فرنسوا لامور وفن عشوائي ملامس للحواس
ضحى عبدالرؤوف المل
تتزامن الأحداث الكونية زمنياً في أمكنة متعددة ، منفصلة فضائيا عن كل مساحة فراغية يتشكل فيها اللون المقترن بحركة الضوء وانشقاقه عن الكتلة ، فتوأمة الخطوط يعتريها أحياناً الانضباط الحركي المتقارب والمتجانس ، لخلق تكوين رباعي الأبعاد، فتختلط ظواهر الأشياء بصرياً لإظهار البعد الجمالي المتشابك في نسق بناء صورة متعددة الأركان . أو العناصر الفنية الرؤيوية القادرة على تشذيب البصر، ليحاول فك الأفكار وتحليلها منطقياً وفق مفهوم متزامن، وكأننا نستمتع بالخسوف والكسوف ، لنكتشف الحركة اللولبية الدائرية التي تعيدنا إلى نقطة الصفر ، أو النقطة الفراغية في اللوحة الشبيهة بحركة الأجرام السماوية ، وما إلى ذلك من تقلص وانكماش، ومن ثم امتداد وتلاشٍ، فيشعر المتلقي أن هناك صوراً يلتقطها، ومن ثم تختفي قبل أن يعاود النظر أو التحديق فيها مرة أخرى، وهذا ما جعل " فرنسوا لامور" ينغمس في تزامنه العشوائي. لتتأثر رسوماته بثورة نسبية توحدت مع فن عشوائي يلامس الحواس ذهنياً وبصرياً ، تتزامن فيه الحركة مع الخطوط والشكل اللانهائي.
رمزية ثنائية تتشكل منها مفاهيم الضوء والعتمة ، والليل والنهار، والظلام والنور عبر ذبذبات خطوط متماوجة تحصر اللون، وتترجم السطوح الاستدلالية فيزيائيا، ليطبع المشهد الوصفي والعلمي بإتقان جيومتري يعيدنا فطرياً إلى مفاهيم كونية ، تثير المخيلة القادرة على تحريك العقل وفق قوانين وضعها" فرنسوا لامور " Francois Lamora بفطنة فنان. يترك كل متلق بحالة ذهول مختلفة، وهو مملوء بعصف وجداني يحاول من خلاله تحليل موجات الضوء المنبعثة من الفواصل الفراغية التي تقود الحس الإدراكي إلى اليقين المتعدد الجوانب. من حيث القدرة على توحيد الزمان والمكان في لوحة ساكنة كالأرض، وكل شىء فيها متحرك الأحجام والأشكال ، والخطوط والألوان ، فالاتجاهات المختلفة الخطوط المتداخلة تتكافىء مع الحزم الضوئية المدروسة فنيا ، مما يؤثر على المخيلة الناشطة التي تتأمل رسومات " فرنسوا لامور" الباحثة عن الحقائق داخل الخطوط المستقيمة والمنحنية ، واللولبية معتمداً على النسبة الذهبية ، وسرعة انتشار الظل خلال درجات اللون المعتمة والمضيئة، والطول الضوئي المرتبط بالأبعاد الشاقولية المتقاربة داخل الفضاءات الزمكانية.
حواجز لونية تحدد انتشار الضوء وتؤثر على الظل ، فتتقارب النسبة وتختلف مكونة بذلك من أنصاف الظل المحدود والظل الممدود ما يرتسم من المخيلة ، مما يجعلك تشعر بالسكون بعد تأمل، وبميلان الكتل المتداخلة مع بعضها البعض بشكل متناسق ومنسجم مع العشوائية البصرية غير محدودة أحيانا ، ففي لحظات اقترابك وابتعادك عن اللوحة تشعر بدوامة الخطوط والألوان تصغر وتكبر بدرجات انتقالية بين الظل ، وضمن رؤية إبداعية لها إيقاعها البصري المنسجم مع الملمس والفراغ والكتلة، واللون والشكل والخط، والمساحة والفواصل الضوئية التي تحقق عرضاً تتجانس فيه الأفكار بتضادها ما بين المضمون الداخلي والخارجي. ليحقق التوازن جماليا أثناء التحليل الذهني. لرسوماته الإبداعية والموسيقية .إذ يمنح المتلقي إحساساً استقلالياً، ذاتياً مقترناً باللاستمتاع الناشىء عن المقاييس الجمالية، فتبدأ النفس بنشاط حركي تفاعلي يحاول العقل بعدها تحديد الزمان والمكان، لأحجام وعناصر تمتد فيها المساحات والخطوط المتحاورة والمتجاورة دراميا ، من خلال نقلة نوعية يصور من خلالها النضج الفني الشبيه بنضج الأنثى اليافعة داخل محارة اللوحة، وكأنها فراشة لا تكتمل إلا حين تكتشف ذاتها وتترك سر تكوينها جامداً ، فهو يشبهها بالحشرة اليافعة التي تجعلنا نستمتع بمراحل اكتمالها وخروجها بشكل ذهني وعقلي وجمالي . تاركة قشرتها الخارجية تعكس صورة موتها الحي بعد أن تحولت من جماد ثابت إلى حركة نشطة تتفاعل مع مثيرات الحياة من ضوء ولون وجمال ، وهذا نراه في نحت قدمه، وكأن منحوتة اليافعة تشبه قبضة يدين متشابكتين . أو كأن الذكر والأنثى هما كتلة واحدة متماسكة خرجت منها أنثى يافعة مكتملة الجمال بينما بقي الذكر على شكله البدائي للخلق.
