أبعاد فنية ثلاثية تخدم جمالية الصورة اللامعقولة
ضحى عبدالرؤوف المل
لكل رؤية فكرة نبدأ من خلالها، بتحقيق ما نعتقد به من غرائب أفكار تشاكسنا في لحظات يختنق فيها اللون، ويبتعد الظل عن الضوء ليحافظ الشكل على منظور فن تشكيلي اتخذ من السريالية التعبيرية انطلاقة نفسية سلوكية وأحادية رمادية تتدرج من داكن إلى فاتح. قبل أن يمتزج الخط مع ألوان أخرى أساسية ومركبة. إلا أنها شفافة وتكاد تكون ورقية بصريا في لوحات موضوعية فكريا، وغرائبية وجودياً، ووطواطية احساساً، وكأن شخوصها تعيش في كهوف مغلقة خاصة بها، فأماكنها المغلقة لا زمن لها ولا شمس فيها.
إن " آني كركديجيان" تتمرد على الحركة والخط، وتوغل في صراع الأفكار السلبية والإيجابية. وفق أبعاد فنية ثلاثية تخدم جمالية الصورة اللامعقولة، وتظهر رؤية خاصة مستمدة من الواقع والمشكلات الاجتماعية المتزايدة، والتي احتضنتها " آني كركديجيان" Annie Kurkdjian في لوحاتها لتمنح البصر تجربة تأملية، وتعطي التفكير فرصة لإعادة النظر في تراكمات شاذة نراها في الحياة، ونتعاطاها ولا نحاول تقديم الحلول لها، فالرسالة الفنية التي تحملها " آني كركديجيان" هي إلقاء الضوء على النفس وصراعها مع الذات ، والأمراض التي نعتبرها سطحية كالسمنة ومخاطرها ، ومعاناة يتركها المتأخر عقليا بالنمو، وما إلى هنالك من شذوذ سلوكي يجعل النفس تتخبط في شهوات وكوابيس نسمع صرخاتها ونرى تعبيراتها القوية على ملامح وجوه كالدمى المتحركة.
لوحات تحمل رسالة حياتية ذات أبعاد ثلاثية، وأبعاد اجتماعية وسلوكية اتخذت من مبادئ " فرويد " وجودا له قياساته الفنية، وألوانه التشكيلية في تلقائية فكرة جنحت نحو الانطلاق بعيداً عن الواقع ونحو الآخر، لتظهر مشاكل الأنا أو الذات المتصارعة وفق مشهديات نقلتنا إلى كوابيس مرئية وغير مرئية، محسوسة، متخيلة، غرائبية بصيغة أسلوبية اعتمدت على وطواطية الشكل، وكأن مخلوقاتها ينتمون للإنسان من الداخل، ولا ينتمون له شكلا بل هم أقرب إلى فطرة خلق لهم هويتهم الخاصة، وكأن شخوص لوحاتها خرجت من كوابيس نعاني منها، أو من مجتمعات تعاني الأمراض والكبت، والهواجس المؤلمة أو كهوف تعشش فيها وطاويط رمادية، كل هذا قدمته في سريالية ارتبطت بتعبير نفسي يمنح الرؤية الفنية رسالة تعكس جمال القبح في لوحات ذات أبعاد وتقنية التزمت بالمقاييس الفنية. بل وأبدعت فيها.
آفاق مفتوحة نحو الثيو لوجيا، ونحو نزعات نفس تعالج العلاقات السلوكية في إطار مفهوم لاهوتي واسع يبحث عن سهولة المعرفة الداخلية للذات، وصلتها بالجسد والآخرين، فأحيانا تكاد ترى نفسك في لوحات يتمثل فيها الوعي والإدراك بقدرات نظمت من خلالها " آني كركدجيان " قياسات الأحجام وتوازناتها، فالمسار اللوني في لوحاتها اعتمد على الألوان المنشطة للبصر والمساءلة النفسية أو بالأحرى العصف الذهني ، فتتساءل بينك وبين نفسك من هؤلاء؟. بل من أنا؟.
معرفة جمالية متعلقة بالأنا، قدمتها سلوكيا بلغة فنية تشكيلية بصرية ذكرتني بسلسلة " هاري بوتر" . فهي خلقت حوارا داخليا له حضوره البشري المختلف رمزيا، فاللوحة ذات فضاء نفسي مرتبط بالوحدات الفنية الموحية بحبكة حكائية امتزجت مع اللون، وتفاعلت مع الأحجام وفق حس موضوعي له تأويلاته وجغرافياته الإيحائية ومساحات متناسقة لونياً وبصرياً، فهي اتخذت من السريالية التعبيرية لغة واقعية حياتية قدمتها بتواز مع رمزية نفسية تتخبط بالأنا ، وتخرج عن وعيها لتنطلق في فضاءات تكتسي وجودا متخيلا ، وكأنها تمارس أنواعا من طرح قضايا إنسانية متعلقة بمخاطر متعددة منها الصحية والسلوكية وما إلى ذلك.
