بصمة لون ثنائية لحالة ثورية تعبيرية.

ضحى عبدالرؤوف المل

ترتفع موجات اللون التجريدي لتغوص مع الحركة من خلال منظور تكنيكي. يعتمد على الحداثة الفنية في تشكيل لوحة لها وجودها الجمالي والإنساني الذي ينبع من مفاهيم معرفية يجعلها تحتفظ برموزها التقنية، والتي تعتمد على نقطة واحد لها منظور نقطتين للانطلاق نحو البعد الثالث بعمق خطوط تحكي لنا حكاية تعبيرية، لها وظيفتها الفنية الخلاقة التي تعكس رؤية رجل وامرأة معا، في نظرة رمزية لنقطة يتلاشى عندها الضوء، فتتوافق الألوان مع بعضها، كما تتوافق الأرواح في مساحات فضائية واسعة تشبه فضاء اللوحة التي تختزنها ذاكرتنا البصرية في جيوب وجدانية تعصف بالأحاسيس وتبحث دائما عن الجمال.

تناقض جمالي جذاب في معرض فني يجمع "كاجيك غزانجيان، وليليلت صوغومونيان" lilit soghomonyanفي محاولة جمع فني تشكيلي، لحالة وجودية للمرأة والرجل من خلال نافذة الولادة التي يحلم بها كل منهما في محاولة لدمج الماضي بالواقع ، والحاضر بتاريخ البشرية، فالحالة التعبيرية البصرية عند "كاجيك " لها صداها المضئ في التكوين المتعدد، والمتماسك كترنيمة موسيقية واحدة لها سكونها وإيقاعها المألوف حسياً، وكأنه في حالة من اللاوعي يستعيد من خلالها اللحظة الواقعية التي استطاع تجسيدها عبر رؤية ثورية ارتبطت بأحاسيسه الإبداعية، ليجدد الدمج اللوني وفق فن منظوري له أبعاده الذي يحدد المسارات البصرية والمتناقضات مع إعطاء طابع مشهدي له لغته الخاصة التي يحتفظ بها "كاجيك."

فوضى تعبيرية خلاقة لطفولة تعج بالمرح والأمان في مزيج ميكس ميديا له تغيراته اللونية التي تعتمد على الخطوط الرقيقة، وكأنها جزء لا يتجزأ من مفهوم الرؤية للأمومة والطفولة ، وحكاية الخروج إلى الحياة بوصفها ثقافة الإنسان الوحيدة التي تجعله يرى الجمال البشري في الخلق من خلال فهم اللون عند" ليليت " وحلمها الأساسي الحب الأمومة، والحنان وعاطفة أنثوية حالمة ترتكز على الآخر وقوة التمازج والاندماج، ليتكون مفهوم التنمية البشرية الخلاقة القائمة على دمج اللون بالضوء ، واستخراج الخط الشفاف الذي تمتاز به الأم من خلال عواطفها، والفنانة من خلال رؤيتها في جمع المشاعر الإنسانية في لوحة بصرية ذات لون مركب أحمر وأبيض لتجعل فتحة الولادة كالنور الملائكي المضيء الذي يرمز للطهارة وللبراءة ، والفطرة التي نولد عليها، وكأننا ممسوحين ضوئيا بنور إلهي تستحضره طقوس الولادة كما تستحضره فرشاة" ليليت" في لباقة فنية رقيقة تعكس رؤية زوجها "كاجيك" وكأنني في معرضهما أتأرجح بين الذكر والأنثى ، وبين القوة والرقة، والحداثة والكلاسيكية ، والألوان الحارة والباردة، وبين الألوان الثابنة والمركبة.

ألوان نسبية تحتضن الخطوط الرفيعة لتحيط الخلفية في تجريدية مستقبلية لها أبعادها التي تتطابق مع نقطة البداية في نظرة يجمع فيها "كاجيك" الماضي مع الحاضر والمستقبل، وكأنه يضعنا على حافة الواقع قبل يوم القيامة في لحظات من اللاوعي تجبرك أن تغمض عيونك بسرعة وتفتحها، لتبتعد بالمشهد وتحتفظ به في الذاكرة التي تنتعش ومن ثم تشتبك في حوار نفسي يدخلك الواقع لتراه مجرداً وحقيقياً في ذاتك.

