خيوط بصرية وأفكار تعتمد على الحكايات القديمة
ضحى عبدالرؤوف المل
جرأة لونية فوضوية قوية تظهر مفهوم الفن الواقعي، والخط التجريدي الغير موضوعي، المستخلص من ضجيج المدن الكبرى المليئة بالحركة الكثيفة بصرياً، فالأهتمام برؤية الصورة الحديثة هو اختيار يربط الحاضر بالماضي، وفق واقعية تعيد نمو ألوان مدن كنيويورك، وتعكس فوضى الأماكن الشعبية مع فكرة إعادة انتاج تصاميم تجعلك تشعر بالضوضاء ، وموسيقى الجاز والراب، فالأحمر القاني في لوحاته أخذه من الطبيعة المنعشة ذات الألوان الجمالية التي تجعلنا نفكر بزوايا الكون، أو جهاته الأربعة، وخطوط مجراته وألوان، شمسه وقمره . لأن " ياغيت يازجي" Yiğit Yazici يلتقط الحركة ويترجمها بلمسات إبداعية، وطاقات تجمع الضوء، فيبرز مرافقا للخطوط العريضة، والكتل العملاقة والصغيرة، وكأنه يمسك بالعواطف البشرية عبر خيوط بصرية ، وأفكار تعتمد على الحكايات القديمة والحلم، لبناء عوالم حديثة تختلف ثقافاتها، ولهجاتها وتتوحد مع اللون والرمز والشكل.
قدرة تصويرية بصيغة فنون تشكيلية يريد " ياغيت يازجي" من خلالها الوصول إلى قدرة حركية ولونية تنشط الأفكار، وقوة الملاحظة، وسرعة البديهة، لأثارة الحواس ودفعها إلى التحقق من كل شىء حولها، لتزيد الرغبة باكتشاف الحياة والعيش فيها، وابتكار طرق تتجدد فيها معالم الماضي، وتتطور من خلالها قوة الإرادة الخلاقة القادرة على استنباط الجمال، وتطوير عمليات التفكير لنتجاوز كل إحباط نفسي قد نصاب به، فالآلآت القديمة كالسيارات الأولى والدراجة ، وما إلى ذلك هي لحظات مضت، وتم تطويرها زمنيا بأشكالا متعددة رافقت الشكل الأول وتخطته إلى سواه، وهذا ما يبحث عنه " ياغيت يازجي" .
أهداف انسانية يحاول من خلالها أن يبرهن أن عالم الفن يحتاج لكفاح وصبر، فالخطوط الكثيفة والملتفة، والمحبوكة خلقت رؤية تجعل المتلقي يحاول فكّها، ويكتشف ماهيتها وكثافتها، فيتساءل لماذا يرسم كل هذا " ياغيت يازجي" ؟.هل التكنولوجيا والحداثة هي بدائية الأصل، ولكنها تشكّلت برؤية عصرية في كل زمن جديد؟..ربما هي تطورات مذهلة تحمل أبعادها الزمانية والقدرة على الاستجابات النفسية المستعدة دائما لابتكار يتفوق الإنسان من خلاله على المادة . كما تفوق " ياغيت يازجي " على اللون. بل وثار عليه بتحديات لونية فوسفورية كثفها وتلاعب بسطوعها. بتدرجات فاتحة وفاقعة غالبا، ليتراقص بعضها البعض، وكأنه يملأ صالة ما بالأضواء، وليستوحي من نماذج قدمها في لوحاته موضوعاً تشكيلياً جديداً طرحه كصور طبيعية تقف أمامها مذهولا ، لتلقى نظرة من الداخل إلى الخارج، وكأنك داخل الصورة وتحتاج للخروج كي تراها وتدقق فيها.
مهارات تنسجم مع الواقع الفني، وتصاميم تستجيب لها انفعاليا، لتنطلق مع " ياغيت يازجي" نحو تنمية حسية لا محدودة لها معايير هيكلية خاصة، فموسيقى اللون في لوحاته تساير الذوق العام. المتجه نحو حداثة أسلوبية تعتمد على هيمنة اللون الجرىء ، وقوة الخط، و كأنهما يتنافسان لخلق مشهد فني تظهر من خلاله الوحدات الفنية بتباين شفاف بين المساحات الأكثر تعقيدا، فريشته في حركة متواصلة تهيمن على المفردة والإيقاع، وتعطي تصوراً ديناميكياً تجريدياً . يشترك فيها الضوء والخط الأشد فوضوية من تمرد يفرضه اللون المستقل وايقاعه الثائر على القديم.
