ثورة تضج بمشاعر فنية سريالية

ضحى عبدالرؤوف المل

ترمز الفكرة إلى حقيقة تنمو داخلنا، وضمن معاني نحاول تحديد ماهيتها بالكلمة واللون والخط أوأي فن يحاكي الأنا، وينطلق نحو المتلقي، فيحدث تغيرات جمالية قادرة على التمتع والاستمتاع ، وخلق أجواء حسّية تجعلنا ندرك قيمة العمل الفني ، والبنية الخفية المترجمة للمشاعر الكاشفة عن أنساق رمزية . نستعملها كثيمة نتداولها وتتعلق بنا بشكل خاص، كرمزية الشجرة في الكتاب المقدس ، والأكل منها يؤدي للخروج من جنة عليا، والدخول إلى جنة أرضية لها توازناتها الجمالية، ولها رمزيتها الدنيوية والفنية، كما هي في أعمال الفنانة Lena Aidinian" لينا ايدينيان."

تسافر" لينا ايدينيان " في أمواجها الخيالية، بوصفها خطوط مغلقة أو مفتوحه، لكنها ضمن حلقات تضيف ربقة الطبيعة وألوانها النضرة ، والشجرة وسرياليتها التعبيرية الرمزية ، والتفاحة ومصدر آلامها وأوجاعها، فالجزئيات في أعمالها مقترنة بالحلم المرتبط بالواقع ، حتى أنّها لا تفارقه إلا لتعود إليه محملة بنشوة حلم رسمته، وكأنها سافرت في رحلة خيالية لونية عبر الزمن وأبعاده المكانية إلى العقل الباطن ، فترسم بوعي واقعي محاولة الوصول إلى الجوهر، لتلج بنا إلى داخل النفس وصراعاتها الوجودية الحالمة في سريالية تجريدية . مزجتها بتقنية ذات ذبذبات واهتزازات شبه دائرية، وتوزيع ضوئي معاكس لطبيعة اللون المعتم أو الحار، فخطوطها كالأفكار، وألوانها الحياتية تميل إلى كنه الطبيعة، والضوء هو ليونة رؤية تجعلها تتأملها ذاتها ، كأنها أمام مرآة تعكس ما تراه في داخلها، فاللوحة هي مرآتها النفسية الناشطة حركياً باللون والضوء، والفراغ والخط، والأشكال، والأحجام، وكل ما يساعد على إصلاح المسارات الذهنية ، لنمشي معها بإحساس يلمس الجمال الداخلي، للوحة تعالج نفسها بنفسها كالإبرة التي تخيط تفاحة حمراء تسيل ألوانها بلزوجة تشبه ثورة تضح بمشاعر فنية سريالية رمزية .

تنظيم لوني يتخذ من الخط والرؤية مساراً له، فينشأ الوعي الذهني متأثرا برحلة تأملية تعيشها " لينا أيدينيان" بانعكاس نفسي يعيد لنا التوازن والثقة بالنفس، فالمشاعر السلبية تستقر في دواماتها الخطوطية . لأن العقل الباطن يرفض البقاء داخل أمواجها اللونية الشفافة، أو داخل دمعة في عين زجاجية، وكأنها تحاول الخروج من بحر دموع يحتبس الحزن، ويصارع الحياة لترفض أي توتر نفسي ، وتقاومه بالضوء المنسجم مع درجات الألوان وتنافرها ، وصراعها الجدلي المتغلغل في جزئيات الألوان والأجام، والكتل ، والفراغ ، والانعكاس لحالة الذات التي ترنو إلى الوحدة والعزلة في حالات حزنها وفرحها.

