شاهي دير هاروتيونيان يستعيد ذكرى أرمينيا وأبعاد وجودها الفني

ضحى عبدالرؤوف المل

تتميز أعمال " شاهي دير هاروتيونيان" بالبساطة والجمال، فالتكوينات اللونية ذات مساحة منسجمة مع بعضها البعض. كما أن الخطوط المتصاعدة بوتيرة متناسقة نحو الأعلى. لها إيقاعها المستوحى من كينونة الطبيعة وجمالها، فهو مد الخطوط بقياسات متطابقة متماثلة ، ومتشابهة وبشكل تكراري له نغمته، ومن ثم ترك اللون يتناقض مع المنظور الهندسي، ليظهر الانعكاسات، كمرايا متكسرة أو كخطوط تم تجريدها من العناصر الطبيعية، ليمنحها من ألوانه السيراميك حرارة عالية. تظهر نضارتها وتماسكها، وقوتها الفنية والتكنيكية بعيداً عن المدرسة التقليدية التي كانت موجودة منذ العصور الوسطى، فهو يأخذنا بأشكاله الهندسية المُبهمة تارة نحو التجريد الهندسي، وتارة أخرى نحو مفهوم التكعيبية. إلا أن رسوماته تتناول الأفكار الطبيعية والوطنية مع المضامين الهندسية لمادة أوكسيد السيراميك، وقدرته على التحكم به رغم الألوان المحدودة لهذه المادة. إلا أنه وضعنا في تضاد لوني أساسي ومركب، ومفهوم فلسفي جمالي يربط الفن بالمجتمع، وبطبيعة " أرمينيا" من خلال لوحات تحمل سمات جمالية لها أبعادها التشكيلية، وبصماتها اللونية المتعددة الخفوت والقوة والتوهج، فالتصميم الجمالي للوحة يقترب من التكعيبية، وإن بتجريد تعبيري خفيف الإيحاء، ومتميز بانعكاساته الفنية والنشاط اللوني التلقائي بصرياً، متخذاً بذلك مُعطيات ذات أبعاد هندسية متعلقة بالأفكار، وتلاحمها بالأسلوب الديناميكي للصورة الفنية التي تستعيد ذكرى أرمينيا، وأبعاد وجودها الإيحائي كجزئيات فنية فسيفسائية لها طابعها الذاتي والخاص، فالمادة الأساسية للون عبارة عن تراب( بودرة مطحونة تدعى أكاسيد سيليكات ) ممزوجة مع ألوان أخرى خاصة لا تتأثر بدرجات الحرارة العالية.

رؤية فنية عقلانية لها طابع مدارس القرون الوسطى، وقيودها الهندسية المُرتبطة بالخطوط واتجاهاتها الظاهراتية. المتماثلة بعمق بدئي (archetype) يهدف إلى إخفاء أشكال حسّية ما ورائية، وخلق نماذج فنية. نبحث عنها بين الخطوط الفراغية، وإبراز أشكال دينامية ذات دلالة سيميائية تثير المتلقي، حين يحاول ترجمة الوعي الحسي، وما وراء الخطوط واللون، فنشعر بقيمة الوجود الحقيقي وقدرة الطبيعة على منح الألوان الحيوية والميتافيزياء الخيالية، لعازف يكشف عن إيقاع منبعث بشكل كلي من جسد اللوحة المتماسكة ، والمرصوفة ألوانها بتقنية تجسد ولادة لوحة مكونة من جزئيات عشوائية ملتزمة بأسلوب فني يشبه الموزاييك، والمتميز بذاتية لها سكونيتها.

