جدلية الألوان مع الإحجام في الطبيعية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتراءى شفافية الألوان الزاهية في الطبيعة مع تدرجات اللون الأخضر والأصفر، فتندهش الحواس وتختلف قوة التأثر من فرد إلى فرد في كل الفصول تقريباً، حتى في فصل شتاء تولد فيه أزهار حمراء ترسل الدفء لحاسة النظر قبل أن تتغلغل فينا عطراً ومضموناً وشكلاً، فتأثير البيئة على الإنسان ينعكس على شخصيته، فيستقبل الحياة تبعاً للنفس وما تحتويه، وللنظر وما يتكون فيه، إلا أن للريشة استلهاماً طبيعيا خاصاً في اللون والشكل والمضمون، فمحبة الطبيعة وجمالها تساعد على تجاوز الأزمات التي نتعرض لها في الحياة لأن المخيلة الخصبة تستدعي الطبيعة من حولها لتتنفس، وتكتسب وجوداً مختلفاً قادراً على تحدي الصعوبات، وهذا ما فعله الفنان " ميشال هرموش" فهو يرسم عالمه الطبيعي كما يراه بأحجام قياسية توازي المحبة في روحه، فيرصد الألوان الزاهية التي تخلق حوارها الداخلي مع الإنسان في محاكاة بسيطة تجعلنا نتساءل. هل نستمتع بما حولنا من غابات وأزهار؟.هل نعطي أنفسنا ما يكفي من الأوكسجين الضروري النظيف؟ فنجلس في بيئة صحية لنتلون بألوان الطبيعة الخضراء.
في معرض" أشجار" للفنان Michel HARMOUCH" ميشال هرموش" ميشيل هرموش الذي ولد في لبنان عام 1925 وتوفي عام 2021. تتمنى أن تفترش الأرض على بساط من زهور ملونة وتشرب كأس ماء يجعل من كل شىء حي حولك، فتتمايل طرباً مع موسيقى اللون الرومانسية ، ومع حجم الكتلة بالنسبة للضوء وللعين، فعلاقة الإنسان مع الطبيعة علاقة جدلية قائمة، ولن تنتهي حتى قيام الساعة.
لوحات جمالية تخلق عالماً ذاتياً يرنو النظر إليه كي يكتمل دوره الأساسي، وهو استقطاب الإنسان للعيش فيه، فيتجاوز القساوة العصرية التي وصلنا إليها في أسلوب زيتي يصحح رؤية الإنسان ، أو مخملي الجوهر وتكاملي المنظر، فهو يتوحد مع النباتات والزهور وجذوع الأشجار ، وكأنه يشعر بالاغتراب في عالم الإنسان، فيلجأ إلى داخل لوحاته ويجلس في ظلال رسوماته باحثاً عن الشمس والهواء هارباً من الأبنية واكتظاظ سكانها، فهو يعكس الضوء والظل على عالم النبات، وكأنه يصفي البيئة من الشوائب والتلوثات الأخرى خاصة البصرية، تاركا للتربة لوناً يميل إلى الخضرة الربيعية، ليعطيها صفة الحياة المعطاءة التي تضخ الهواء الأساسي للحياة، وكأنه يعمل بستاني في تنسيق الحدائق داخل اللوحات، لكنها حدائق من خطوط وألوان متناغمة جماليا ، لأنها تتخطى بقيمتها وجود الإنسان.
تلعب الإضاءة في لوحاته دوراً مهما، فهو يختار الفواتح من الألوان بحيث ينعكس الظل على سطح اللوحة. كأنه سراب واحات صحراوية تظهر من بعيد لتتألق حسياً ، وفقا لذائقة بصرية تتماسك فيها الحواس مع الكثافة لجذوع الشجر أو لزهور أخرى، فالمنظور الجمالي في الطبيعة يختلف عن المنظور الفني من حيث الضوء واللون والأشكال والحجم والأسلوب، فالضوء الساقط على لون معين يعكس بريقه على ألوان أخرى، ليسطع سطح اللوح بمزيج يحتضن الأحاسيس التي تولد في داخلك وأنت مستمتع بهذا الشغف الغريب في كيميائية الألوان داخل لوحاته الممتلئة باللون الأخضر، وتدرجاته المأخوذة من طبيعة ذاتية يحياها. تجعلنا نتنفس الأوكسجين المتوهج من أنفاس كل ورقة خضراء صغيرة أو كبيرة. فنغوص في عمق تناقضاته التي يصعب كشف أسرارها إلا أن مساحة اللوحة تداعب العين وتدغدغ العواطف بأحجامها الكبيرة والصغيرة والخلفية التي تجعل المنظور يتساوى بأبعاده.
رونق حياتي متألق بشكل زخرفي و هندسي، وبيئياً مع خطوط لها امتداد عامودي مفتوح لا حدود لها بصرياً ، فهو يظهر عمر شجرة خضراء زاهية كما يظهر جذع شجرة بلون مركب له وجوده وشفافيته، وكأنه يرمز لبنيان المرأة الثابت في الحياة، ليحاكي الوجودالأنثوي في خلق حواره الخاص مع الشجرة الأم بأسلوبه الفني الطبيعي الصاخب هندسياً والمختلف بإحجامه ، ً فهو يمد المساحات الخضراء في خصوصية تتماوج معها الحركة واللون، ليمنح البصر قوة الثبات فيبحر داخل الحواس ، ويجعلها تنتعش وتعزف مع غاباته لحن الأم والحياة التي تمحو البغضاء والكراهية في لمسة يصوغ منها أزهاره وأوراقه، فيجعل من الطبيعة أساس وجوده وألهامه فنياً! حسيا وحياتيا، فاللوحة مكانه المفضل الذي يلجأ إليه لنكتشف معه جاذبية اللون الأخضر والأصفر والبني...
محاكاة نفسية عبر الطبيعة ، من خلال مساحات لونية تختلف وتتناقض مع مناظر خلابة تسحر العين . للحظات أحسست أن لوحات " ميشال هرموش" هي حدائق معلقة تعيد الحياة للأماكن المغلقة. أمكنة رغم عظمتها الهندسية في البناء إلا أنها تحتاج للحياة الموجودة في لوحات " ميشال هرموش" كما يحتاج هو لشجرة كبيرة يفتقدها، وهي الأم التي فقد ظلها، وهذا ما نلمسه في جذوع الأشجار الكبيرة البنية اللون والمتصلة بالسماء..
ذائقة لونية طبيعية أحببتها، ومشاهد تميزت بالألق والفن الممتع والمبهج في تقنية تميزت بقياسات مختلفة وعوالم عميقة اللون والحركة في نظرة طبيعية رومانسية لها مفردات شاعرية وموسيقية تجعل من النبات عالماً له حضوره الوجودي والجمالي الذي يجعلنا نرتقي فنيا أدبياً وثقافياً، فنحاكي بعدها كل شيء حي في الكون.
Doha El Mol