فسفورية الألوان بين خطوط طفولية...
ضحى عبدالرؤوف المل
تمنح "كارولين صاليبا" Artist Caroline Salibaرؤيتها الفنية فلسفة تأملية، تجذب الناظر إليها وتضعه داخل لوحاتها التي تضج بالحياة في بساطة تقنية تعيد صياغة فكرة تأملية داخل رحم اللوحة الدائرية، لتترك النقطة سابحة في مجال رؤية العين التي توحد العلاقة بين قو ة الطاقة الكونية الموجودة داخل كل منا وبين الخطوط العشوائية الشفافة، لتحاكي ألوانها تلقائية الضوء وتناغمه مع الألوان الأخرى.
يقول أوشو:" إن الفرد ليس جسداً أو روحاً، إنه توحيد للاثنين معا لذلك أي شيء يعتمد على واحد منهما بمفرده يكون ناقصاً" ..وهذه معادلة الحياة البشرية القابلة للتناغم، وللإدراك الحسي، فالتعبير الفني تختلف انفعالاته اللونية التي ترتبط بنفس الفنان، وفكره ومفاهيمه الحياتية. بل ومخزونه الثقافي والمعرفي التي تظهر في أعماله ، وكأنها تدرجات عمرية تزداد معها لغته الرمزية أو الانطباعية أو التأثيرية. ولكن دائما هناك نسيج فني يتشابك ويحوله الفنان إلى نشاط إبداعي يستقر في الوعي الذهني، ونراه كما نرى المكيس ميديا الفنية، التي تعتمد على خصوصية تقنية مختلطة بين الحداثة الرقمية التي يؤلفها الفنان كنوتة موسيقية تتوالف معها الحواس، ثم يجعلها مرئية لتستقبلها الألياف البصرية وتسر الناظر إليها لبهجة ألوانها، فكارولين أظهرت في معرضها "دورة الحياة" الأداء المتسق الخلاق لإبراز جمالية اللون وحركته التي تبرز الشحنات التعبيرية، فبساطة الموضوع، وبساطة الفكرة تركت " كارولين" في دائرية كونية تبحث فيه عن أسرار الولادة والموت، والحياة التي أحاطاتها بموتيفات صارخة مع اللون الأصفر، لتحمل قضية ذات أبعاد صوفية تأملية تمنحنا التكامل والانفصال...
حين دخلت معرضها أحسست بفلسفة حياتية عميقة، وكأنها توزع ابتسامتها على كل لوحة دائرية ساكنة ذات تأثير جمالي تجعلك داخل فنتازيا غريبة الأطوار، وتمنحك نشوة الحياة التي نفتقدها في ضجيج عصر امتلأ بالمتاعب، فتشعر بالهدوء والسكينة وتفرض عليك الجلوس في أجواء تأملية، لترحل خارج الكون وأنت تنظر إلى خربشات خطوط طفولية لا نهاية لها، وكأننا نسبح في أفق الخيال إلى ما لا نهاية.
تقول كلود عبيد:" متعة التذوق بنفسها هي عملية ابتداع بهذا المعنى، حتى في أن نتمتع بالطبيعة كعالم، لكن هناك ضروباً من الابتداع مجهولة هي التي نحار في تعليلها . كفرحنا لرؤية زهرة أو صورة جميلة، وكذلك بعض الوجوه، فلو كان الأمر في تطبيق المقاييس فحسب لما تساءل أحدنا في نفسه:ترى ما الذي يجعلني شغوفاً بهذا المنظر أو ذلك الوجه." وهذا تماما ما حدث لي في معرض "كارولين صليبا " تساءلت ما سر لونها الأصفر؟. الذي جذبني إلى الداخل وجعلني في ذهن اللوحة، وكأنها نافذة خروج من العالم تمنحك الفرح الداخلي رغما عنك...
حقيقة حاولت بعدها أن أكتب مقالي، وكلما وضعت ورقتي البيضاء أمامي تساءلت ما هذه الميكس ميديا ؟. ولماذا هذه التسمية التي تجعلك في اختلاطات فكرية مفتوحة زمنياً، فأهرب من الورقة لأتأمل صور لوحاتها البسيطة جدا والمعقدة في آن واحد، فرغم بساطة الخربشات إلا أنها تجعلك تمسك بالقلم، وتبدأ بخربشاتك الذاتية والدائرية التي لا تنتهي ، فتشعر براحة تكمن في تصحيح مسار رؤية نحتار بها ونخاف منها، لكنها تتضح وتجعلك تعيش الطفولة الموجودة في أعماق الروح وفطرتها النقية.
فن يشبه مراحل رحلة النطفة داخل الرحم "وفيك انطوى العالم الأكبر" فالحوار مع كل لوحة يعيد لك النقاء الفطري والكوني لأنها تحمل قدرة ألوان زاهية تثير الانفعالات وتهذبها بشكل "ديالكتيكي" فتتبلور المفردة نافضة عنها كل لون اندمجت فيه لتبدأ عملية الولادة وهي المحور الأساسي في معرض "كارولين" ...
