كينونة ربيعية داخل ايقاعات ضوئية .....

ضحى عبدالرؤوف المل

تثير ألوان الطبيعة المشاعر العميقة للإنسان، فيشعر بالارتياح الداخلي المنسجم مع الطبيعة الخارجية، وعلاقتها بالقيم الجمالية المميزة. فهي تشبه الإنسان من حيث الشكل الخارجي بخريفها وربيعها، وخصائص المضمون المرتبطة باللون والأحاسيس، وامتلاكها سرعة التأثر والتأثير من حرارة وبرودة، وجمال وقبح . لتبدأ عناصر الإبداع في الفن التشكيلي تظهر على الفنان بشتى الأنواع من المدارس التشكيلية التي نعرفها وصولا إلى المدرسة الحديثة. إلا أن الفنان المميز يستطيع خلق عمله الفني المؤلف من رؤية لها قدرة الطبيعة على المزج الخلاق للألوان الربيعية، أو الخريفية، أو الصيفية والشتائية، كالأرض في فصل الربيع حين تبدأ بعلاقة متينة مع الإنسان والطبيعة في تآلف بصري وسمعي، وما إلى ذلك من حسي وإدراكي أيضاً.

امتزاج لوني بصري نلحظه في أعمال Charbel Samuel Aoun " شربل سامويل عون" من خلال التشابك المتين في الخطوط التي تشكل أنسجة تحافظ على العلاقة المتبادلة بين الفنان واللوحة، كأنه يتوحد في عزلة شديدة غير مباشرة. تتوازن فيها حقائق جيولوجية مختلفة مختزنة في ذاكرته البصرية المتناغمة والمتناسقة ذاتياً. ففي دواخله تنمو علاقة تجعله يتصارع مع ريشته الزاخرة بألوان الفصول الحياتية التي تجعلنا نفتش في عمق اللوحة عن أنفسنا، لأنه يجعلنا نشعر أننا داخل اللوحة في عالم هو جزء منا، لكننا قد نرفضه أو نقبل به، فنتصارع أيضاً مع أنفسنا لنتساءل هل هذه الألوان نسيج من رؤيته المصغرة للجنة؟ أم هذه تراجيديا ملحمية تشبه صراع الأنسان الأزلي مع الكائنات الأخرى؟

ترابط حركي مع الضوء امتد مع المساحة من جميع الجهات، وتوازن متحرر من حيث الشكل والمضمون، والترتيبات التأثيرية التي نظمها ووضعها ضمن إطار ربيعي كساه بالفرح والسرور، ومزجه مع الألوان الباردة والحارة لكسر قيود القوانين الواقعية المتعبة ، وكأننا في الطبيعة البكر داخل مدرسة تأثيرية حديثة، قبل أن تتشكل عليها الحياة الإنسانية الأولى وقبل أن يلوثها الإنسان بيئيا، لنتحول إيكولوجياً فجأة في لوحة أخرى إلى خريف يبكي الحرارة والاعتداء وكأنه يدخل باطن الأرض ويلتقط الجذور كي يستيقظ الوعي الفني ويعيد الطبيعة لجمالها.

استحوذت اللغة الإيقاعية الحياتية على أسلوبه، لكنه تنوع جمالي في تفاوت بصري له نفوذه على المتأمل لوحات "شربل عون " فالأشكال الفطرية التي تمتد تبرز الأناقة الحركية للخطوط الشفافة والدقيقة، وكأنه يرحل نحو كونية لا نهائية تتخطى حدود اللوحة التعبيرية حركياً، والتكوينية خيالياً، والتأثيرية لونياً، والانطباعية حبكة وتوحداً ، فالتوهج الساطع ينساب كموجات فضائية لنظام شمسي له ألوانه المحورية الخاصة به.

تضاد مرجاني أو زمردي أو حتى فيروزي، وضعه ضمن نسيج عميق له انفعالاته الغامضة داخل عوالم الذات الرافضة للضغوطات الحياتية التي نتعرض لها من داخل البيئة وخارجها، كالحروب والموت، والثورات والزلازل، والفيضانات والبراكين ، وما إلى ذلك من العناصر الطبيعية التي تشبهنا في الحرب والسلام، فكل لوحة من لوحات شربل تصرخ أين الربيع العربي؟.وأين الخريف المعافى من الموت والأشلاء؟ وأين الصيف بألوانه المائية؟.فالثورة النفسية الداخلية التي تأثرت بها فرشاته تركت لغة الحروب، وفتشت عن الطبيعة البكر قبل نشأة الإنسان الذي يذلل الطبيعة لأهوائه، ويسلبها قدرة الحفاظ على جمالها المتبقي والخاضع لقدرتها على التغيير الفصولي.

فلسفة موسيقية ملحمية حملت مضمون العلاقة بين الإنسان والطبيعة في جدلية أطلق لها العنان، ووضعها ضمن لوحات نضرة مخضرة أحيانا ، وصفراء باهتة تشن حروبها في دواخلنا مرة أخرى، وأبعاد تقنية زيتية يتغلغل الضوء داخل جزئياتها، فيزيدها جمالا ومتعة بصرية يمحو من خلالها المآسي الإنسانية التي تقضي على جمال الكون وتسبب التصحر والتغيير الجغرافي والثورات الكامنة في النفوس البشرية التي تشبه الطبيعة التي تلتصق بالإنسان وتتفاعل معه بيولوجيا في نمو متماسك ومتناسق بشكل فني.

استطاع "شربل سامويل عون" توظيف الفن التشكيلي ليعلن عن ثورته التي عبر عنها بالنسيج اللوني مع خطوط دقيقة كشعيرات تشبه خطوط البرق والرعد أو الانفجار الكوني الكبير الذي يعيد الأرض، لفطرتها الأولى لنتساءل معه من أين تأتي كل هذه الفوضى الاجتماعية؟.وهل هي عشوائية تدميرية أم أنها بنائية خلاقة ستعيد الحياة الاجتماعية التي نحلم بها إلى وضعها الطبيعي والفطري المشابه للطبيعة الأم. فالجمع بين العناصر الفنية عند شربل جعل من اللوحة كتلة فصلية لكوكب واحد مختلف بالرؤية لكن يشبه الإنسان زمانيا ومكانياً.

تقول الفنانة كلود عبيد" هكذا تظهر قوة الفن وأهميته في إغناء الإنسان بمعارف متميزة، خاصة وعامة من عالم الذاتي والموضوعي، وفي عملية فلسفية وجمالية بنفس الوقت، وقد أصبح الفنان الأصيل المبدع هو وحده القادر على تشكيل المادة وفق استيعاب كامل للواقع الاجتماعي، منطلقاً ليس من اهتماماته الفردية الخاصة والملحة فحسب، بل من أجل غاية أسمى. وإن هذا الوحي الموجه إلى خدمة الإنسان، هي أهم ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية."

ولفهم أعمال شربل عون وفلسفتها لا بد من أن نتأمل لوحاته بعمق، ونفهم رسالته الحياتية التي يحملها من خلال الظواهر الطبيعية التي أتقن رسمها، وكبح جماح رغبته في إظهار انفعالات نزواته التشكيلية، ليترك اللوحة على فطرتها الأولى والفصول الجميلة تعكس أزمة اجتماعية نعاني منها سياسياً وأدبياً وثقافياً بشكل عام، فالحوار العام في أعماله اعتمد على فكرة عودة الربيع المفقود من كل شيء حولنا.

Doha El Mol