ميثولوجيا فنية لها توزيعاتها اللونية .
ضحى عبدالرؤوف المل
يوظّف " جان ميشال سولف" Jean-Michel Solvès الميثولوجيا في فن نسبي ذي نمط أسطوري يغلب عليه أسلوب التعتيق، لتبدو سطوح اللوحة كقطعة أثرية لها رموزها التاريخية، فالمسحة اللونية الترابية الباهتة تعطي الإحساس بإشارات رمزية تعكس صوراً للحضارات القديمة أو لأساطير ممزوجة بلغة بصرية تجعلك تشعر أنها لغة الفراعنة الأولى. فتتساءل هل هذه قطع أثرية نفض " جان ميشال سولف" الغبار عنها؟..أم أنها صور (شامانية) غير مُنتظمة قد تاه التاريخ عنها. فمواضيع لوحاته تسحبك نحو أساطير غير مقروءة من قبل لكنها ولدت بكراً في لوحاته، فالوجوه المبهمة والأشكال العامودية المرتفعة تكاد تكون مسننة ذات جماليات ميثيولوجية تروي طقوساً كهنوتية ترافق احتفالات عميقة زمنياً، وكأن جان يمارسها فنياً ، فيربط بين اللون والتاريخ وبين الشكل والأسطورة، فننغمس في فك رموز كل حركة بطيئة زمنيا، كأنه يستعمل المواد الطينية الثقيلة والبطيئة الزمن. أو هذا ما تشعر به وأنت تتأمل لوحاته، فالمكان عند " جان سولف " منفصل زمنياً والأبيض يعطي الإحساس بمومياء لفها بضوء شفاف، كأنه وقفة موسيقية لها تراتيلها الخالدة، فنتساءل ما هذا ؟هل هذه آلهة تاهت؟. أم أن الضوء في هذه اللوحات اختفى؟. أم أن الظل وخفوته هو إشعاعات مقدسة؟. لتشعر كأنك في كهوف الإنسان الأول.
علامات ورموز لها صبغة نحتية ومواد توحي بالرمل والحجر والسيراميك، ولون برتقالي انطباعي يوحي بمادة زنجاريه تتراءى لك صدئة، وكأنه ينسج حضارة فنية تلغي مواد الغواش والأكرليك والزيوت، لأنه يكشف عن جذور معتقدات غاص في أجوائها الخيالية، وكأنه يعيش على كوكب حداثوي يتميز بالغموض، فالرؤية الكهنوتية هي محور أعماله ، فالشكل يكشف عن جسد إنساني قديم اختلط مع فلسفة كونية استحضرها من كواكب لم يتم اكتشافها بعد لكنها انعكاس لوجود الإنسان الأول .
إيحاءات تجسّد أحداثا لم تكتمل حكايتها الأسطورية، فالتحفيز الحركي للتصميم هو انزياح اللاوعي المرئي في لوحات تتميز بأسلوب فني يتكرر في أكثر من لوحة، فالدهشة لم تغادرني والخيال امتد بي إلى أجواء لها مناخاتها المقدسة، لا أنكر أن الخوف استبد بي أحيانا. فهو يعيدك إلى زمن عبادة الأصنام. لكن حين تتغلغل في مقاييسه الهندسية، وداخل كل مشهد أسطوري استحدثه من مواكب مقدسة وأجواء عبادات فرعونية ، ومضامين أسس قبائل شامانية اندثرت وصولاً إلى الساموراي، تجد أنه يحاول رواية قصة الحضارات بلغة فنية تاريخية تعبيرية لها مضمونها الجمالي والتراثي بعيداً عن السائد والمألوف، لأنه يتحكم بالمتلقي فيوائم بينه وبين العمل الفني في ثلاثية مترابطة تدهشك فعلاً.
