مائيات في عين الشمس...

ضحى عبدالرؤوف المل

تتداخل الألوان عند الشروق في إطلالة تبهج النفس، لنتلقى الضوء وفق قياسات هندسية، كونية تقود الحس إلى الاستيقاظ الجزئي ومن ثم الكلي، فتقسم الشمس قوتها الضوئية إلى مراحل تجعلنا نشعر بجمال ميلودرامي تعبيري، لقوة التأثير الضوئي على الأرض المرتبط بحيوية الوظائف الحسية، التي تتأثر كلياً بالشروق والغروب، وكأن استحضار الموت يحتاج لطقوس ذات أصول تبدأ من الشروق أو الولادة وتنتهي عند الغروب أو الموت، فلسفة وضع لها" محمد شمس الدين " هوامش هي الفكر الأساسي لكل لوحة تمرح مع اللون. ليتوازن الموت مع الولادة، وتتجرد الحياة من آلامها وأحزانها.

حوار لوني جدلي، يرتبط بالموضوع، ويتفاعل مع الرؤى والأفكار المتعددة التي يتركها "محمد شمس الدين" مركبة، وأحيانا يفصلها لتتبلور حسب ملامح الشكل الذي يرسمه، وكأنما يستلهم من الطبيعة قوة البناء المحكمة التي تتألف منها الخطوط الرأسية والأفقية. بشكل ديناميكي حركي يجعله ينتقل من موضوع إلى آخر في لوحة واحدة ذات تعبير ذاتي، داخل كيان واحد يحمل إيحاءات رمزية لمعاني انفعالية تستمد أحاسيسها من خبرة ثقافية، فيتذوق الحروف والقراءة، كما يتذوق اللون وانعكاساته، ليتكون الشكل الجمالي من خلال خصوصية الوعي العقلي الذي يتميز به الفنان "محمد شمس الدين" وكأنه يبحث عن صوفية شعرية تحاكي "دانتي" كما تحاكي" أبو العلاء المعري" أو "الحافظ الشيرازي" وكل هذا في فن تشكيلي بصيغه من خلال الألوان والطبيعة التي ترمز إلى الفطرة والصفاء والتأمل.

الهام فني يستمد تعبيره من الطبيعة الخلاقة التي تثيره فنياً وجمالياً، فيدمجها في كل موضوع لتلتحم بجزئياتها داخل اللوحة، وكأنه يجمع العناصر كلها في عمل تكويني موحّد، لكنه أضعف من الطبيعة التي يتركها تتكلم، لتتفوق على الإنسان وقوة تعبيره، وكأنه يقول لنا في معرضه "مائيات في عين الشمس" إن للطبيعة قداسة ذات حيوية تنبض خلقاً يعجز أمامه الإنسان ولو بلغ أرقى المراتب الفنية، فقدرات الطبيعية اللونية والابتكارية هي التي تستطيع إنتاج لوحة في كل ثانية زمانية، ربما لا تحتاج لفرشاة ولا إلى قماش، فخاماتها بسيطة جدا ومنبعها الروحي يكمن في وجود الإنسان الذي يتفاعل ويتناقض معها، فيذكرنا محمد دائما بأفقية خطوطه بالأرض التي تنبسط للإنسان وهو من يستحضر الموت بسلوكياته، لأنه يلوثها بيئياً ويتركها لكنها تعيد توازنها فطرياً من أجله.

فلسفة إنسانية أعجبتنيلدين حملها "محمد شمس الدين" في معرضه، وكأنه طفل يحمل إيقاعات نبات قرع ينبت في الأرض، وله صوت الطبيعة التعبيري، الذي يشبه صوت مراسيم الولادة والموت، ليستريح إيقاعياً، فيشطر اللوحة إلى نصفين أحيانا، وكأنه في تماثل متوازن يشبه الإنسان يميناً ويساراً ، مضيفا إلى اللوحة ميزة خاصة.لتنسجم العين مع وحدات اللوحة الواحدة، فترتبك الأحاسيس البصرية التائهة بين الأصل والهامش، لنكتشف أن الجمال هو في كل نص حقيقي ندركه ونفهمه في الحياة.