لحظات استثنائية التقطتها مخيلتها ، وتحدثت عنها تشكيليا ، بأسلوب يستغربه الفكر وتتذوقه الحواس، فالإتقان في البعد الدقيق لوصف مشهدي تغلغل في مشاعر نفسية، لشخوص تعاني شتى أنواع الكبت الدنيوي والجسدي، والاجتماعي والسياسي والعقائدي، وما إلى ذلك من إيحائية تستخرج رموزها حواس المتلقي، فتتعاطف مع كل شخصية قدمتها برؤية سينمائيةصبغتها بتعابير عاطفية وألوان الأكرليك، ووضعتها أمام جدلية مجنونة، وكأنها تضع النفس في دائرة الأنا ، وتنقل حوارها مع شخوصها إلى حوار معنا.
قبح وجمال وتناقض في أفكار استطاعت من خلالها " أني كركديجيان" الإمساك بنا، فهي ترغمك على البقاء أمام لوحاتها لوقت طويل تحادث فيه نفسك وتتساءل ما هذا ؟..جنون؟.انفصام شخصيات تتخبط في الأوهام؟.أم أنها تستخرج متاعب الحياة من خلال لغتها البصرية، وقدرتها على تقديم أشكالها الغريبة التي تعيش في عزلة، ونتعامى نحن عن الاعتراف بها، وبمشاكلها وتقديم الحلول لها، كمشاكل تأخير النمو العقلي والتوحد عند الأطفال ومرضى النفس .
مأساة تراجيدية وعبثية تصويرية، وعيوب جسدية وسلوكية، أوجدت لها آني " كركديجيان " دمى متحركة خاصة تمثل الذات وصراعاتها المتعلقة بالأنا من خلال مقاربات رؤيوية تنوعت لونا وحجما، ومضموناً وأسلوباً، وقدرة على مزج الألوان الباردة التي تمنح الحس العمق السيكولوجي لغموض نفسي مستتر خلف أحلام متوترة ابتكرتها بجمالية فنية تشكيلية. مما خلق راحة نفسية تشعر بها وأنت تتأمل الضوء والظل، والألوان والحركات المتماوجة، وفق خطوط منحنية لها موجاتها المتقاربة ، كنوازع النفس التواقة لرومانسية تخرجها من الظلمة إلى النور، وإلى الدفء والعاطفة الضائعة.
وقفات ذات نغمات موسيقية روحية هادئة. تنبعث من الأبيض الرمزي في لوحات نرى فيها وجوهاً لها قداستها ورمزيتها الدينية، وكأنها تشير إلى هدوء النفس والسلام عند الرموز الدينية التي رسمتها بألوان رمادية محايدة غلفتها بالأبيض المتدرج وبسماكة مادة الأكريليك الصافية، وبحركات تكنيكية دائرية لأشخاص لباسهم متشابه وملامحهم واقعية، وكأن الأفكار الأنسانية الدوارة متشابهة في صراعها الداخلي والخارجي، وفي وجودها السريالي الغريب الأطوار، فالكتلة متكاملة منسجمة، متراصة متوازنة مع المساحة، ومن حيث الشكل والحجم وفراغات تتبلور منها خلفيات مشحونة بتناقض هزلي لوني يبرز تفاصيل الدمى الأسطورية، أو شخوصها الميتافزيقية، وكأنها تحقق وجودهم واقعيا من خلال سريالية تعبيرية ذات تأثيرات جدلية، تضعك أمام القبح النسبي بجمال متناهي، وهذه قدرة فنية تحتاج لفكر يبحث عن رسالة فنية لها قدراتها التي تتحدى التوحد والأمراض النفسية، والمشاكل الاجتماعية وتثيرك لتحتفظ بلوحة ترى فيها الذات، وحاجتها للسلام الداخلي والخارجي، فتخرج من معرض " آني كركديجيان" وقد امتصت لوحاتها شحناتك السلبية، ورسمت بسمة سخرية من الحياة مع ضحكة عاطفية تعلن فيها محبتك لكل ذوي الاحتياجات الخاصة. رغم النفور بداية عند رؤية غرابة تنأى عنها، ومن ثم تتقبلها بل وتتعاطف معها وتلمس القيم الجمالية في الأسلوب والمضمون، لترى الجمال وفق قياسات عقلانية فنية ارتبطت بالشكل واللون ، والتناسق والتضاد ، لرسالة حملت عنوانا ميتافيزيقيا " الحياة هي " استعراض امرأة واحدة "
Doha El Mol