ألوان مثقلة بحركة خطوط عشوائية دقيقة. يظهر منها الشكل في إيحاء توتري يتأجج بالموسيقى التي تعكس حالتك النفسية، وتمنحك قوة تعبيرية في مساحات مسطحة مبسوطة أمامك لتختار المؤثرات التي تحبها، فترقص حواسك مع الفراشة في ديناميكية الميكس ميديا التي تضج بالحياة، فتشعر بالاسترخاء وتخرج من معرض "كارولين صاليبا" في حالة سكون متناهٍ.
يقول أوشو:" لا يمكن أن نعي الحياة إلا عبر حالة اللا عقل..تلك ماهية التأمل: أن تضع العقل جانبا، كائن صامت لا وجود حتى لكلمة تدور في الذهن، لا حركة الكل خواء ساكن.."
فهل سنستطيع منح أطفالنا في المدارس فترة تأملية يتذوق الطفل فيها نعمة اللون أو جمال الطبيعة التي تترك الذهن صافيا وتعيده إلى فطرته الأولى كلما امتلأ بالشوائب؟..
وفي حوارخاص معها لجريدة اللواء
لأن الهدف إنساني مجرد ارسم مع الألوان بحرية مطلقة
تتحرر الألوان من حدودها البصرية ضمن إيقاعات داخلية تنبض بالحياة في أعمال الفنانة التشكيلية " كارولين صليبا" فهي تعزف بريشتها على كل لون ليتلاشى بلا حدود مع الحركة الراقصة في لوحات زاخرة جماليا بالمعنى الوجودي للكون، وكينونة الشكل الإيحائي لتجريد يروي الحكايات الإنسانية ، فالسنوغرافيا في لوحاتها توازن البصر، وتترك الذهن في حالة تامل عميقة ومن خلال مشاركتها في معرض جمعية الفنانين اللبنانين للرسم والنحت الذي اقيم في" الاونيسكو " ومن ثم في " بيت الفن طرابلس " الميناء كان هذا الحوار مع الفنانة " كارولين صليبا"
- تختلف الألوان التعبيرية في لوحاتك إلا أنها متأثرة بأسلوب الفنان وجيه نحلة لماذا؟
يمتلك أستاذ " وجيه نحلة " رؤية بعيدة. كما أن وجدانيته في اللون محببة إلى النفس وخبرته في مزج اللون مميزة ، ولها بصمة الفنان " وجيه نخلة" فقط، فلا أحد يزاحمه عليها. أشعر أنه يمتلك قدرات بلا حدود وقادر على تخطي الزمن. لهذا أتأثر به جدا أو متأثرة به جدا من أعماقي، وأرى نفسي نقطة في بحره الفني الجميل
- ألوان صاخبة ترقص على معاني الحياة وفلسفة أوشاوية هل هذا إيقاع من موسيقى أوشو والتأمل الحركي في الكون؟
صحيح...أنا التقط كثيرا الأشياء الصغيرة من الهواء من الإنسان من كل الكائنات من حولي، فالإنسان في كل لحظة يحيا الجمال، وكل لحظة من الحياة لها إحساسها الخاص بكل تفاصيلها الجمالية ، عندما أرسم أشعر بكل ما حولي، ومن أعماقي وحين أترجم أحاسيس على القماش. أقسّم شغلي تبعا لهذا الإحساس. أحب الرفاهية التي أعيش فيها ، لأن الحياة والكون يتميز لكل منهما إحساس ما ، فعصرنا السريع يترك البعض بلا رؤية ونحن نفقد أحاسيسنا بسبب السرعة والعولمة المفتوحة على تقنيات تسلب منها الطاقات، وقديما هذه الطاقات كانت مجموعة أما الآن الطاقات تتلاشى.
- مشاركات تشكيلية في معارض مختلفة أين كارولين صليبا في كل هذا؟
أحب المشاركة جدا ، وأتقبل أي فنان كل من يرسم أقدره، ولكن أيضا عندما أعرض مع رواد الفن أشعر أني أنا ، وكأني أقاوم ذاتي لأني أدرك أين أنا، وفي أي خط موجودة، والمشاركة مع رواد الفن تمنحني خطوة هامة في حياتي الفنية . أتقبل أي أحد بالمشاركات ولا أهتم بالأمور الأخرى من غيرة أو تنافس غير بناء أو إيجابي. لأن كل فرد يمتلك نظرته الخاصة.
