مع الوقت !.. ألوان اجتماعية حبكها " نوريكيان" لونياً.

ضحى عبدالرؤوف المل

يحافظ" نوريكيان " Artist Norikian على الروح القومية في لوحات تتمسك بلون الشمس الحار، فهو يتوحد مع المشاعر العاطفية بكل تفاصيل خطوط اللوحة التي تملأ فضاء اللون، وكأنه يكتب مع اللون والحركة ومع الحنين والشوق بالمثولوجية الإنسانية ، لتلتهب الألوان وتندمج تراجيدياً انطباعية من الواقع لتقاليد عائلية اندمج فيها لشعب أو مجتمع يحلم بالمحافظة على تراثه والعودة إليه..

حس فني له تشكيلات بصرية ساطعة يتفرد بها، فهي تتصل بسرعة مع حواس من يراها، فيشعر بالدفيء الداخلي ليكتشف قوة الارتباط من خلال الأم أو المرأة، فهي المحور الأساسي في لوحات يبسط أسسها الواقعية. ليلتقط حركة تصويرية تشكيلية قادرة على محاكاة الإنثيالات الزمنية، والشيفرات الحركية المكثفة التي تجسد المعاناة كفقدان أحد أفراد العائلة أو الحنان، والاستقرار وما إلى ذلك.

تشكيل تصويري رؤيوي له أبعاد ثنائية وثلاثية لفكر، وأسلوب واقعي تعبيري متألق بشكل بصري جذاب، كأنه يرفض التحرر ليبقى ضمن العائلة أو الوطن، فكل كتلة تمسك بالأخرى، ليترك المساحة تتناغم مع الفراغ في عمل فني عائلي يجعل من الرؤيا سلطة إيحائية لها وجدانيتها وكينونتها الخاصة الأسرية، فهو يتعاطى مع كل مفردة كأنها بحاجة لأخرى، فيحررها ليتفاعل معها وتترك فينا انطباعاته العاطفية التي يهرب من عتمتها وظلها، ليربط ضوء الفكرة الاجتماعية المتآلفة فنياً مع احتياجات الإنسان للبعد الواقعي، والتجانس مع البيئة الغامضة التي تترك المرأة في لوحة تمسك فيها أصبعها، وهذا تعبير وجع من أمر قد أصابها.

عناوين توحدت ضمن بيئة اجتماعية متوازنة لونياً، فالبرتقالي المركب ،والمزدان حمرة ! يظهر هادئاً مع خلفية بيئية تضج بالعناوين. في لوحة مقنعة لأنه مزج حول العيون بظل ضوئي خافت كتعبير عن معاناة حلم يصعب الوصول إليه، رغم جمال الحياة التي نحياها، وكأنها تنتظر العودة لتتخلص من عبودية حرة، فنوريكيان يستخدم المزج الذكي للألوان. ليمنح اللوحة تأثيراُ عاطفياً للبصر، فيخفي الظل ويظهر الضوء تدريجيا ليعكس اللون على الكتلة، فيحدد تفاصيلها لتظهر المعاني المأساوية من مشهد بسيط تظهر فيه فتاة حزينة فقط، ولكن في خلفية يتماوج فيها الضوء مع اللون تاركا فراغاً حركياً في مساحة اللوحة لتكتسب موسيقاها الخاصة بها، وكأنه يعزف لحن الذكريات حزيناً.

إيقاع واقعي يعيد صياغة الرؤية، فيتبلور الإدراك الحسي ونحن نتأمل أعماله لنشعر أن كل لوحة هي يتيمة شعورياً، وكأن قدرة البصر على قراءة لغة اللون تتوزع مع الحواس، وتتشتت فكرياً في لوحة ضمت معرضاً أو قصة مكتملة الأركان من سرد ووصف وعقدة وحل ، لأنها اكتملت اجتماعياً وهندسياً في دمج يقارن فيه مسار الحياة الزمني للإنسان، والطرقات التي يختارها ويسير فيها وبالأخص المرأة التي تحلم وتتزوج، وتنجب وتشيخ في تشابه اجتماعي يضج بالإسقاطات البيئية التي يحيا فيها" نوريكيان " وتلزمه الصمت فيلجأ للفن ليقول " لكل واحد طريقه في الحياة".