رؤية تصميمية انعكست بأشكالها المتعددة في معظم لوحاته الممتلئة بالخطوط والألوان العريضة . المتميزة بالانعكاسات المنسجمة بين الطول والعرض ، والتضاد والتباين والتسطيح، والأبعاد التي تأخذك إلى عالم الطفولة والشغب في فن رسم يبحث عن الزمان والمكان في كل ما حوله، لتجسيد البعد الرابع من طول وعرض وعمق وارتفاع، متخطيا مرحلة الطفولة ومشاكساتها للخطوط ، ومنتقلا إلى الخيال والارهاصات الانفعالية القادرة على الدخول إلى اللاوعي، واكتشاف رؤيا تمنح الإنسان العصري الحركة الفكرية الدائرية المتطورة، والتي تبحث دائما عن كل جديد في كل العوالم الفنية من اختراع ، و تشكيل، وتصميم ، وديكور، ولا سيما تلك النشوة الحسية بالمغامرات الشبابية ، والألوان الناطقة بالحيوية والحركة، والمرتبطة بالشكل والفضاء الخيالي المتسع لابعاد زمنية تجعل من المنجز الفني يذكرك بكل أزمنة عاشها الإنسان، والتطور الفكري المصاحب لها، فالآداء التكنيكي والتحكم بالأبعاد يفرضه تلقائيا " ياغيت يازجي" على المتلقي بكل مراحله العمرية لأنه يقدم وعيا تصميميا يفهمه الطفل والشيخ، والعام والخاص. كما أنه يحيط فضاءات لوحاته بالخطوط اللولبية والمتعرجة، مما يخفف حدة الألوان القوية، فيتقبلها النظر ويدرك معناها الوجدان من خلال كل حركة وبعد إيقاعها ، والزخرفة الواسعة المدى خياليا ، وكأنها تصميمات تعتمد على لولبية خطوطية كثيرة الالتواء، وهذا ما يمنحك الاحساس بالمغامرة وبوعي الفنان الدقيق لتصميماته وأبعادها المختلفة حسياً.
يقول ستيف نيوتن:" اللون مثل الموسيقى، له القوة لتجسيد بعض من أعمق عواطفنا. على أي حال ، هو ايضا ، وهي من المفارقات. أكثر عرضة لمخاطر التعامل الجاهز، والتأثير التزييني والتكلف السطحي." ربما المتلقي يشعر بتكلف لوني ساطع وانفجارات زاهية تتدرج من الأحمر الاساسي إلى الزهر المركب، الشديد التماسك ، وكذلك مع الأخضر والأزرق والأصفر، وكأنه يجعل من لوحته غابة تضج فيها كل عناصر الحياة من شجر وزهور، وعصافير وتصورات متعددة وغيوم، المتسعة لكل حركة الخطوط والألوان تعج بالمتعة الحسية ، وبثورة تتفجر منها تصاميم مطاعم ، أو صالونات أو مدن ترتبط بعمق الطبيعة الصارخة ألوانها ، مما يجعله يحافظ على بنية الكتل التي تكشف عن قيم جمالية رغم زخم الموضوعات المطروحة في تصاميم لوحاته المرتبطة بأفكاره، وبأسلوبه الباحث عن جمالية طبيعية يلتقطها من أماكن ليلها كنهارها، وشروقها كغروبها، فهو يحاول تطويرها بتصميمات فنية تحمل رسالة ذات قدرات تخيلية مستقبلية برؤى بدائية تحمل روح العصر الحديث.
مناظر ورؤى نكتشف من خلالها النهايات المفتوحة، لحكايات يرسمها بلغة لونية تمتد إليها الأنظار، لترافق حركة الخط وتوزيع الألوان الجريئة والمتحررة، مما يمنحنا رؤية لعوالم الماضي والحاضر والمستقبل، فنحلم بالألوان وما تؤول إليه تفسيرات الخط اللولبي والمنحني، والمتكسر والمائل، والأفقي والعامودي من مبادىء استند إليها " ياغيت يازجي" في رؤاه التصويرية المنسجمة مع تصميمات هندسية كديكورات تفتح حواراتها للبصر، وتدغدغ المشاعر الإسانية التي تبحث عن العصرنة الحديثة والرغبة في احداث تغيرات جذرية في العالم بشكل عام ، وفي الفن بشكل خاص.
Doha El Mol