انطباعات متجانسة تدفع الحواس لالتقاط المعاني
ضحى عبدالرؤوف المل
ترتبط الخطوط بشكل حيوي بالقدرة على التعبير عن شكل تصوّره المخيلة ، لتوحي بمفاهيم تعبيرية تتصف بالجمال الخلاق. كما أن اختلاف الصور الفوتوغرافية ومواضيعها، ما هو إلا متناقضات تتعلق بمزايا فنية لها رؤيتها وأبعادها الزمنية، والمكانية المتعلقة بتقنيات تختلف مقاييسها الحسّية تبعا للفكرة الإساسية أو للرؤية الذاتية المرتبطة بالشكل تحديدا، وهذا ما يواظب عليه François Sargologo " فرنسوا سرغولوغو " لتقديم انطباعات متجانسة تدفع الحواس لالتقاط المعاني عن مسطحات تبدو للعين متنوعة، لأنها تساعد على تقسيم فني يأخذنا أحيانا إلى تمزق تدريجي لأبعاد منظوريه منحها فراغات رشيقة بصرياً، لتصبح أكثر انسجاما مع الصورة التي تحاول تفسيرها الحواس أو تلتقطها العين ، لأن الحركة البصرية متناسقة ومريحة.
يستند " فرنسوا سرغولوغو " على مكونات وخامات انتقائية، مما يجعلها أقرب إلى الفنون اليدوية أو الذاكرة البصرية المشحونة بالحركة وبثنائية اللون، ولكن مواصفاتها المرتبكة تجعل المتلقي يبحث عن الضوء، وعن الطيف اللوني لنغمات طبيعية يمتصها اللون الأسود الصلب في لوحاته، لأنه يتميز بجوانب متعددة من حيث قدرته على إظهار السالب والموجب للون له قدراته على امتصاص الضوء . كما أنه يفتقد للأطوال الموجية لان " فرنسوا سرغولوغو" يبحث عن التميز الفني أو الإبداع الخلاق، فهو يحاول تجميع البصر ، ومنعه من الانتشار، ليبرز أفكاره بقوة تاركا الموضوع الفني الاستثنائي على مساحات ممدودة برمادية أو بالأبيض ، ليمتد البصر بعدها حيث يشاء، وكأنه يقول هذا أسلوبي الانتقائي.
خيال ينطلق منه نحو الواقع ، لتترابط المواضيع وتتفكك تبعا للعناصر التي يلقي الضوء عليها ، فالتصميمات الانتمائية الفوتو غرافية هي واقع لأنماط انتقائية. يختارها كي تنسجم مع حرية التعبير، ومع الخامات والأنسجة التي يحددها بتصميمات لها توازناتها الجمالية ، والأضواء المستخدمة، ليثير نوعاً من الفوضى المنظمة في رؤية متنوعة، وأسلوب اجتمع فيه التعتيم، ليوحي بالتعتيق المتوازن مع القديم والجديد ،وفق حداثة أعادتنا إلى الأبيض والأسود، وإلى صور فوتوغرافية قدّمها وفق تصميمات نفذها بدقة ترابطت فيها الموتيفات المتناسقة بصرياً. كما أنه سلّط عليها الضوء ، ووضعها داخل مساحات بصرية ضوئية، ليظهر قوتها الذاتية بموضوعية تجعل المتلقي يقف مندهشا ، وهو يطرح تساؤلات عن ماهية هذه الرسومات التي تفتح الذاكرة نحو الأبيض والأسود، ونحو القديم والجديد ، وانتقائية حديثة خلق منها أفكاره المنسجمة مع حرية تعبير جعلتني أستمتع بما أرى.