تضعنا" لينا أيدينيان" أمام لوحة استقرائية نفسية سريالية تساعد النفس على الاسترخاء، لأنها نتاج نفس تمتلك حساً جمالياً. يصور القضايا النفسية بمقاييس جمالية لها أبعادها وفلسفتها كالعزلة، والاغتراب والحزن، الفرح ، الأنا، الآخر، الوجود القدرة على التخلص من السموم النفسية المؤذية ، والشمولية في تأمل الذات ومعالجتها ، فقوة الملاحظة وإثارة الخطوط الداخلية المرتبطة بالتعبير عن الواقع، وكأنها تسير خلف ضوء حسّي يجعلها تؤمن بالجمال ، وبقدرة الإنسان على تحرير نفسه وميله للإشباع الفطري، لجمال كامن داخل النفس ، ويمتلك قدرة هائلة في الخروج والتواجد على خامات كالمرايا الفرويدية النفسية العاكسة، للأخضر بتدرجاته والأحمر بتدرجاته ، مما يحقق خصوصية فنية تمتلكها" لينا أيدينيان".

أبعاد ثلاثية وخطوط منحنية متكسرة متعرجة ، فهي تكسو الخط العامودي لتبتعد عن قسوة حادة، وتظهر الانحناءات والتمايل لتقترب من الحنان، وتترك للنقطة وجودها المميز، محاولة البحث عن صمت لا يخضع إلا للفرشاة واللون والخط، فتحاور ذاتها بجمالية تعبيرية تترجمها في أشكال سريالية تندمج مع حواس المتلقي أو المتأمل أعمالها ، والمبحر في الأشكال النفسية المترعة بالجمال، وبالخطاب الفني التشكيلي المؤثر وبالصور المصطبغة بالوجع والأمل ومحاسبة الذات ، وبالحضور الغرائبي نوعاً ما. لكنك تتعايش مع كل كتلة متجانسة أو لون أو فراغ أو مع كل ضوء يحتاج لعتمة تمحو هواجسها، وتسافر نحو الجمال بفلسفة تجعلنا نستسلم لخطوطها وألوانها وشاعريتها التي تبوح بدمعة.

يقول هيجل:"إن الحاجة الكلية للفن هي حاجة الإنسان العقلية. ليرفع العالم الباطني والخارجي إلى وعيه الروحي في شىء يتبين في نفسه من جديد." وبذلك تهرب " لينا أيدنيان" من الواقع إلى الواقع بعد أن تتعمّد في العقل اللاواعي، وتخرج منه بدراما لونية سريالبة لها تغيراتها الفسيولوجية الشبيهة بتغيرات المرأة النفسية، فتارة هي تفاحة أو شجرة أو عين أو دمعة ، وتارة أخرى هي كما هي تحاول الخروج أيضاً من أمواج حاصرتها بخطوط ومنحنيات متمايلة، فاللغة البصرية في أعمالها الفنية وظفتها للتعبير عن دلالة لها معانيها اللاشعورية، ولها متعة ذوقية تثيرها بالآداء الحسّاس إزاء الانجذاب الشديد نحو دواماتها اللونية، والتي تعكس طبيعة إدراكنا للخطوط الموجودة في الطبيعة.

تقرؤك لوحات" لينا أيدينيان " قبل أن تقرأها لأنها تخضعك لتحليل نفسي، وتجعلك تعتمد على فهم إيحاءاتها السريالية المكونة من موتيفات تحاكي حسياً العقل الواعي واللاواعي، كما تحاكي المسطحات والألوان ،فأعمالها الفنية تجسد رؤى نفسية ذات جمالية جديرة بالتأمل، وباكتشاف الوجود السريالي في النفس، لتنفي كل كبت داخلي تسكبه مع الألوان المعتمة الحارة والباردة ، والممزوجة ضوئياً، ولتمنح البصر لذة التفاصيل الجمالية، فالمحور هو المشاعر ومعاناتها ، والقدرة على محاكاتها، لأنها تركت سطوة الضوء تظهر الأمل في فضاءاتها السيمترية . فالشجرة الراقصة في ثنائية حركية هي في تشابه مع شجرة قسمتها إلى نصفين متوازيين، لتوحي بازدواجية دور المرأة في الحياة، وهذه توازنات بصرية لها دلالاتها ومعانيها، لأن الشجرة الوارفة الظلال ربما هي شجرة آدم وحواء ،وربما هي سكن يجعلها تمسك بالجذور ، هي الأنا المكتملة الممتلئة بالجمال، هي جنة الإنسان، فأشجارها المنسجمة مع العلو، والمساحة، والضوء والظل ، والفراغ تضعك أمام حقيقة فرويدية تنبض بالمنطق الباحث عن إيقاظ الحس المتسامي، والمتجانس مع