شخوص تجريدية قدمها بتجدد ودلالية معاصرة تجاوزت الغموض، وتركت الكهوف لتستقر على قماش أو ورق أو سيراميك أو لوحة بصرية سردية تنبض بالماضي والحاضر بل وتتخطى الكون. كأن البداية متعلقة دائما بالنهاية والزمن في تكرار دائم يعيد نفسه كما يعيد هو تكرار اللون الأبيض العاجي في روح لها جمالها الشبحي أو الأثيري، فالهيمنة التراثية ترجمها في حرفية ماهرة تبهر ذوق المتلقي وتدخله في ميثولوجيا فنية لها توزيعاتها اللونية وفراغات تخدم الشكل والحجم والخطوط العامودية وما يتخللها من رموز لها وعيها التشكيلي لتتناسب مع لغة العمل الفني المرتبط بقراءة وجدانية تلامس الفكر وتتركه في حالة دهشة وعزلة تعزز من قيمة عمله في وجدان المتلقي مما جعلني أتساءل أي قدرة خفية يمتلك الإنسان؟.
في لوحات " جان ميشال سولف" ألوان باردة صخرية ومعابد لم يتم اكتشافها بعد تتجاوز المألوف، وترتبط بالمقدسات الميثولوجية للارتقاء بالعقل ولاكتشاف قيمة الحواس في إبراز الوعي الفني القادر على محادثة المتلقي بصمت له أبعاده القادرة على خلق لغة يفهمها البصر كما يفهمها العقل المترجم للانفعالات التي تبرز جماليتها فناً وأدباً.
نقاط قوة ونقاط ضعف تبرز من خلال لون برتقالي ثانوي يكاد يقترب من البرونزي، وهو يمثل قوة الطبيعة الواقعية وضعف الميثولوجيا المتجسدة في فكر تتحكم فيه اعتقادات خرافية بوجود أزمنة لا وجود لها، وقد تتواجد على كواكب أخرى، فاللون الأبيض في لوحات " جان ميشال سولف" تنبعث منه الأطوال الموجية المتنافسة مع الألوان الأخرى، فتتشظى تاركة أبعاداً حركية في حالة انشطارية. ليؤكد أن اختراق الفكر الغيبي هو حالة من اللاوعي يترجمها اللون في العمل الفني، كما يترجمها الخيال من خلال البعد الإيحائي الزمني وفق معايير لها رؤيتها البصرية الجمالية.
تعبير فني خرافي مرتبط برمزية جمالية تجذب الفكر وتربك الحواس. لأنه اعتمد على غموض الشكل وتكرار اللون مع الحفاظ على الانسجام والتناغم، وحتى التعاطف مع القوى الخفية التأثيرية التي تسعى إلى الانصهار والاندماج في موضوع ميثولوجي فني تشكيلي اعتمد التعتيق والألوان الترابية، ليتوسع الخيال ويمتد زمنيا متراجعا نحو الماضي ومتقدما في سباق مع الزمن، فهل هو الوهم الخلاق؟. أم حقيقة حضارية نبني من خلالها التراث الفني بأصوله ومقاييسه وألوانه؟.
يقول كلود ليفي شتراوس في كتابه الأسطورة والمعنى:"إن العقل يكون موجهاً من خلال منطق داخلي كامن في لا شعوره النشط ومن خلال حاجة لإشباع قوانين التماثل والتعارض."
فن تشكيلي جمالي يبتعد عن الجمود التقليدي، ويعتمد على المنطق الميثولوجي الحداثي من خلال عمل تراثي فني تتعدد فيه أنماط الظل، ويتدرج الضوء مما يعكس مفاهيم كهنوتية، كاتدرائية تستخدم الأساطير الدينية كرسم رمزي واسع وحركي، وممتد عبر الألوان. فالخطوط العامودية تشكل اللغز التصاعدي والمتصل بشكل ذهني بالموجات الطولية للون الواحد، وهو الأبيض كحاجز وهمي لا تخترقه الموجات اللونية الأخرى، ولكن دون أن يتخلى عن المفاهيم الكونية المتماسكة التي تجسد علاقة الإنسان بالألوهية والمقدسات التي تتواجد في قواميس ميثولجوجية ما هي إلا اختلاق فني مبدع يضىء على جوانب تراثية مغيبة عن الكثير من الأعمال الفنية العربية.
Doha El Mol