إن الظلال المختلفة الألوان في المعرض تمنح البصر سرعة تنقل في حركة دائرية، ليلاحق كل مزيج لوني سكبه على القماش، وكأنه يدفع اللون على التشابك مع الألوان الأخرى.لأنه يتطلع إلى العلاقات الإنسانية المتناقضة في الحياة، وكأن الضوء ومضة، واللون ستار والرؤية تجعل البصر يبحث بدقة عن النص المفقود الذي يحاكي العقل فيتساءل ويستكشف كل من منظاره التحليلي، وكأننا في عالم وهمي يتلاشى مع الزمن الموجود في الماضي ،والموجود في الحاضر وينفيه المستقبل في معاكسة تضفي على الإحساس الرفض، والثورة، وتحقيق الذات، وإبراز الجمال، والرغبة في تغيير أشكال المدن في وجهات نظر لونية موسيقية إيقاعية كقرع الطبول أو كأصوات أوبرا مليئة بالقوة، فشعر بالأنفجار الكبير. لكن تحوله ليليت إلى عاطفة تضم كل أشكال الإنسانية لتتنفس بعمق وتتأمل شاعرية كل لوحة ورومانسيتها.

متناقضات تجعلك تبحث عن الحقيقة المطلقة عن الثورة والحرية، والاستقلال عن الوطن... عن العائلة ..عن الانتماء... عن ديمومة الحركة بالحياة... عن التجدد... عن التكاثر عن الخطوط الوهمية التي تندمج مع الخطوط الصلبة الحقيقية والاستثنائية. وكأنه يستعد لرحلة تصويرية لمستقبل يكتسب من الخطوط صلابتها، ومن الفرشاة مرونتها لكنه يترك السر في طيات اللون، ليكتشفه البصر بحذر أو ليبقى مخبوءاً داخل قماش اللوحة أو في اللاوعي الفني الذي يتطلب الغموض العفوي، لتصوير بصري يعتمد على الخط الفاصل بين الواقعي وغير الواقعي. ليرتفع عالياً كإعصار يقذف بالضوء في بؤرة لون أسود يتناغم مع الأحمر، فيثير دهشة المتلقي لثبات لوني مميز يجعل حدقة العين تتحرك بسرعة ليشتد البصر بعدها ويغرق مع بحور ألوان تتغلغل في لوحة ببغائية الألوان، لكنها في الحقيقة عجلات تدور بسرعة الحياة.

وعي فني في معرض واحد جمع الرقة والحنان، الحب والأمومة مع القوة القساوة والثورة على الواقع في نظرية مختلفة تترك المرء يستكشف حياة الذكر والأنثى، ومفهوم الحركة والحياة عند الرجل والمرأة في رمزية لها نهج تيار الواقع الجريء القادر على الذوبان في الهواجس التي يصعب إدراكها ، إلا من خلال الخط الشفاف السريع الالتواء والانحناء، وكأنه يتزامن مع حركة راقصة تتزامن من نبض الفرشاة التي تترك أثارها العاطفية الظاهرة في لوحة "الحديث عن كل شىء" لتترك العقل الواعي يجمع تصوراته فسيولوجياً، ويضعها داخل تقنيات ليليت البصرية...

ما بين الأذن والعين أبعاد متناغمة ومتوازية من حيث الرؤية والالتقاط، فتتوافق الحواس بشكل طبيعي مع فضاء اللوحة الأكثر عمقاً ومع الألوان التي تثير العواطف أو بالأصح تدغدغها، وكأننا نلعب مع الشكل والمضمون لعبة الأفكار التي تستطيع الخوض في حوار بصري يكتسب لغة موسيقية تعتمد على حركة كل خط قادر على تكوين جاذبية تخلق شعوراً درامياً يتفاعل مع أسلوب "كاجيك "الغامض ومع مضمون كل لوحة رسمتها "ليليت..

Doha El Mol