الخلايا اللونية في جسد لوحة تعانق الحياة...

ضحى عبدالرؤوف المل

تستمر الحياة في جزئيات اللون الصغيرة التي تتفاعل مع القماش، كأنها خلايا بشرية حية تسبح في جسد اللوحة التي تعكس الطاقة الكبرى الموجودة في جسد الإنسان، والتي تتشظى وتنتج آلاف الخلايا يوميا. كما تنتج الفرشاة آلاف النقاط الضوئية، وهي ترقص مع همس إيقاعي له حركته الفلسفية القادرة على احتواء الجمال الخلاق، فكل شيء يتناغم في الكون ، ولكن بنظام يبدأ من الولادة وحتى الموت في مراحل تتشكل درامياً، ولها خلايا ذهنية معينة نتلقاها بدقة مميزة ، فهي تعبر بليونة مسارات كونية تلتقطها شبكة العين من سطح اللوحة إلى داخل الحواس التي تتدفق بنبض الحياة كما تنبض الخلية في لوحاتArtist Dalal Farah Bird " دلال فرح بيرد"

لون ضوئي مشرق يتدفق في النفس كإشراقة شمس نهار تبعث الفرح. للحظات قلت في نفسي مستحيل لتلك الخلايا أن تسبب الموت لأحد، فشكلها الأنثوي له محاكاة حوارية تضج بالحركة الناتجة عن احتكاك الألوان أو تناغمها، وكأن الخلية هي الفكرة التي تسبب كل هذا الجمال الجوهري القادر على التعبير ببراعة عن قوة الحياة التي تمنحنا استجابات عصبية لكل لون إبداعي فيها، وهي في كل لوحة تعيد تشكيل ذاتها تجريدياً وانطباعياَ بل فيزيولوجياً ، وبعناية تصويرية تعبيرية فيها الكثير من الحرية التي تمنح البصر راحة قبل أن تزيل رواسب الإحساس بالموت لتتدفق الحياة في الأوردة، ويتحرر العقل من الخوف، ويمتد المشهد إلى القلب ليستريح الخيال بين ثغرات ضوئية تتفاعل مع اللون قبل أن تنقسم إلى أنواع مستقلة كل منها يستجيب للآخر ، فالأحمر تستجيب له خلايا معينة تنتج لوناً آخر، ولكن ضمن نظام فرشاة " دلال فرح بيرد" ..

هذه اللوحات التي رأيتها جعلتني أشعر بقوة الخلية الواحدة التي نتمسك بها، وهي أصغر الأجزاء في الجسم ولها جمالها الخلاق فينا، وتشبه إلكترونات حيوية تنبض حزناً وفرحاً، خيرا وشراً، لكنها تستطيع تحديد الحياة كما استطاعت دلال تحديد خصائص كل لوحة من خلال ابتكار تقني لوني له رؤيته الانشطارية للكتلة الواحدة، التي ترتكز على لون يلامس الألوان بشكل هلامي يتخذ صفة النواة الأساسية لكل لوحة تأخذك نحو ألوان الطيف الشمسي. ليبدأ البصر بالتحليل الحركي ضمن منطق فلسفة اللون الحياتية التي تريد من خلالها دلال تفجير العواطف الداخلية للخارج، وكأنها تقول إن الحياة لها سحرها الجمالي المنعش، وهي التي تدفعنا للتمسك بها أكثر كلما أدركنا عظمة الإبداع الخلاق في تكوينها.

دقة في التعبير اللوني تجعلك تدرك بساطة الكون ومحتوياته الدقيقة التي تتوافق مع إيقاع الحركة وتناغم الشكل والمضمون فينا ، وكأنك تسمع تغريد عصافير في فجر لا يحمل استكبار عظمة نهار ولا موت خلية تحيا في جسد يستمد قوته من روح تنقل أحاسيسها عبر جزئيات دائرية أحادية لها تطورها وتكاثرها. لجسد يكتب بلغة بصرية تتجاوز مادة الأكريليك أو الزيوت التي تتغلغل وتتنفس في عمق المعنى الخليوي القادر على التطور الكرنفالي الذي يتسع ويمتد في مساحات تكتلية لها أنغامها الداخلية الخاصة ، وكأن التنوع الجمالي داخل الإنسان هو كون آخر لكنه يتأثر بنا، وبنوع التفكير الحياتي الذي يجعلنا نكتسب المناعة، لتتماسك الخلية وتواجه أخطار الموت من خلال فرحها، وفعاليتها لتواجه شتى الألوان الخبيثة وتحافظ على ألقها ونضارتها، وكأن الفنانة تحاكي المتأمل لوحاتها بلغة رمزية بيولوجية، وفن تشكيلي له خاماته الفطرية التي تجعلنا نرى اللوحة كتلة واحدة تحت مجهر الفرشاة السردية التي تجمع بتناقضاتها كل عناصر الرؤية الفنية الموحدة، فالمساحات الممتلئة تتمدد وتنكمش تبعا لاستقبال البصر ثغرات الضوء التي تشع بين اللون واللون في دمج فني مميز له خاصية الحياة التي تحافظ على الرؤى الخاصة بكل خلية جسّدتها بإتقان.

لغة حادة لها مزايا الأضطرابات المناعية التي تتحدى الخلل، وترفض البقاء في خمول يتعكس مع الألوان الباردة، والحارة لتبرز مدى المساحة التأملية القادرة على جذب النظر، واستثارة الذهن في صياغة عامودية لها انفتاحها الوردي الشبيه بالأنفجار الكوني أحيانا فالدائرة الخلية لها دلالة الحياة التي حررتها الفنانة في جسد اللوحة الديناميكية ، وكأنها تحول الكتلة إلى شىء حي يخترق المألوف، لكنه موجود لو رأيناه من خلال المجهر..

تقول عائشة عبدالرحمن:"وما من رائد من رواد العلم والفكر والفن، لم يتطلع إلى ما فوق واقعه" فالتحدي الكبير للحياة يخلق رؤية لها محاكاتها الفنية التي تعتمد على فلسفة اللون والحركة المتوازنة بيولوجياً وإيقاعياً ، وكأن كل دائرة لها آداء حركي خاص بها له جماليته وله بهجته الخاصة في النفس. فهي استطاعت جعل اللوحة مشهداً مجهرياً انطباعياً مفتوحاً لرؤية الخلايا التي ترقص ضمن إيقاع اللون الواحد قبل أن يندمج هارمونياً في نشوة بصرية تلتقطها العين وتمتصها النفس ، فتخلو من همومها وسمومها.

حس فني فلسفي له مفردات تشكيلية تستخدم الحركة واللون للتعبير عن الخلية البشرية سواء في الخطوط العامودية أو في الكتل الدائرية التي تستند في اندماجها على حرفية فرشاة أتقنت دلال في السيطرة على حركاتها، وجعلتها تظهر جمالية فن تشكيلي تتضاعف مادته وتترابط جزئياته مع الحركة العشوائية المرنة التي يعجز المجهر عن إظهارها للعين .

انسجام حقيقي مع واقع خلية لها كيانها الخاص الموجود في الأجزاء الحيوية لكل شيء حي موجود في الكون، فنتشابه ونتطوركالخلية التي تمتلك خصائص تعبيرية لها جمالياتها التي لا نستطيع رؤيتها بالعين المجردة ،ولكن نستطيع ذلك من خلال الحس والإدراك الفني مع المحاكة اللونية ذات الخصائص الحركية التي تتميز بها الخلية البشرية في أعمالها الفنية.

Doha El Mol