انعكاس الضوء اللازوردي
ضحى عبدالرؤوف المل
تبدأ خطوط التكوين الطبيعية بالظهور فجراً، لتنعكس ألوان النهار مع شروق شمس تلون الصباح بأشعتها اللازوردية القادرة على إضاءة الحياة بنور نهار يجعلنا نرى الجمال الكوني بهياً. فالألوان الطبيعية هي قوة حياتية مضافة للبصر ، لأنها تبلل الحواس بنشوة حقول تتماوج ألوانها ببهجة ربيعية أو خريفية، لتنحني الأزهار كما تنحني الفرشاة استعداداً لالتقاط حبيبات ندى تتدحرج على خدود شقائق النعمان أو خدود الورق، لنشهد على الجمال الحي للون يمتصه الضوء، فتظهر انعكاسات الفن المنظوري المائي الذي يعيد الرؤية لحياة فقدنا فيها رائحة ماء البحر الخالي من ملوثات بيئية، أو تربة قرية هجرناها أو مدينة مسورة بجدران حجرية مغطاة بزهور برية تتألق في لوحة رسمها Fouad Jawhar" فؤاد جوهر".
تنميش ، تبليل، تحديد، تظليل، تلوين مضاعف أو تلوين متوسط، حركة دقيقة لفرشاة تظهر انعكاساتها اللونية التي تجذب النظر، لشفافية قادرة على خلق رؤية فنية طبيعية جعلتني أشعر بحركة زمنية لها موجات خاصة تنعكس على الماء، في لوحة صيداوية وقوارب ما زالت تبحر في مياه هادئة تعكس بريقها اللازوردي الشفاف، كما تعكس العين انطباعها الدقيق والتفصيل الكلي لأجزاء متناثرة ، من أغصان وأوراق وجزئيات لونية لها أحجامها المختلفة نسبياً، وكأن انتقال الفرشاة السلس مع تدرجات اللون هو موج يظهر واقعية المكان في ذاكرته التي نراها على سطح أملس فيه أصالة الحياة.
إضاءة يتعاطف معها البصر، فتشعر النفس بالحنين إلى بحر صيدا إلى تاريخنا الفنيقي المعلق في موجة أمسكت بقارب أبي درويش الصيداوي تحديدا، فالمكان والزمان في لوحة حدد أركانها، كما حدد الأرزة اللبنانية ليعطي لفنه هوية خاصة تجعله يتمسك بتراث بحري له أصالة المكان وهوية لبنان، مما أعطى اللوحة قيمة واقعية لها انطباعاتها اللونية والرمزية والوطنية معاً.
متعة ذاتية لها أسلوبها الفني، ولغة لونية شفافة نتذوقها في لوحات تحمل الأبعاد الإجتماعية، ببيئية ووطنية بالإضافة لجمالياتها الطبيعية التي تأخذك إلى المروج الريفية، والعلاقة الحميمة مع بيوت قديمة تظهر جمالية الريف اللبناني القديم، والحجر الكوبالتي الممزوج لونياً بشفافية رمادية استطاعت إظهار جمالية التكوين الحجري للبناء، ولريشة أعطت انطباعاً بصرياً تشكيلياً يحفظ التراث البنائي المنسجم مع الطبيعة الحرة، إلا أنه ترك النوافذ مغلقة في أكثر من لوحة للإيحاء بالبعد الزمني الفاصل بين ريف ومدينة ، ما زالت بعض أبنيتها تقاوم احتياجات وجودها، وكأنها قارورة عطر في قصيدة نزارية.
تعبير لوني مكثف جمع الطبيعة في أمكنة احتضنت الريف، كما احتضنت الماء ألوانه الرومانسية في كل لوحة عكس فيها الظل وفق معايير فنية انطبعت في مشاهد جمع فيها الظل والضوء، وانعكاس الخطوط في أبعاد ثلاثية لها منظورها الفلسفي المعاكس، ليظهر الفعل وردة الفعل لريشة تتألق حركياً، وتتوحد انطباعيا، وتتحرر ضوئياً، لتترك للبصر لذة اكتشاف هوية لبنانية لها دلالاتها الفنية بحراً وريفاً، فالأبنية التراثية القديمة جعلتني أبحر نحو بيت جدتي المهجور، ورائحة حجر يمنح النفس نشوة عودة زمن عاش فيه الأجداد بسلام .