خطوط أفقية ذات بعدين تحصر المحيط الداخلي والخارجي للشكل الأثيري، ليصف كينونة الإنسان وارتباطه بالمتغيرات الخارجية للكون، والمؤثرة في مزاجه النفسي أحياناً . مظهراً حلزونية تلتف مشكلة صراعات لا نهائية فكريا ، لأنها تنطوي على كوابيس نفسية يتصارع معها الإنسان بشكل ملولب مرتبط بالمجرات وعلم الفلك، ليحول الدائرة في رسوماته حلزونياً، محققاً نقطة جذب متوازنة ومتوالفة في تباينها اللوني المؤلف من عدة أشكال هندسية موجودة في البيئة الطبيعية، التي تعطي إحساساً بالقيمة الفنية البعيدة عن الروتين والتقليد المنظم، والقادرة أن تستحوذ على فكر المتلقي ، وقدرته على التذوق المؤدي إلى إدراك قيمة اللون والشكل ، والحركة والنوازع النفسية المؤثرة على الشكل الفيزيائي ( الكتلة داخل الكتلة) والأبعاد الثلاثية ( الطول والعرض والعمق).لتحريض الحواس وحثهّا كي تبحث عن اللون وطوله الموجي والضوئي. إلا أنه في أغلب اللوحات ترك لفيزيائية الجسد القدرة على الانعكاس الشفاف للمزج بين الواقع والخيال، والحقيقة والكابوس، وهذيان رؤية مرئية تنخفض شدة الوضوح فيها وترتفع بيولوجيا، وكأنه يعتمد على التشريح الفني للفكرة وإثبات متغيراتها قبل وضعها على القماش أو الورق.
تمايز تجريدي متلائم مع الهندسة الذهنية الواقعية والخيالية ، فضلا عن النشاط الحركي البصري المرتبط بالأساليب المعرفية، التي تميز أفكار " فرنسوا لامور" المتضمنة تساؤلات عن ماهية الحياة، وكيفية تنشيط جمودها بمرونة تفرض كفاءتها الذاتية، لإظهار الشكل المادي الجامد وتحويله إلى متحرك أثيري ، وهذا يعتمد على القدرة التكنيكية في ربط الظواهر الكونية بالإنسان، فالمثلث المخطط بكثافة بالأبيض والأسود يشبه المثلث المستحيل، لخلق خداع بصري يريد تحقيقه على القماش، ومن خلال لوحة نتمكن من خلالها رؤية الحقائق الثابتة في البناء الدقيق، فالمرأة هي الحقيقة المطلقة في الوجود، لأنه جعل منها وحدة قياس ثابتة لحركة الطيف الروحي ، ولشحنات تترك الكوابيس يقظة نشطة من حولها، وكأنه في حالة تأثيرية ميتافيزيقية لها أبعادها وآفاقها الفلسفية، فالتزامن العشوائي ما هو إلا ترتيب نحصل منه على ثوابت منطقية لجدل فني يقدمه، كحجج تعتمد على مبدأ التكافؤ بين الكتلة والمساحة، والضوء والفراغ، فتغيرات الكتلة الزمنية لا نهاية لها، ولهذا حدد سما كة الخط لتظليل الأجساد المادية وتركها في فراغات تندمج فيها الأبعاد الأساسية مع الخصائص الذاتية ، والثوابت الطبيعية التكوينية التي تتركنا في دوامة رسمها تعيدنا إلى البداية من جديد.
معادلات فنية تشكيلية فرضت ثوابتها فيزيائياً رياضياً وبيولوجياً، دون أن يترك للبصر ثغرة تفقد فيها الحواس قوة الاندماج، والتحليل المنطقي عقليا لكل خط وحركة، وكل ضوء ولون بحيث تصبح التأويلات مفتوحة علمياً على لوحة فلسفية تؤكد على نظريات متعددة هندسياً ترتقي بالإنسان فكريا، وتضفي عليه صفة أحسن تقويم.
Doha El Mol