صرخة تزلزل " جدران هشة"...
ضحى عبدالرؤوف المل
تتبلور الأفكار الاجتماعية وتتطور مع كل عصر تبعاً للتتغيرات وللعوامل التي تؤدي إلى أحداث سياسية، نتأثر بها فنياً وترافقنا في كل رؤية بدأت من الثورات وحتى القيم الجمالية الطبيعية. إلا أن التزام الفنان" محمد مراد العبيدي" بخاماته من معدن البرونز وغيره عكست الأثر الدرامي لرؤياه، ولتعبير جعله يترك المفردة بين أنامله، لتتحرر بين الكتلة والفراغ ، والظل والضوء كي تكتمل الصورة الذهنية عند المتلقي ويحقق مقاييس جمالية في أفق فن يعتمد على امتلاك رؤية تعبيرية تجعلنا نقرأ كل عمل كنص أدبي، تنطق به كل منحوتة تكونت من معدن، لتمد أفق البصر نحو الإبداع، وتملأ الحواس نشوة وفلسفة جمالية من خلال أنماط تشكيلية مختلفة تجسد عمق عواطفه الوطنية والنضالية التي استطاع تطويعها من خلال صرخة تشقق منها البرونز، ليظهر قدرات الحركة مع تماسك المادة وتناغمها بين الشكل والحجم والضوء، مع التفاصيل التعبيرية الدقيقة من قهر مسيطر على واقع اجتماعي يعاني الظلم والاستبداد، لتتوهج عواطفنا بكل أبعادها الانفعالية بذلك يحافظ " محمد العبيدي" على أصالته العراقية التي تتطلع إلى إنهاء أزمة وطن امتلأ بجدران هشة.
حوارات صامتة ذات حركة وحيوية لجدار منحه لغة حياة تحاكي الحاسة البصرية، وتخترق الذهن بحرفية ضوئية ذات تقنية تعبيرية منحت المادة النحتية ليونة وحركية شاعرية، وكأنها تقطف لحظة زمنية واقعية تسكن في الذاكرة وتعيد أحداث لا يستطيع محمد نسيانها لأنها في مخزون الطاقة الداخلي الذي يترجم كل خط ينشأ داخل المادة الصلبة.
يقول "محمد مراد العبيدي": " عندما أسير في شوارع بغداد أرى هذه الجدران اصطفت في الشوارع، وكأنها أخذت أماكن الناس، فتبدأ الذكريات تدور في رأسي في كل مكان أسير فيه لأرى خلف كل جدار ذكرى عن موضوع ما، أو حدث ما، فتراني أرى ذلك الموضوع أو تلك القصة وكان الجدار يتكلم ويذكرني بذكريات قديمة، من هنا ولدت فكرة جدران هشة لتجسيد تلك القصص والذكريات لتبقى في أعمالي كموضوع آلمني عن جدران ملأت الشوارع وقطعت أوصال بغداد، ولكنها هشة مهما بلغت من قوة."
إيقاع جمالي متشابه يربط المنحوتات في سمفونية واحدة. عنوانها ألم الغربة والوطن وأشلاء تجمع بتفاوتها أركان جسد ارتبط مع منحوتة الأرض والخوف، وكأن الجذع اليابس ديناصور نباتي يأكل الأخضر واليابس، ويشتعل بلونه الأحمر لتتأجج العاطفة التي تجعلنا نعيد بناء الحياة، وفق منظور ايديلوجي معرفي يقوم على التصور الحقيقي لكل رؤية قدمها لنا العبيدي كبطاقة دخول إلى عالمه النحتي، أو عالمه ذو الأضلاع الثلاثية دامجاً القديم مع الحديث متأثراً بأزمة وطن تمزق، تاركاً الارتباطات الإنسانية في لوحة عشتار متحررة بين خطوط الطول والعرض وفق مقاييس متساوية في الزوايا، وكأنها قصة الحياة التاريخية التي تربط الماضي والحاضر مع نظرية المثلث النحتي كمنتج إنساني تحرر من جميع القيود، وتمسك بالأسس الجمالية التي وضعها في منحوتة " المرأة ، الأرض، فراغ انتظار" وفي كل لوحة حملت فلسفة جدار هش عكس صورة "رجل الظل"
يقول الدكتور محمد مندور:" الأثر الفني تعبير وخلق وإدراك، وهو حصيلة اتحاد ذات الفنان بالعالم الخارجي والباطني معا، وإنه، آخر الأمر، تعبير عما يوحد بالقوة أو بالفعل في نفوس غير الثاني."