نوريكيان جعلني أتساءل هل تتشابه مصائر الشعوب زمنياً ؟.أم أن القدر يرسم المعاناة لكي تتذوق النفس أحزانها، فتحيا على أمل أن يولد الفرح ويكتمل الحلم بالعودة للوطن ، فالخلفية في لوحاته هي وطن يسكن فيه يحبه وله حقوقه وواجباته. لهذا نرى في كل لوحة خلفية مبنية من تراكمات اجتماعية وطبيعية لها وجودها في حياته إلا أنه يحلم بقداسة الحكاية الوطنية التي لا ينساها، فهل تتشابه معاناة شعب الأرمن مع معاناة فلسطين؟..أم أن الفن يولد من رحم الاجتماعيات والبيئة التي نحيا فيها؟.

ابداع فني في تأليف اللوحة، وكأنه يدمج الأشكال الهندسية بعضها ببعض، فينعكس على ملامح الشخصيات تعبيرات تجريدية تحاكي الناظر إليها وتحاوره، وكأننا نسمع أصوات الماضي تخرج من اللوحة . بمعزل عن إيقاع لون يتجلى كمعزوفة فلكلورية تراثية، يألفها السمع كما تألف العين التي ترى المجتمع الأنثوي الفعال المتفاعل مع المسؤولية الجماعية الملقاة على المرأة في كل تجلياتها وحقوقها المجردة، والتي تتفوق في كينونتها المعطاء، وفي وجودها بشكل عام، فتناقضات المرأة تشبه تناقضات المجتمع، فهو امتنع في رسوماته عن الإفصاح بشموليتها، ليترك الرجل في لوحة عائلية وضعها داخل لوحة أم تحتضن طفلها وصدرها مفعم بالحنان والمحبة والسلام.

مقطوعة حالمة تعبيرية يعكس كل خط فيها الحركة الهادئة التي تثير الأحاسيس من ألفة ومودة لأفراد يجتمعون حول كرسي الجدة في انعكاس حقيقي للظل، وكأن الضوء يغفو تحت يدها وعلى منديلها الأبيض، فنصمت لنسمع الحكاية التراثية قبل بزوغ الفجر من لوحة تجعلك تشعر بغزارة اللون البرتقالي وتعبيراته المليئة بالحرارة، ليستقطب الضوء ويوزعه على الوجوه في خيال فني يجمع فيه الماضي والحاضر مع الضوء والعتمة والمؤثرات التعبيرية في اللوحة.

تقول الفنانة كلود عبيد:" يقوم المعنى السوسيولوجي للفن على العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون، أو بشكل أدق على رسالة الفن والفنان الاجتماعية وتعقيد هذه العلاقة وجدليتها من حيث الشكل والمضمون:" إن مضمون كل لوحة من لوحات" نوريكيان" له تعبيراته الخاصة المرتبطة بالشكل واللون والمساحة، فهو يقدم لوحات تراثية تحمل مفاهيمها الخاصة في ذاتها أو بالأصح قصص قصيرة من تقاليد اجتماعية يحفظها في ذكريات زمان اختبأ خلف بستانية تستريح على كرسيها بعد جولة قطاف تركتها مذهولة تحت ظلال ألوان معتقة تمتصها أشعة الضوء، تتأملنا لتلتقي عين الناظر مع عينها، فنتفاعل حسياً ونشعر بعمق اللون المغمور بالعتمة الباهتة وظل مضيء يذوب مع النظر.

" مع الوقت" معرض يجعلك تشعر بصراحة اللون والبعد الاجتماعي الهادف إلى تحويل الطاقة الفنية إلى رسالة تحمل هموم العلاقات الإنسانية، والروتين البشري القائم على توزيع الزمن، والأطوار التاريخية، فنوريكيان دمج التاريخ مع الحاضر كما دمج العادات العائلية مع قوة المرأة وجمالها وتمسّكها بوجودها، متأثراً باللون البرتقالي في رمزية الغائب والحاضر ، وازدواجية وطنية تجعله في وطنه لبنان ويحلم بأرمينيا الحكاية التراثية التي يجب أن تتمسك بها كل أم وكل عائلة تحافظ على قدسية معتقداتها. تناسب موضوعي في الرؤية الفنية التشكيلية وذاتية الريشة الباحثة عن الوطن