الأفكار والمشاعر والعواطف الإنسانية بأبعادها المختلفة زمنياً ، ومكانياً، وسريالياً. فهل بؤرة الضوء الفنية المُشبعة بألوان تدفع بالنفس نحو جمالية الوجودفي أعمالها؟

تمتزج العلاقات اللونية برومانسية تشكيليه تبثها ريشة الفنانة " لينا أيديان " بفلسفة لونية تعتمد على الاندماج الحسي بين الفاتح والداكن للون الواحد، وتدرجاته القصيرة والطويلة المدى من حيث قوة الضوء وخفوته ، وجمالية التشابك بين الخطوط الانفعالية والخطوط الواعية بتضاد حسي جمعته ضمن المخيلة والواقع ، وبرمزية تتضح من خلالها دقة الدلالات النفسية وجماليتها اللونية التي تنبعث من المعنى الجمالي في لوحات هي بمثابة فن تشكيلي نفسي، يبوح بخاصية أنثوية تهدف إلى بث الشاعرية من خلال اللون وقوته الضوئية، وتأثيراته على النفس الإنسانية الباحثة عن الوجود ومعناه في التفاصيل الحياتية التي منحتها " لينا أيدينيان " مختلف الألوان والأشكال والأحجام ، وحتى الاتجاهات الهندسية المبهمة . إلا أنها تتجه دائماً نحو نقطة البداية ، وكأنها بؤرة الضوء الفنية المشبعة بألوان تدفع بالنفس نحو جمالية الوجود.

تتجه " لينا ايدينيان" بتأملاتها نحو الفراغات المملوءة بضوئيات تدفع بالمخيلة نحو الازدواجية الملموسة في معرضها هذا ، والحنين للآخر الذي توجته بوشوشات لونية خضراء . هي بمثابة تحولات وتغيرات فيسولوجية متأثرة بليونة الخط المنحني في ملامح الوجهين الغامضين، وحتى في الخطوط المشتركة المتصلة والمنفصلة بصريا. بينما تركت التجريد في خلفية تضج بالأسرار الحيوية الناشطة لونياً. لتمنح اللوحة لغة حوارية ذات جمالية شاعرية توحي بالحب والحياة ، وفلسفة الوجود التي تكتمل من خلال الآخر الذي يضج بالمشاعر. كما ألوانها الفاتحة والداكنة ، والمعاني الجمالية المنبعثة من لوحاتها ذات الألوان الزاهية، والمثلثات اللينة والقاسية ذات الرؤوس المبرومة أو الحادة، وفي كلتا الحالتين هي تركت التعبير للريشة وللون بصدق وعفوية . لتترجم ما بداخلها في لوحة هي جزء من أنثى تعشق الحياة.

رمزية لونية تنبعث نفسياً من الداخل إلى الخارج . لتخلق تأثيرات بصرية توحي بالمشاعر الإنسانية التي تستقطب في كل اتجاهاتها الضوء ، فالخطوط تتميز بالألفة والابتعاد عن الانعزالية من حيث القدرة على خلق تصورات نفسية تتجمع عند نقطة تتوافق من خلالها الخطوط الانعكاسية، والاتجاهات المختلفة في ضربات الريشة الراقصة ، والمتناغمة مع ما تبثه الألوان من حرارة ووضوح ، وخصوبة تتضح في تفاصيل اللون الأخضر والأصفر، والاختلافات النسبية بين تحت وفوق، وعند الزوايا المضيئة التي تدفع بالمتلقي لتأمل كل التفاصيل في لوحات هي بمثابة ربيع حياة، وأمل في وجود جديد تجسد في همس بين رجل وامرأة، اختلفت ضربات الريشة في ملامح كل منهما. إلا أن الخط متوحد بينهما بمرونة جمالية توزعت بايحاء يهدف إلى إبراز التوافق بين الجزء والكل ، وبين المرأة والرجل.

