محاكاة جدلية نستقرأها من خلال الحركة الفنية الصامتة

ضحى عبدالرؤوف المل

ترمز الاشكال النحتية الى الوحدة واكتشاف الذات النابعة من قوة الخيال الخلاق للفنان " كاكيك كيفوركيان" Gagik Gevorgyan لمعانٍ جمالية تلامس الواقع ، وتتخذ من المعادلات الرياضية توازنا حسياً له إدراكه الوصفي ووجوده المعنوي ، والموضوعي المتناسب مع الشكل الإنساني الحركي والرؤية والضوء، وما تحمله التعابير من مضامين تتعلق بالمحتوى النفسي الداخلي للفنان، وما يعكسه على المنحوتة. ليخلق محاكاة جدلية لها تحليلاتها الخاصة بصرياً من خلال الحركة الفنية الصامتة ، وإيقاعاتها الصادرة من مادة خالية من الحياة ، لكنها تحمل معاني مأخوذة من الواقع وقدرة على تسخير الجماد لينطق بتعبير مرئي له قدرة الإيحاءات الميثالوجية وبالجمال الوصفي للإنسان.

غموض رغم الوضوح والوصف، فالحركة التصويرية ذات تعبير جسدي يحاكي الداخل بمقدرة تعتمد على الملامح الدقيقة ، البارزة على الخامة البرونزية، فالفكرة نابعة من مضمون انعكس جمالياً على الأسلوب النحتي المرتبط بالنسب البنائية المعتمدة على نقطة ارتكاز. يغلب عليها الإحساس الأكروباتي المتوازن والاختزالي من حيث التبسيط والحجم، والطول، والتماسك في الشكل الإنساني المجسم، والإيمائي القوي التعبير. فالأفكار المتباينة تترجم كل حركة تجريدية أو واقعية، وتمنحها صفة فنية تلتزم بالأبعاد والمحاور، ومسار الخطوط المرئي والمحسوس فراغياً لكتلة حدد أشكال الفراغ فيها، لتظهر الانعكاسات الضوئية على خامة البرونز المصقولة وفق تموجات تعكس السماكة ، والشفافية، والتأثيرات البصرية الحدسية، لنشعر بخفة الجسد وليونة البرونز، والملمس الفنتازي الملتزم بالمرموز الواقعي والتصويري ، والتوازن الإيحائي لتجسيم الجسد، وتحديد المعاني الرؤيوية لعمل ذهني. يحاكي الحواس بفلسفة يؤكد من خلالها على تنوع الشكل الإنساني المادي، واختلاف المشهد الحركي المتأثر بمضمون اللوحة الداخلي، المنعكس على الشكل الخارجي من حيث إسقاطات الضوء ولمعان المادة، واختلافات الملمس كما في منحوتة طاقة ( power) فالعضلات البارزة والتناغم الحركي يمنح المنحوتة جمالاً خاصاً، ومميزاً فالامتداد العامودي للجسد يتخلله تفصيلات جمالية، وتعرجات فنية عشوائية تتجانس مع الخطوط المتناقضة في منحوتة دقيقة في تفاصيلها المتقاربة مع كلاسيكية موضوعة ضمن تكوين حركي يمنح المتلقي الإحساس بالحرية.

تبسيط موضوعي واختزالي للأشكال القوية تعبيرياً مع الحفاظ على التناسب الفراغي وهيئات الكتل الجمالية بشكل عام، وكأنه يمارس فن الرقص التعبيري أو البالية من خلال إجبار الخامة على ليونة وطواعية بطيئة ساعدته في إظهار أفكاره الإبداعية، وتجسيدها على مجسمات ذات أبعاد ثلاثية لها وضوحها وتباينها ، وملامحها الفنية التي تتسم بطابع إيمائي . يرتبط بمعانٍ حياتية، وفلسفة تحمل المفاهيم الإنسانية والوجودية . كما في منحوتة هارمونيharmonie) ( لتكتمل النغمة الإيقاعية عند كل كتلة وفراغ، وعند كل ظل وضوء تجمّع عند كف يد أو أنامل أو وجه أو بين عيون حزينة ، عاكسا صورة ذهنية تتراءى في مخيلة مسرحية. تنطق بالحركة مجسدا عمق حاسة بصرية ذات لغة مرئية خاصة. تتوهج بالمحاكاة والحوارات المتفاوتة بقيمها الأسطورية ، كالفاكهة المحرمة أو رمزية التفاحة المتأثر بها واضعاً أسلوبه بين عصر ذهبي كلاسيكي، وبين فن معاصر متأثر بزوايا ضوئية يمنحها لمادة ثقيلة معتمة تتميز بالتناسب والتماثل، والإشراق، والجمال ، وإيحاءات باطنية مفعمة بالمفردات والمعاني لأنها ارتبطت بالإنسان.

تضفي الأبعاد الإنسانية على الشكل حيوية وبُعداً جمالياً حركياً، له دلالاته وأنساقه وفلسفته الذاتية الكفيلة بتحقيق الإدراك الحسي في منحوتة يمتزج فيها المعنى بالمضمون، والمفردة بالأسلوب الواقعي المثير درامياً، فهو يظهر عوالمه الداخلية ومشاعره المصقولة بمادة البرونز تاركا مسافاتها التكوينية منصهرة . وفق خطوط كبيرة أو صغيرة تكشف عن دقة نظر محورية، تدركها الحواس وتشعر بمدى قربها من الميثالوجيا من خلال وضعيات الجسد استقامته ، وانحناءاته ومعانيه النحتية المختلفة الأحجام والأشكال ، والرؤى التي يمكن استجلاؤها من خلال الطول والعرض والحركة التي تحيلنا إلى الملمس الناطق بصرياً، بانسجام فعال بين الفكرة والمادة ، والموضوع والانعكاس التعبيري المصاحب لمشاعر وأحاسيس ، وللخط والشكل والبنية العامودية للشكل والصياغة الفنية.

سمات جمالية في منحوتات فرضت على الذهن ميثولوجيا خاصة . تحمل طابعاً تعبيرياً أو لغة جسدية توقف الزمن عندها. إذ نرى انعكاسات المحاكاة على العضلات المشدودة ، والأصابع والتلازم الثنائي بين الطول والحركة المتأثرة بعوامل التناسب التمثيلي ، والإيمائي وكأنه يسرد حدثاً بصرياً ميثالوجياً يفسر من خلاله قيمة الفن والجمال في إبراز الأطوار الفنية، لفكرة تقترن بمنحوتة من مادة تتجاوز كل أمر مبهم، لتصبح تجسيدا لقول أو فعل أو حدث أو تاريخ ،ولمؤثرات إبداعية نحتها " كاكيك كيفوركيان" بقدرات فنية تركت بصماتها على أدق التفاصيل الايديوغرافية (ideograms) والتي تؤدي وظيفة رمزية جمالية تدلنا على المعنى، والمفاهيم الإنسانية الموحية لصورة شكلانية على سبيل المثال منحوتة الأمير prince)) والتناغم بينه وبين الطاووس ، وأوجه الشبه واضعاً المتلقي في مقارنة معنوية، فالتناقض بين الإنسان والطاووس يحمل رمزاً معنوياً نفهم من خلاله التشابه المعنوي والخاص في كل منهما، والقيم والمعايير الجمالية التي تستمد تماسكها من الكتلة ، ومقاييسها ومن الفراغ ومؤثراته المستوحاة من كلاسيكية عصر ذهبي ومن تعبير فني معاصر يضج بالقيم الأخلاقية.

Doha El Mol