يعالج الفنان" نوريكيان " برسوماته التشكيلية مواضيع العائلة الأرمينية وتماسكها عبر تشكيل يعالج ظاهرة اجتماعية بجمالية تختص بالسرد اللوني والتحليل البصري، المؤدي إلى تناسب موضوعي في الرؤية الفنية التشكيلية، وذاتية الريشة الباحثة عن الوطن والمرأة عبر معادلة نمطية في حداثتها. لينقلب على الموازين التشكيلية بهدوء ريشة إيقاعية تتناغم مع الألوان الاجتماعية التي يقدمها الفنان" نوريكيان" في لوحاته كسمفونية تجسد صراعات الحياة ملامسا السكينة والطمأنينة عبر السكون الحركي في الخطوط والالوان، والتفاصيل الجزئية للأشكال وأبعادها ضمن المستويات الفنية المتوازية، المتأثرة بدرجات الألوان وتحاورها، والتجاور المبني على حرارة وبرودة الالوان المتناقضة في إبراز جمالية التمازج الضوئي بين الداكن والفاتح، ومتانة التعابير الإنسانية التي يصوّرها " نوريكيان " بفن تشكيلي يميل إلى سيميائية ذات سمة ترتبط بالمعنى والشكل ، ومجازية الألوان الحارة والباردة الميالة إلى الغامق. ليوحي بالحزن رغم إشراقة الألوان في مساحات أخرى.

يسعى الفنان " نوريكيان" للارتقاء بالمعنى نحو الشكل المتحرر حيث تندفع رؤياه من الداخل نحو الخارج دون الخضوع لمعايير الفن التشكيلي المحدود بمشاعره اللونية، المنطلقة من الذات بدوافعها الفنية الخلاقة، والمتقاربة واقعيا مع التخييل الإبداعي المستند على الأبعاد الدلالية، لرمزية العائلة التي يجمعها مع المرأة والوطن ضمن كنف لوحة مستقلة بمعناها، وبمستوياتها الفنية الناضجة بأيدلوجيتها الاجتماعية المرتكزة على الدلالات اللونية، والإيحاءات التعبيرية المرتسمة على الوجوه. لشخوص تنتمي لعائلة يؤلفها ضمن زواياه البصرية والمدركات الحسية التي تعنى بمزيج من الحركة والظل، والخط، واللون، والفراغ بمعناه الفاصل بين التخييل والواقع، والفلسفة الجمالية التي يسعى إليها من خلال منطق اللون ، والتناسب الضوئي الممزوج بسيمترية مبطنة ضمن مقاييس خاصة تتميز بها لوحات الفنان" نوريكيان" إذ تنبثق المضامين البصرية من داخل الشكل المرسوم بحيوية تثير معنى التضاد الحسي ، مثل الفرح والحزن والألم، والمعاناة الإنسانية في الحياة بمختلف تجلياتها المهيمنة على الإنسان ، وبالأخص على الأرمن والذكريات التي تلامس شعب أرمينيا بأكمله.

تفاصيل فنية خاضعة لسيميائية اللون وكثافته أو شفافيته من حيث القدرة على التوزيع للأشكال المتقاربة والمتباعدة، ضمن إيقاع بصري أقرب لسمفونية موضوعية ذات تقسيمات هندسية في داخلها، وتوحي بالبعد المتأصل جمالياً في المرأة ومقاييسها الخاصة من حيث المعاني السائدة في الأنوثة ، والأمومة والعطاء بوظائفه الرمزية ، كالتضحية والإيثار والنخوة الوطنية التي لا يمكن أن يتخلى عنها " نوريكيان" في لوحاته ذات التأطير الزماني والمكاني. بالاضافة إلى مكونات الشخوص التي يضعها في مشهد متعدد القراءات، ليتوخى التحليلات السطحية، ويعتمد على العمق الفني ومغزاه التراجيدي المتآخي مع ريشته الميالة للحزن ، ولفنتازيا تاريخية تحفظ الحدث ضمن لوحة كذاكرة تحارب الماضي كي تبقى مورفولوجيا ذات كينونة قصصية متجسدة برسومات ذات بنية فنية جمالية خاصة بالفنان " نوريكيان" وبمنهجه الحسي الباحث عن الأم الوطن والمرأة .

تتواءم النغمات الإيقاعية في كل لون تبعا لتدرجاته السيميولوجية المختلفة في دلالاتها من حيث العتمة والضوء والظل أو بمعنى آخر من حيث الداكن والفاتح والأشكال المجردة بصرياً، كالمربع والمستطيل، والمثلث والخطوط المختلفة في تطلعاتها التشكيلية. لتتساوى بصرياً مع المبنى والمعنى ، والتناسق الداخلي الذي يكشف عنه بأسلوب سهل ممتنع، وبنظرة اجتماعية تتميز بوطنية يستخلصها من اللون والمعنى، والشكل المتنامي في فضاءات المخيلة وحالاتها التعبيرية ذات التحولات البصرية ، المتمثلة في تواشج اللون والوحدات الفنية الفاصلة بين الشكل والآخر ضمن العمق الفني المتباين بفلسفته الجمالية وخامة ألوانه العابقة بالمعنى الوطني.

Doha El Mol