شخصية غريبة الأطوار شكلا ولوناً

ضحى عبدالرؤوف المل

تتراكم شحنات الألوان داخل أروقة لوحات رسمها " همام السيد " بتقنية الغرافيك، وكأنه يبحث عن الأنا في كل بورتريه يحمل غنائية خطوط في الشكل الممزوج بمتعة بصرية. ليكون شخصيات شبيهة بالكرتونية أو الكاريكاتورية، بطريقة متشابهة نمطياً وتعتمد على قوة الملاحظة، ليخلق فينا الالتزام باستكشاف فوارق تعبيرية تندفع داخل الحواس. لندرك حركية ما يريد إظهاره، في خصوصية أسلوب يتفرد به حسياً وانطباعيا، مما يعكس ضوء الألوان الزيتية الصاخبة والمتداخلة مع الخلفية التي تضج بأحداث صامتة مصاحبة للوجه وتعبيراته ( فرح، حزن، خوف، رقة، تشاؤم، تفاؤل) فيجعلك تتساءل هل هذه الوجوه هي لشعب واحد له معاناته المختلفة؟.

سماكة وصلابة لا تخلو من تكثيف وجودي، وكأن اللوحة مساحة أرضية يقف عليها همام فتزداد المؤثرات البصرية عند المتلقي مما يدفعه للتجول في المعرض لكي يكتشف المزيد لهذه الشخصية الواحدة شكلاً والمختلفة تعبيراً، وكأن البطل في اللوحات كلها واحد لكن تختلف المشاهد الحركية في أسلوبيتها لأنه يتمرد على الخط، ويتحرر من السرد اللوني تاركا للخلفية الغامضة أبعادها الزمنية، وكأنها ضباب يلف المكان. ليصبح إدراك العمل الفني هو عبثية طفولية تخفي تحت ظلالها وعياً فنياً، يجعلنا نتفاعل مع مخيلة تبحث عن أشكال حسية جمالية تخلق وتبتكر، وتمتلك قيم فنية تعتمد على الغرافيك من خلال رؤية معاصرة ترتبط بالمضمون ليحدث ثورة عارمة قبل أن ينطلق من " دمشق إلى بيروت" في معرضه الفردي.

شكّل فني واحد لبناء شخصية غريبة الأطوار أو بورتريه هو ثمرة نشاط ابداعي صممه، ليتناسب مع الخطوط والمساحات في بناء مرئي يساعد على وضوح الرؤية وقوة الحضور مع خلق حوار داخل المتلقي مستخدما تكنيك الطول أو التضاد في ارتفاع الخطوط، ليحجب الخطوط الأخرى بصياغة دراماتيكية ملائمة فنياً مع المساحة، ومنسجمة مع التعتيم ليحقق التجدد في شخصية واحدة رسما ونحتاً وتكوينا، فيتحول النظر بسرعة إلى همام بحجم كبير، فتتذكر الحسناء والوحش أو بطل قصة البؤساء، وكأنه يرمز للخير والشر وطبيعة الحياة بين الذكر والأنثى إلا أنه يحمل في مفاهيمه الفنية ذكورية يفتخر بها وهذا ساهم في تألق خصائص شخصية واحدة اعتمدها في معرضه كتعريف الخط الواحد الذي سار عليه من " دمشق إلى بيروت" وهو الفخر بالذات التي تحقق انتصاراتها كنقطة واحدة لها مساراتها في عالم الأفكار لإيجاد الشكل الحقيقي الذي نبحث عنه في كل منا، أو هوية خاصة تائهة وسط العتمة والنور.

في لوحات " همام السيد" تلاحظ البيريه أو الطاقية ترافق الرأس كما ترافق الكوفية الملونة الرأس الواحد في تماثلية بالملابس والعصا ، والوقوف والنظر بعين واحدة، وكأن البيئة هي الجمود الفكري المصاحب لحالة الفقر، لتجد نفسك تبحث عن الفوارق، ولو من خلال أزرار القميص أو وضع اليد على البطن أو طريقة مسك العصا. لكنه جعلني أشعر أن اختلاف ألوان الكوفية يشبه اختلاف المذاهب، فأضحكني وأوجعني لفكرة لمستها في تصويراته الغرافيكية، لأنه لامس وجع الشعوب العربية أو هذا ما أوحى لي به همام من خلال معرضه.