فلسفة تجعلك تنسجم مع كل لوحة ترك خطوطها العامودية تخلق الوعي بشكل ًمتجدد مع الفراغ ، فيتركه للمخيلة لتلعب دورها البارز في الفن التشكيلي الصامت الذي يشبه صمت الطبيعة الخلاق ، فيدمج التعبير البصري مع التعبير السمعي ليحقق المقارنة بين الظواهر الإنسانية والظواهر الطبيعية وتفوق قوة الأرض والبقاء، لخارطة ما زلنا نبحث عنها سياسياً وثقافياً، ووجودياً رغم الاختلافات الفكرية والعقائدية التي تتكون منها خارطة الوطن العربي، الذي يتداخل كما تتداخل العناصر التكوينية في لوحة واحدة لها أكثر من شكل وأكثر من مضمون. والتاريخ واحد هو تاريخ عربي تائه، وضعه في رمزية تعتمد على اللاوعي في محاولة فلسفية لونية هي بمثابة الجذور الحقيقية للطبيعية التي حولها بقوة السحر إلى إحساسات في بناء صورة لمفاهيم لها ردة الفعل الخرافية، وكأننا نحتاج لمعجزة تاريخية تحقق الجمال الحقيقي، فوضع خارطة لقسم ناصور لتحقيق الحلم المستحيل ." بحق النار والنيران والبرد والوهجان وكفتي الميزان وطلعت الشمس البهية وتشعشعت والقمر الهابط.."فهل نحتاج فعلا قوة سحرية تنفض عنا اليأس وتحقق الحلم العربي من خلال تمتمات يبحث من خلالها عن التحرر الذاتي؟.

استطاع محمد تحرير الدوافع التعبيرية من خلال اللون والخط، والمساحة والفراغ ليترك بضع كلمات تفتح مغاليق كنوز الحياة، ليتوجه إلينا بفرشاته الذهبية التي تكتب كالقلم الأماني التي نعجز عن تحقيقها. ربما ليعود يوسف إلى أرض كنعان أو لإيمان نحتاج إليه، أو ليرسم خرائط العودة مع فك طلاسم سحرية، والارتفاع فوق الرمزية ليترك الخط كمفردة لها معانيها ودلالاتها الروحية من دمج السماء والأرض تعبيراً عن تجربة روحية لها قوة بصرية في عين المتلقي، كتلك العين الخرافية التي ترمز للحسد، والخير والشر في ثنائية ذات أبعاد تاريخية ودينية حتى بوصف النعيم والشقاء، ليرافقنا اللون البرتقالي المركب في أغلب لوحاته التي تضج بالسرد التجريدي الصامت وبالعشق الصوفي لترجمان الأسرار ولروح الطبيعة الخلاقة، فاللون الأخضر امتد في أكثر من لوحة كما امتد الظل في تدرجاته الداكنة ذات التأثير الجمالي لمسار حركة العين.

توازن وتباين وشرود للمربع الموجود دائما ضمن إيقاع حافظ عليه جمالياً. كما حافظ على الخط الذي يرمز إلى كل قديم من قصائد وغزليات ومن عشق في مربع ذات إطارلوني مكثف ، ومحاطاً بخطوط أفقية وعاموديه ومائلة. ليتركه معلقاً في الفراغ، وكأنه الفصل البرزخي بين الجنة والنار أو كأنه نعش العشق أو آية الكون الأولى التي تجعلنا نتواجد في طبيعة لها قدراتها الجمالية، لكن وضع كل ذلك في ألوان تناقض الطبيعة وتعكس الإيقاع، لتجعله في سمفونية تختلف نوتاتها عن المألوف، ليتردد مع صدى الحروف المكتوبة في كل لوحة رسمها وصاح معها "ربَّ لحدٍ قد صار لحداً مرارا..ضاحكُ من تزاحم الأضداد.

قدم محمد في معرضه نسقاً حداثياً يرتبط بالوزن والإيقاع للكلمة التي جعل منها جزء من عمله، ليختزل الفن في ضربات ريشة تتحدى المساحات، وتلتقط النقطة دون أن يلغي الخطوط، وكأنه يكتب قصيدة التفعيلة، ليبرز العلاقة الجمالية بين الروح والطبيعة، بين الإيمان والإلحاد، وصراع النفس التي تستحضر الموت والولادة في الكلمة والخط، وفي اللون والشكل الهندسي .

Doha El Mol