ، ولكن " هاغوب سولاحيان" تمرّد عليه، وخلق من التموجات بساطاً أو أرضية أساسية. تجعلنا نتغلغل في عمق اللوحة، لنرى الفراغات الوهمية والنقط الحمراء في طيات اللطخات التعبيرية القوية إيحائيا ، والناشطة في استقطاب البصر لتتبوأ اللوحة حركياً أناقة تعبيرية، وتجريدية هندسية ممزوجة بمرونة مع الحركة ، باضطراب لوني يتناثر مع الضوء المتوازن ، ليمنح المتلقي تأثيراً مرئياً مباشراً وموسيقياً خصوصاً ، فالكتل اللونية الشبيهة بنوتات سمفونية تبدو كموسيقى الجاز القوية والرقيقة في آن.
ألوان ميتافيزيقية مستمده حركتها من قوة الألوان في الدوائر الأولمبية، محاولاً " هاغوب سولاحيان " خلق رؤية جدلية ذات زاوية هندسية قادرة على تحقيق التميّز التجريدي اللوني ، والإيحائي الغني بتحرر الأحجام من القوالب الهندسية الجاهزة فنياً، والتزامه بالقيمة المعادلة ، لدرجات الألوان الحارة والباردة، وجرأة جعلته يستخدم اللون الأبيض المتصارع مع الأسود . بدون أن تنقص قيمة الألوان الأخرى الناصعة والحسّاسة، لنكتشف جمالية خاصة ترافق الفكرة والرؤية والإدراك الفني.
تأطير جمالي فني ملتزم باللغة البصرية المفتوحة على كل الترجمات. متجاوزاً بذلك ملامسة بعض المميزات الحسّية للضوء المنبعث من ألوانه ، ليلامس الحواس بالانعكاسات المحايدة، وانفراد النقطة والدوائر المرئية والإيحائية،تلك المرسومة داخل كتلة ثابتة تجعل الألوان تتأرجح بين الجمود والحركة، وبين مشاكسات الأنغام التناقضية المشبعة بابتكارات، وظّفها جمالياً لتحاكي الفكرة والموضوع، والأسلوب المتزن المنصاع لفرشاة لديها تكويناتها الداخلية ، والخارجية القادرة على إظهار الحركة من خلال اللون ، وتكرار الوحدة الموسيقية اللونية المثيرة للعين ، والمغلفة بتبسيط إيحائي يتخذ من الشكل الإنساني قوة عضلية منسجمة ومتناغمة مع الامتداد اللوني وتجانسه.
Doha El Mol