تبدو رسومات همام للوهلة الأولى غريبة الأطوار بحركاتها المتناقضة رغم عامل التكرار الذي تشعر به. إلا أنه يحاكي كل أنماط الشعوب حول العالم بشخصية واحدة لها منحى بسيطاً يرتبط بالذهن، فيجعل الحواس تحتار بينه وبين الصورة، وما تحمله من انفعالات توحي بتناقضات تعتمد على الموضوع الواحد واختلاف تعبيراته، فالخوف في بعض الوجوه متعدد الرؤى، فقد يجعل الرأس صغيراً جدا والجسد كبير جدا ويختلف كل ثغر عن الآخر كما تختلف وضعية الأكف على بعضها أو اللعب بحجمها أيضاً

لون أبيض نجح في استخدامه كوقفة موسيقية تجعلنا نشعر بالراحة، لكآبة أو حزن مرسوم على وجه، أو قلق أو انتظار لتتبلور براعته في خلق تعبيرات لعازف عود يخاف على آلته فيحتضنها ويظهر ما طرأ على الريشة من تغيرات، لتنسدل خطوط العين مع الأصابع والشفاه، ويفارق همام هنا البيريه أو الطاقية ليترك الشعر يتحرر وينفلت من قيود كبلته وكأن للموسيقى دورها وللعود وشرقياته وأهمية تجعلنا نتمسك به كما يتمسك هو بشخصيته الفنية الواحدة ذات البعد النفسي مما ذكرني بوجوه رسمها " لوسيان فرويد" .

تتساءل في معرض همام! هل هو فنان سياسي؟ أم اجتماعي؟ أم أن البيئة المحيطة والأحداث التي نمر بها لها أثرها في النفس؟ فهو يشاكس الضوء والعتمة كما يشاكس الرأس والوقفات الموسيقية، ويبرز الأحجام متناقضة أحياناً ومنسجمة وفق المنظور الفكري الذي يريد إيصاله للمتلقي، رغم غموض الفكرة مع تكرارها في أكثر من وجه، مما يترك ثلاثيته مليئة بالفوارق كما يمتلئ الجسد بالفوارق المادية المرتبطة بواقعية تعبيرية لها وجودها الخاص .

تكوين كريكاتوري غرافيكي لا يجعلك تشعر بالملل أو الضجر وأنت تحاول اكتشاف الفوارق في أجزاء تكوينية لها ألوانها الخاصة، والمكثفة بدرجاتها من الأصفر والأزرق والأحمر وطريقته في توزيع الأشخاص مع اختلاف الطول والحجم. بما يتناسب مع حجم اللوحة ومساحتها، فتوزيع الكتل حسب فضاءات اللون مصمم على خط واحد. مما يجعل الأرضيه ككتلة ثابتة لها خطاً افقياً واحداً، وايقاعاً متوازناً نظرياً مع خطوط طول تتناغم مع الحواس.

يقول سيزان:" عملية التصوير الفني لا تعني تنقل نقلا جامداً بل تعني فهم التناسق بين مختلف العلاقات ووضعها على اللوحة على شكل سلم أنغام في ذاته"

وضع همام شخصيته على سلم موسيقى وعزف على تعبيرات الحركة، فنجح في تفعيل ديناميكية جعلتنا نتفاعل معها، وننسجم مع مكونات مترابطة لفكرة فردية أو جماعية أو سياسية. إلا أنه أكد أن الرسالة في الفن التشكيلي هي عنصر يساهم في ترسيخ النص اللوني في الذهن ، وجعل الحركة هي المحور الأساسي في تجانس كل تعبير حر يظهر على الوجه ويترجمه المتلقي.

Doha El Mol