- ماذا أضافت الخبرات السابقة لفن أنثوي حياتي آت مستقبلا؟
نظرتي منذ الطفولة بإنسانيتي أولا بمعنى لا أميز نفسي كذكر أو أنثى ، فالإنسان هو الإنسان أولا.. وتفاعلاته بالجمال هي من مبدأ إنسانيته أولا. عندي ثورة إنسانية وهذا المبدأ الذي انطلق منه وبعدها الذكر والأنثى أو الأنثوي كما تقولين ، فالإنسان المجرد هو الهدف لتعبيري عن الرسم لا أرسم امرأة أو رجل لأن الإنسان بأحاسيسه والأحاسيس منبعها واحد مهما اختلفت بمعانيها. منذ طفولتي ثورتي تتفجر رغم هدوئي الخارجي، وهذا يجعلني أتأثر بمن حولي . لأن الهدف إنساني مجرّد وأنا أرسم مع الألوان بحرية مطلقة. لأننا أبناء الطبيعة ولا يوجد شيء من لا شيء . كما أني دقيقة نوعا ما في مفاهيمي.
- كارولين صليبا والصعود في الفن التشكيلي ألا يخيفك هذا؟ وهل هذا مخطط له فنيا أم تتركين لنفسك العفوية في هذا؟
- لا يصح إلا الصحيح، والشخبطات الفنية لا تدوم، فحين ننظر إلى اللوحات المتقنة بعمق تدخل إلى الأعماق، وهذا يستقر في الدماغ كحقيقة تظهر من خلالها قيمة الأشياء، والإنسان يستطيع التقييم عندما يصل لهدف عميق.
- الفن المعاصر يتطلب ثورة فنية وانقلابات على المقاييس هل تؤمنين بهذا؟
لا ..اترك لنفسي عفويتها اتبع إحساسي دائما وأتساءل بيني وبين نفسي دائما . هذا هو الفن التشكيلي هو تعبير عن كل ما حولي، وعندما أرسم لا أكوّن فكرة مسبقة أضع الأسود مثلا ليخرج كما هو، وليتفاعل مع لون ثان ينبع من داخلي. لأن التعبير النفسي هو الأقوى، وهذا هو الهدف. البعض يرسم لينفذ ما يراه وليس بالخطأ هذا النوع من الرسم ، ولكن أنا أترك لنفسي تعبيراتها بحرية تامة ، وهذا أنا بلا قيود ولا حدود فاصلة بيني وبين اللوحة. أثق بما امتلك من نظرة فنية ولا أتوقع نتائج الرؤية لفني أقصد من نقد أو إعلام وما إلى ذلك ، وأنا أمنح ذاتي للفن من خلال لوحاتي وهذا هو الهدف ولا أعرف النتيجة.
- سمفونيات إيقاعية ترتبط بحركة اللون ودورانه هل هذا ما يميز لوحات كارولين صليبا؟
لا أستطيع أن أميز أعمالي الناس هي من تقيم هذا الموضوع أما حركة اللون هي التقلب وأنا متقلبة، وهي بحد ذاتها الحركة الكونية التي أحب التغلغل فيها البحر والتراب والهواء والماء كل عناصر الحياة هي عبارة عن ألوان لا أضع لها الحدود أسبح بلا نهائية هارمونية . لا شيء مستحيل مع اللون كل ما يمتزج بحرية وبلا حدود هو متناسق ومتناغم.
- إحساس روحي عميق في فلسفته لو أعطيتك ورقة بيضاء الآن ماذا ترسمين عليها؟
بين يدي الآن ورقة بيضاء ارسم عليها أشعر كأني سأدخل في الكرة الأرضية حيث الأسرار العميقة التي لا تراها. أبحث عن الكنز الحقيقي في الكون ، فأنا أحب الحلم. لأن لا حياة بلا حلم إذا تطلعنا إلى صخرة بعمق نرى فيها جوف الأرض لو نظرنا إلى جذع الشجرة نحتاج إلى مجهر لنرى التكوينات الحقيقة ذات الجمال
- لوحات فنية تمثل حكاية الحياة كما أنها احيانا كونية في تطلعاتها إلى ماذا تتطلعين مستقبلا؟
لأنني أعيش اللحظة بصدق مع نفسي، ولا أنظر إلى لوحة سابقة من لوحاتي، ولا أكرر نفسي، فالإنسان يتعلق بلحظة جميلة عالقة في ذاكرته. أحب البحث عن الجديد، ولا أحب العودة إلى الوراء. أحب اكتشاف المستقبل بلحظاته الحاضرة. لكن لا أستطيع رؤية المستقبل، واترك لنفسي اللحظة التي أعشها الآن وامتلك الإحساس القوي بالتفكير الإيجابي، وأنا أهدف إلى الإيجابي لتطوير نفسي أكثر وأكثر .
- ماذا تعني هذه الأسماء للفنانة كارولين صليبا؟
- الفنان وجيه نحلة
عبقري الفن وأفتخر فيه لانه لبناني وعالمي
- الفنان حسن جوني
فنان عظيم يشعرني بطفولية حركة الريشة التي يمتلكها أشعر بالبراءة في لوحاته فهو يحافظ على الأحاسيس الوجدانية التي نشعر بها
- الفنان ميشال روحانا
المائية الشفافة التي يمتلكها في الفن تجعلني ارفع القبعة له احتراما لفنه وهو الأول بالالوان المائية.
Doha El Mol