أشكال لها ثنائيتها موضوعيتها وذاتيتها إن صح التعبير، ففي تقارب الألوان وتضادها ببساطة ذات تعبير لوني سردي، ولغة بصرية تعتمد على الأشكال وتوهج ألوانها المتآخية مع الضوء الداخلي والخارجي لكل لون متماسك مع الآخر، وهذا ما نتحسسه بصرياً وسايكولوجياً، لمنظور يتراءى على السطوح الخارجية لكل شكل هندسي أظهر من خلاله " شاهي دير هاروتيونيان " دقة دمجه مع الأشكال والألوان، وقوة السطوع متخطياً بذلك الترددات اللونية أو الذبذبات الخفيفة الصادرة من الألوان، وقوة تأثيرها على البصر . لنستريح عند اللون الأبيض، ومثلثاته الكثيفة جيومترياً، والانعكاسية ضوئياً على الأزرق والألوان المركبة الأخرى.

كثافة لها ملمسها الحسّي والبصري ، وأشكالها الهندسية المسطحة والمتنوعة . تبعا لشكل المثلث في الغالب أو لتحطيم الصورة ، وتركها مبهمة وسط تجريد مشطور أحيانا. يهدف إلى خلق صرامة تبسط نفوذها من خلال خطوط المنحني، وإخضاعها لكسر جمود الخط الحاد بتصوير تشكيلي كلاسيكي مؤثر على الرؤية البصرية بشكل عام ، لكن له قوانينه وكينونته المساعدة على تنمية الخيال لفهم الحركة الداخلية للوحة.

توتر فني يخفيه بهدوء اللون الأزرق، وصفاء الأبيض، ليقتحم باللون المركب الزوايا والأبعاد، لكل مفردة انسجمت تشكيلياً مع اللون وخصوصية المساحة التي تتسم بالبوح الهندسي، والمعنى الرمزي للألوان التي تؤكد على جمالية الفراغ في العمل الفني. المتضامن مع مفهوم السيمترية وتدفق الضوء من اللوحة إلى الذهن، فنسترجع تفاصيل اللوحة في مخيلة ترى الطبيعة وفق زمان ومكان خاص باللوحة، ليضعنا " شاهي دير هاروتيونيان" أمام صورة شعرية إيقاعية لونية لها حرارتها العاطفية، وعقلانيتها المتجذرة في الخطوط ونسيج المساحة المحبوك بطريقة فسيفسائية لها جمالية مادة السيراميك ، وحرارة النار وتوهج اللون المتعدد الدرجات، ليحقق مستويات مختلفة من الأبعاد الهندسية القادرة على المحاكاة البصرية والوقائع الفراغية. لتتحول الأشكال إلى رؤى متخيلة تجريدية مبهمة تكتسب قيمتها من قدرة المتلقي على تحليلها وإبراز العلاقات المرنة والمستعصية من خطوط حادة ورقيقة، شفافة وكثيفة، متصلة أو منفصلة.

يقول جان برتليمس:" في اللوحة المصورة بالألوان لا تعتمد القيمة واللون على خصائص وعلاقات العناصر التي تكونها فحسب، بل إنها تعتمد كذلك على الطريقة التي وضعت لها، أي على اللمسات" لمسات فنية ابداعية انجزها" شاهي دير هاروتيونيان " بحساسية لون يصعب امتلاك ناصيته . إلا أنه استطاع فرض تكنيكات أسلوبية ، والإحاطة بماهيتها قوتها ، ضعفها وتماسكها. تاركاً الألوان النقية تظهر تفوقها على الخفيفة ، كالأحمر والأزرق، والتوزيع النسبي للأشكال، وقياساتها الصغيرة، والكبيرة، والمتوسطة المتعلقة بدرجة الإضاءة وتوازنها على أرضية اللوحة المنظمة ، وضمن مساحات تفرض جماليتها الرياضية، والخصائص التجريدية والهندسية، للخطوط والأشكال وميكانيزماتها البصرية المرنة، والقدرة على محاورة المتلقي بمزاجية عقلانية وعاطفية وظّفت اللون ليظهر قيمة الخط هندسياً واللون فنيا.

Doha El Mol