" فؤاد جوهر" جعلني أغرق قي ألوانه المائية الهادئة التي انعكست على أناملي، لأشعر بفيض من الحنين للجنوب والشمال، وكأنهما قلب لبنان النابض بالمشاعر القوية التي تدمج الرؤية مع الألوان المتناغمة داخل مساحة اللوحة تاركا للفراغ إيقاعه الخاص، لتظهر جزئيات الحياة بين المروج والشواطئ والأبنية، فيلامس الحس التذوقي للمتلقي القادر على الدخول إلى عوالم هندسية تهتم بملاطفة التعبير البصري، والإحساس بالمعنى الانطباعي، ليطرح تساؤلات إنسانية تخلق حواراً بين أزمنة ربطها في لوحاته، وأزمنة عايشناها تاريخاً، مما عكس رؤيته المستقبلية من شاعرية بيئية، وهندسة بنائية قديمة تحتاج لترميم لأقول مع نزار قباني : " بوابة صغيرة من الخشب تنفتح، ويبدأ الإسراء على الأخضر، والأحمر، والليلكي، وتبدأ سمفونية الضوء والظل والرخام"
سمفونية في كل لوحة أنيقة وضعتني في ازدواجية ذاتية وموضوعية أو انطباعية وواقعية وجعلت من التذوق الفني متعة لها يقينها وحدسها، فحب الجمال هو سمو وجداني له روحانية تبعث النشاط في حواس قادرة على الإبداع المفعم بقوة شعور يحافظ على قيم فنية ابداعية، مائية لها صفة حياتية تضج بالعاطفة والمشاعر الخلاقة التي ساهمت في تشكيل لوحات نثرت ظلالها بصريا على رسومات حافظت على رموز بيئية طبيعية جعلت من النوافذ المغلقة ما يشبه القرى المهجرة التي تختال الشمس بين زواياها، لتحتضن كل لون عتيق تغلغل بين الحجر والحشائش.
يقول جبران خليل جبران: ولا الفن بما تسمعه بأذنيك من نبرات وخفضات أغنية، أو من رنات أجراس الكلام في قصيدة، أو بما تبصره بعينيك من خطوط وألوان صورة بل الفن بتلك المسافات الصامتة المرتعشة التي تجئ بين النبرات والخفضات في الأغنية، وبما يتسرب اليك بواسطة القصيدة مما بقي ساكتاً هادئاً مستوحشاً روح الشاعر وبما توحيه أليك الصورة فترى وأنت محدق إليها ما هو أبعد وأجمل منها."
معرض " فؤاد جوهر" هو استرجاع منظور فني لطبيعة حافظت على سلامتها وفطرتها، فجعلت من انعكاس الضوء حركة جوهرية لها ظلها وعناصرها التشكيلية من أحجام لها أبعادها الفنية، وحوارها الخاص، فهي تدل على تمسك الفنان بملامح ريفية لبنانية متغلغلة في ذاكرته الزمنية ، وفي لوحات تحمل تقنية الألوان المائية التي وظفها في خدمة رؤيته الفكرية المرتبطة ذهنيا مع المخزون الهندسي ليترك انطباعا حسياً أن هوية لبنان في ريفه وبحره، وفي ذاكرة كل لوحة رسمها واستمتع فيها باللون اللا زوردي وانعكاساته. فهل من حبك لوني شفاف ينسجم مع الخطوط والمساحة ودرجات السطوع الضوئي؟
تتسم قدرات الفنان " فؤاد جوهر "بالأداء المرن المرهف حسيا، فهو يجعلنا نرى ما ورائيات المشهد الطبيعي. الملتقط بإحساس مرهف ودقيق، وذاتية تحمل عبق الطبيعة اللبنانية، لنستمتع معه بصريا في الجبال والسهول والبساتين المزهرة، والبحر والمدن، فألوانه الكريستالية تتوهج كلما تأملتها لأنها تنتج تفاؤلا، وإشراقة روحية نتأثر بها ذهنيا، فعزفه السمفوني على عناصر الطبيعة الخلاقة، يجعلنا نستمتع بإيقاع كل لون ودرجاته. ، مهما اختلف طولها وسطوعها، فالمساحات الممتدة المتوازنة الأبعاد تمتلئ بالحيوية، وتنسجم مع رؤيته الفنية الواقعية والتأثيرية، وتتناغم مع انفعالنا وقدرة تطويعه للخامات الأساسية.