تتضح آثار اللاوعي في لوحاتها من خلال رمزية اللون والمعنى، والسريالية الخفيفة في التفاصيل المبهمة المندفعة من داخل النفس ، وميولها الشاعرية التي تنساب بتناسق بصري مع وحدة الشكل والمضمون ، والتماسك بين الخطوط واللون الممتزج بالمعايير الحسية التي توحي بثقة ريشة تدرك أنها تترجم بوعي ما بداخل النفس من أحاسيس فنية هي بمثابة قصيدة مؤلفة من شكل ولون، وخط، ومساحة، وفراغ، وضوء ، وإيحاءات رمزية تخفي من خلالها الأنا الأنثوية المتصلة بعمق وسيمترية مع الآخر، والتكوينات الحياتية المختلفة مع الحفاظ على الخط الفاصل بين كتلتين ، وفي هذا بوح فلسفي تشكيلي تطغى عليه لغة الحوار الثنائية أو لغة الخط واللون ، والضوء والظل، والفراغ والأشكال الهندسية وخاصة المثلث المتشكل من عدة وجوه جمالية في لوحات تشكّلت من اللاوعي الفني.

بين الوعي واللاوعي جدلية فلسفية تنطق بجمال ذهني يتكون ضمن رسومات تثير المخيلة، وتدفعها نحو اكتشاف المزيد من التفاصيل التي تلاعبت بها بثقة أحاطت بجميع موتيفاتها الكثيفة ذات المنظور الفني المغاير عن رؤيتها الإنعزالية. لتتجه بوشوشاتها النفسية نحو الهمس الموجه لحواس تحتفظ بها ، تحاورها ترسمها تضعها أمام الحقائق الحياتية الملموسة باللون، وديناميته النابضة بفرويدية تنحصر باللاوعي. تاركة للوعي جماله الحاضر في تفاصيل مختلفة بعضها مبهم بين الخطوط، وبعضها الآخر هو جزء من الأسلوب الجاذب للبصر، وللتفكر بالمعاني المنبثقة من لوحة أودعتها وشوشة محسوسة ذات إيقاعات صامته، تتجلى في حركة الخطوط والضوء والظل، والتناغم الحسي المتناقض مع مفاهيم التضاد المتغلغل داخل الانعكاسات الضوئية المرتبطة بقوة الإحساس عند الفنانة " لينا ايدينيان" وريشتها الفرويدية.

إشباع بصري يشعر به المتلقي عند تأمله أكثر من لون تشع منه معاني الأمل ، والفرح ، والحياة ، وجمالها النابع من التوحد مع الذات، والتصالح مع النفس التواقة للألوان المختلفة، حيث تتضافر العناصر الفنية بتقنية ترتكز في معظمها على رمزية اللون وتأثره بالنفس ، وبجمالية التشكيل المثير للتخيل ، والقادر على خلق فضاءات فراغية داخل عوالم النفس التي تتنازعها الأفكار الفلسفية ، وجدلية الوجود المبني على التناظر والتماثل والسيمترية في المفاهيم الجمالية الكامنة باللاوعي . فالاكتفاء بالانطباعات النفسية في لوحات الفنانة" لينا أيدينيان " هي العنصر الذي يلامس نفس المتلقي، ويحقق من خلاله حوارات متعددة منها تحليلية وسيمائية ذات خصائص موضوعية ترتبط باللون ورمزيته.

Doha El Mol