أفكار تتبلور ضمن تقنيات رقمية ، وأساليب فنية جمعت بدقة تفاصيل تظهر المعنى السيميائي ، من خلال لقطة تثير انتباه الحواس، وطبيعة مفردات متشابهة، مما يولد الإحساس بالتجانس والامتداد البصري، وهذا ما يجعل المتلقي يفتش عن التفاصيل الصغيرة في لقطات تصويرية تنشط الإدراك الحسي بالزمن، مما يساعد على خلق إحساس قوي بالشكل العام ، وبالأسلوب الانتقائي التنسيقي وجماله، فالتوثيق المرئي في لوحاته يحفزنا على ترسيخ أماكن كنا نراها غالباً في أماكن متعددة، وما زالت تتواجد أيضا، فالحركة الداخلية للصورة الفوتوغرافية لم تعتمدعلى السريالية أو الواقع أو الزمن فقط . بل هي بمثابة ريبورتاج تقني مرئي يختصر آلاف الكلمات. لأنه يعتمد على حقيقة بيوت أثرية ما زالت مهجورة ، وربما تتعرض لإزالة مع الوقت، وعلى البيئة وتأثيراتها الحياتية، فالتأثيرات في الصورة تستقطب انتباه المتلقي للدلالات الزمنية المنطقية.
تتميز أعماله بجملة من الخصائص منها تنظيم الفكرة والموضوع ، والحدث، واختيار الأمكنة للتعبير الزمني ، والوضوح الظاهر في تفاصيل صغيرة داخل اللوحة أو فهم الفكرة الأساسية ، كالحقيقة والكذب في صورة جدارية تعبيرية. التقطها كفسحة رمزية تمثل تعبير خطوط كتبها البعض على جدران بيوت أو شوارع تركها أصحابها، وربما ما زالوا من الأحياء، وفي صورة أخرى يرتفع دخان الحرائق وسوء أثرها على البيئة في نظرة نحو مستقبل يرتقي بنا نحو صورة أجمل ندرك من خلالها المعنى بشكل دقيق قبل ان نتخذ من كل صورة رؤية جديدة تتكون في الأذهان بحلة مستقبلية عكست الماضي والحاضر في زمن تقني رقمي له أدواته وتقنياته المساعدة في تقدم الفن الحديث المتطور والمتشابك مع الصورة الإعلامية الهادفة.
تقنيات رقمية اقترنت مع التصوير الفني ، أو تكنيك لرسم تكوّن من تجارب وخبرات جعلته يتقن التحضيرات الانتقائية، لمواضيع استحدثها تبعا لتأثره بها ، وكأنه يضعنا داخل ديكورات نشأت عن حواس تستند على تفاعلات وجدانية وميكانيكية، لرسومات تصويرية تندرج تحت مفاهيم المنظور الضوئي الإيجابي، أو التصوير الفوتوغرافي الوثائقي المبسَّط موضوعيا، لتحقق العملية المرئية تلازمها البصري ، مما يجعلنا نرى بواسطة عين " فرنسوا سرغولوغو " التحليلية الناقلة لموجات الضوء المرتبطة بعدسة قادرة على نقل صورة مرئية. تنتج إثارة بصرية متعددة الدرجات ومختلفة المقاييس والتباين مع مكونات ثابتة. تساعد على فهم الدلالات الرمزية، لمواضيع أساسية أراد إبرازها من خلال اختلاف الموجودات داخل الصورة أو اللقطة المدروسة فنيا، وكأنه يرسم بعين الكاميرا ما تريده حواسه وبفعالية اتقن استخدامها ، لخلق حيوية ذهنية أخذتنا نحو تقسيرات ذهنية تبقى راسخة في مخيلة المتلقي.
قوة صورة برزت فيها الأبعاد والأحجام محكومة بتقاليد صورة تذكرنا بالأبيض والأسود ، وتحسينات صورها بحس جمالي احترافي. لأنه واكب الرسوم الفنية التشكيلة، واعتمد على التفاعل الكيميائي بينه وبين العدسة والصورة والمتذوق، فالتلقائية في الأسلوب الانتقائي يمنح الإحساس بالجمال والإدراك الفكري من خلال الخطوط والألوان، والكتل، والكثافات والضوء المسيطر على الأجزاء الدقيقة للصورة الفوتوغرافية المبرمجة على تحسس الضوء القادر على إظهار العتمة والظل، مهما كان شكله أو التأثيرات المتكوّنة من توهجات ألوان ساعدت على التقاط كل مشهد استطاع" فرنسوا سرغولوغو " إظهار طبيعته أو مساحته أو مكوناته الأساسية التي سلط الضوء عليها، بفن واع وخلاق.
Doha El Mol