الحقيقة نجدها دائما فطريا في الطبيعة ، فمقاييسها الفنية تسحر اللالباب، كما أن الفرشاة في أنامل " فؤاد جوهر" تستمد من الطبيعة حركتها المائية السابحة على قماش يزهو ، كلما تشكلت عليه الأحجام والكتل ، فالتنميش في لوحة " روضة النور " يضفي رونقا هادئا مختلفا عن الحقيقة. إلا أنه ترك الظل يتفاعل مع اللون، فيلغي ألوان الجذوع الطبيعية، ويحولها رمادية أحادية ، وكأنه باللاوعي يريد أن تبتعد الطبيعة عن التلوث البيئي، فالواقعية ما هي إلا فن بصري له أصوله ومفاهيمه. لكن حين نؤمن بنهج المشاعر الإنسانية الجمالية. تصبح الفرشاة هي العنصر الرومانسي الصادق المعبر عن قدراتنا المختزنة جماليا.
يرفض الفنان " فؤاد جوهر" التصنع ويركز على التصوير الدقيق والمنظور الانعكاسي الاستثنائي، الملتقط غالبا في الفترة النهارية الوسطى للطبيعة البكر، وكأنه يراها مخلوقة خرجت من نفسه، بألوانها المتحررة من ذاته، لتدخل حواسه ، ويمنحنا الجمال عبر مقاييس تتخذ من الزاوية انطلاقة رحبة كما في لوحة " روضة النور "لأن البصر يبدأ من زاوية واحدة ، ليكمل امتداده عبر المساحة الكلية، المزينة بخضرة مفروشة لزهور صفراء تمجد الحياة ، وتبتعد عن رمادية لها أبعادها ومفاهيمها الفنية .
في لوحة " أحلام الزيتون" نظرة درامية تؤسس لتساؤلات عند المتلقي. هل يقصد الفنان" فؤاد جوهر " أن شجرة الزيتون مهجورة في لبنان؟. فالظلال اللونية تمتزج مع الأخضر، ليقترب من البنفسج الشفاف القريب من الرمادي، مع اخضرار تركه بين الغصون بلون مكثف وسماكة تقترب من لون حبة الزيتون. بينما ترك الأرض مفروشة بزينتها الربيعية، لتصوير مشهد حي تكسر الضوء فيه ، وتظهر كالمرايا المهشمة ، وخلفية تؤطر اللوحة وتجعلها منفردة جماليا، وكأنها قطعة أرض في عزلة بعيدة عن يد الإنسان. في هذه اللوحة تبسيط لوني ومعاني واقعية . حاول تحسين مظاهرها. إلا أنه نقلها إلينا حركياً وبصرياً، ليغرس ريشته في عمق اللوحة واتساعها، ويتركنا في نشوة بصرية نفرغ من خلالها شحناتنا السلبية.
ألوان تمتزج بحرية مع ريشة ، كراقصة باليه من ليونتها يتولد الإيقاع ،لأنه في لوحة " ذاكرة الشمس" ترك الأبيض يتماشى وينسجم مكتملا بتوأمة مع لوحة " الدرب الأبيض" فجذوع الأشجار المجدولة. أظهر تفاصيلها بدقة، كما ترك اللون الأبيض ، كوقفات تستريح فيها الريشة من ضربات منسجمة مع الإيقاع . قبل ان تبدأ الخطوط سمفونيتها المتناقضة ليرقص البصر مع الخطوط ،والبقع البنفسجية الزاهية التي تميس في لوحة طغى عليها التنميش، كما برزت الموجات المسطحة في " لوحة عطش لاخضرار العين" .