واقعية تجريدية وانطباعية أعطاها مبدأ الحركة الديناميكية متأثراً بالزوايا الهندسية، والأبعاد الثلاثية تاركاً الضوء ينعكس على تفاصيل المنحوتة بشكل هرمي تراه العين وفق قياسات دقيقة جدا مانحاً كل خط في امتداده الحر أن يتشكل مع البرونز، وكأنه مادة مليئة بالحياة، ليقطف البصر روح عاطفة متدفقة سكبها في قوالب واقع جعله في ثلاثية خطوط تصاعدية لروح مهمشة سكنت الجسد الذي تقطع وتحول إلى أشلاء. لكنه بقي واقفاً ثابتا في بنائية حركية لخطوط ترك عليها ملمسه العاطفي، فأعطاها من ذاته قوة وجعلها كقصيدة ملحمية تروي تهجير شعب لا يمكن فصل ذاته عن فنه، ولا عن المؤثرات الاجتماعية التي أعطاها" محمدالعبيدي" دلالات قوة البرونز وتأثيره رافضاً إنكار الذات في العمل الفني، فقد أوحى في رجل وجدار إلى انعكاسات المفاهيم الإعلامية التي تبدأ من الظل وتنتهي بالظهور الضوئي تاركاً العتمة مقيدة في بؤرة تروي مأساة الأعلام المسيطر عليه عسكرياً من خلال رؤى نحتية تحاكي الواقع وتتجرد منه حسياً، بل وملتصقة به رغم انفصال الجزء عن الكل في رمزية النصف السفلي التي تركها تحاورنا، كأنه ذكرنا بمقولة التجريد يسبق الواقع، فالنصف السفلي قدم نموذج إنساني اختزالي لم بمحو تفاصيل إنسان قوامه الروح ولو تهشم الجسد.
إن انبثاق اللحظة الجمالية مع نشوء الروح وتداخلها في الجسد لتوليد حركة تعبيرية تبدأ من صرخة وليد في الحياة ولا تنتهي عند صرخة استقرت في اللاوعي البصري عند المتلقي، ليشعر بقساوة وطراوة الحياة وكأنه يفتح أبواب الأساطير التاريخية في الأعمال التراثية لبلاد ما بين النهرين في قولبة هندسية تخلق جدليات ما زالت قائمة بين الماضي والحاضر والمحيط الاجتماعي الموجود بدءا من الكرسي ونصف الإنسان السفلي، وصولا إلى الرمز والأسطورة وفق منظور تعبيري يعتمد على القوة تحت عنو ان "جدران هشة"
قدم العبيدي فلسفته في التكوين الداخلي من خلال انزياح الدلالات وجعل بنية العمل مفتوحة على التأويل في إنتاج المعنى المتعدد أو المعنى المضاعف كما يسميه (امبيرتو ايكو) ومن وعي حيوي نحت من خلاله مفاهيمه التعبيرية في ابتكار شكل إنساني يلتحم مع المادة، فتتبلور ملامح المنحوتة لتتفاعل مع الواقع وتحقق استقامة خطوط منحها الرشاقة والتوازن، وكأنه يرمز لروح نضالية لا تستسلم لقساوة الواقع بل تتخطاه في تحقيق الحلم ومنح لغة الجدار شعار الحرية الفن والجمال..
عناوين لمنحوتات ذات مفتاح واحد هو تأمل القوة في ليونة المادة الصلبة ومنحها الحياة لنتحاور معها في عبر الملامح والخطوط والنحت البارزفي لوحات كجداريات مصغرة تتكلم لغة قادرة على مقاومة الزمن وخلق فضاءات واسعة تعطي المنحوتة بعداً فراغيا استطاع الاستفادة منه في إكمال المعنى لعمل فني ملحمي يروي قصة الإنسان في وطن يخفي كل ثقافة بناءة خلف جدار هش مسكون بهواجس الخوف من المستقبل.
Doha El Mol