لا ينقصك في معرض " فؤاد جوهر " إلا الهواء الطلق لأن شقائق النعمان تكاد تتارجح يميناً ويساراً، فاللون الأصفر يعكس فراغات اللون الأبيض، وكأن البقع اللونية هي أشكال هندسية بصرية ممزقة . يؤلف منها لوحة أرابيسك طبيعية، يتجنب فيها لغة السرد اللوني مع وحدات فنية وفواصل فراغية نسمع من خلالها مقطوعات موسيقية، وكأنه يكتب بالريشة القصائد الشعرية المنسوجة بعناية فائقة . تاركا الأحمر يتراقص شوقاً مع نغمات ربيعية نكاد نسمعها، فلوحة " شقائق النعمان تتميز بالهدوء وبنسمات ذات تراكيب طبيعية رومانسية تحول المشهد إلى كتلة يصعب تفكيكها، رغم أنه يفصل اللون فيها، ويجمعها بالتنقيط الأسود الظاهر بصرياً، ليمثل رؤية ما زالت عالقة في الطبيعة وتظهر في كل موسم . كما في مواسم معارضه الطبيعية الغارقة بمادة الأكواريل الشفافة والدقيقة في استعمالها.
تأثيرات بصرية ينطلق الضوء منها ، ليشكل تأثيرا تختلف معاييره من لوحة إلى لوحة . كما في لوحة " فرح الربيع" ولوحة " الربيع الدافئ" ففي لوحة " فرح الربيع" نرى الضوء يتعثر ليترك انعكاسه على الحجارة وجذوع الأشجار ، وكأن الربيع الفرح يخرج رغم كل المؤثرات البيئة في النماذج الطبيعية المصغرة ، داخل لوحة تتطابق فيها الألوان. في ثنائيات بصرية تجعلنا نلاحق اللون الأحمر ، كما نلاحق اللون الأخضر. إلا أن للرمادي لغة خاصة في كل ربيع نحتاج فيه للفرح. كما نحتاج لزهوره المتسلقة ، والتي ترتفع كخطوط عاموديه. تترك شقوقاً سوداء يستريح النظر فيها . لينطلق البصر في حركة مع لون زهرة النفنوف البرية. بشكلها الشمسي الدائري الممتع ، فالهدوء في هذه اللوحة يجمع الصخور مع الزهور، والخطوط الصفراء المتعرجة. الشبيهة بالخطوط الزمنية الخريفية الفاصلة بين إعمار الطبيعة، والأماكن من حيث اختلافها المرئي والمبطن، ما بين العين الظاهرة وعين الحواس المدركة، لقيمة الحركة الزمنية الدوارة وبقاء الأمكنة المتغيرة.
أبيض ذو حبك لوني شفاف ينسجم مع الخطوط والمساحة ودرجات السطوع الضوئي. المتغلغل في الأسود ضمن لوحة " انتصار الطبيعة" وكأنه يحمل مفاهيم الخير والشر ، ويفصلها بشقوق بيضاء يتسرب منها الضوء عاكسا الضياء على الألوان ، فنرى اختلاط الأسود والأبيض المتشابك في قسم منها ، تاركا للأسود فرصته الحيادية، لينموقبل أن يزهر الأصفر، ويقترب بدلاله ليجمع الخير والشر في انتصار ضوئي يتمدد مع كتلة بيضاء ما زالت تحمل الواناً سوداء متكسرة.
يواكب " فؤاد جوهر " في معرضه الفني أغوار اللون المخفي داخل عوالمنا البصرية ، لنشعر بأهمية الطبيعة في تأطير اللون، وحدود موجاته اللامتناهية ، كموسيقى تثير حرفية ريشة تصغي لهمس الطبيعة، فتسكب من نورها أفقيا، وبشكل تدريجي ألواناً تحمل مفرداتها الشعرية المتسعة الرؤية، وهي تختصر الأخضر. تاركة للزهر المركب موازينه الخلاقة، وكأن الألوان تتناغم تجريديا، وتنفصل عند كل خط وهمي بدأ بنقطة يتلاشى الضوء عندها، وتكتمل عندها لوحة " مساكب النور" عند ريشة وقلم، ولون وخط، ليتغنى المتلقي مع " فؤاد جوهر" كما تغنى إيليا أبو ماضي في قصيدة الطبيعة " روض إذا زرته كئيبا..نفس عن قلبك الكروبا.
Doha El Mol