بساطة في الشكل مع هندسة عميقة فكرياً
ضحى عبدالرؤوف المل
اندمجت الأشكال الهندسية الكلاسيكية وفق إيقاع رتيب له لغة تعبيرية رغم الأشكال المشطورة إلى نصفين، والمألوفة بصرياً في الفنون التشكيلية، لكن " غاي لكلرك" اعتمد على ابتكار رؤية تجمع الواقع والخيال في لوحات توازن بين الحركة واللون، وبين الثابت والمتحرك، وبين الضوء والعتمة ، لتنطق بتناقضات كوريغرافية ترسم ظلالها مجموعة دوائر تشبه القمر، وتحقق انعدام جاذبية يشعر المتلقي من خلالها أن لوحات " غاي ليكلرك GUY LECLERCQ تسبح كونياً، وتتفاعل مع الكواكب الأخرى، قبل أن تؤثر عليها الألوان السالبة والموجبة مؤلفة كتلة أكروباتية متزنة هندسياً، ودقيقة بصرياً في فضاء يتميز بطابعه الهندسي الإيقاعي المتحكمة فيه أنامل تحقق القيم الجمالية المرتبطة إيحائيا بلونين أبيض وأسود.
دوائر ومربعات ومستطيلات تعاكس بعضها بعضاً، وتنسجم تصميماتها مع رؤية العين، فتشعر كأنها في حركة بشكل دائري، ليدرك البصر خدعة المستطيل في الصعود والهبوط بين شقوق الخطوط الفاصلة ، مما يؤثر على الخيال الإبداعي، ودقة الملاحظة للأجسام المتماسكة وأبعاد خطوطها الهندسية ، والحركة التعبيرية الدورانية توحي بانتظام ساكن، لكنها متحركة على كل خط مستقيم أو مائل ، مما يعطي جمالية أناقة وإيحاء باطني للشكل البشري وتناغم ( المرأة والرجل) ولكن بلغة المتناقضات الهندسية المرنة.
يقول الكونت بالداسار كاستيلوني:"إن الرجل الحكيم يجب أن يعرف كيف يستعملها، ثم بالمقارنة الملائمة، كما في حالة الأضداد، أن يجعل الفضيلة الواحدة تبرز الأخرى، مثلما يفعل الرسامين البارعين الذين يؤكدون بواسطة الظلال أضواء النقوش البارزة، كما يرمون الظلال على المسطحات بواسطة الأضواء، ويوزعون ألوانهم بحيث يظهر جمال كل واحد منها لتضاده مع الآخر، ويتصرفون باتجاهاتهم بحيث أنّها عن طريق تنوعها تستطيع أن تتعاون على إحداث التأثير الذي يريده الفنان لها."
توظيف ضوئي يتزامن مع الظل المنبعث من الأبيض الشفاف المشع، والأسود المرتبط بالوجود الامتدادي للخط المتقاطع، فتشعر بالسكون والتلاشي، ليوقظك تضاد آخر للون داكن يظهر جمال اللونين ، وبروز الأشكال بوضوح مع اللون المحايد لرمادي يجرد الأسطح لثوانٍ بصرياً، فيزيد من جمال لون أبيض يمتد ويسيطر على الأسود، فالصيغة الماورائية للونين الأبيض والأسود تحفز الذاكرة للتفاعل مع تشابكات الأشكال الهندسية ، والخدع البصرية الضمنية التي تولد انطباعات حسية تحركها نغمات إيقاعية، تنظمها الوحدات الفنية، وتحقق الترابط والاتزان من خلال الخطوط والحجم، والنقطة السابحة في مساحة اللوحة ، فتحاول أن تبتعد قليلا عن اللوحة ومن ثم تعيد تشكيلها ذهنيا بما يتوافق مع الحركة.
أبعاد ثنائية تبتعد وتقترب عن مصدر الضوء، فيبرز الظل كخيوط ليل بدأ أو فجر انزاحت عنه العتمة، فالملمس البصري يجعلك تبحث عن ماهية المادة وتشكيلها داخل الوحدة الفنية، فيعمل على تحريض البصر أكثر، لتكوين الشكل المناسب لكل متلقٍ، فالتأثير اللوني المزدوج للأشكال المسطحة له عدة جوانب سيكولوجية مرتبطة تقديريا باللون والحركة وتنظيم مساحة اللوحة المدروسة فنيا ، مما يضفي على الذوق متعة قبل أن ترحل من الواقع إلى الخيال في فضاءات " غاي لوكلرك الحسية التجريدية، مما يؤثر على الإدراك الذاتي لمطابقة الأشكال واقعيا وخياليا ، بما يتناسب مع خصائص النغمة اللونية، ووحدة الخط رغم شفافيته وفواصله.
تباين منظوري وتحريض بصري تجريدي، وإيحاء حركي متناغم للأشكال الدائرية الشبيهة برقائق زجاجية تختلف باختلاف الشكل المجاور لها، مما يزيد من حيوية اللون الأسود المثير للانفعالات، وهذا يخلق أشكالاً، وذبذبات تتبع المتغيرات المصاحبة للإيقاع اللوني الثنائي المُتشكل داخل الفراغات المتكونة في الظل، فالابتكار تقليدي كلاسيكي إلا أن " غاي لوكلرك " أضاف صوراً فنية لها أنغامها الوجدانية العميقة في النفس والبصر والبعد الحركي ( لليل والنهار، والذكر والأنثى، والسماء والأرض،) وكأن اكتشاف الواقع هو خيال يمتد من فكر الفنان وقوانينه الخاصة وقوة تعبيره وتخطيطه للعمل الفني، فالتجاذب والتنافر ومرونة الأشكال، وقساوتها تبحث عن الانسجام بين الأشكال الظاهرة في الفراغ في كل لوحة ثنائية الأبعاد أو ثلاثية الأبعاد.
أسس علمية فسيولوجية انطلق منها" غاي لوكلرك " لتحقيق الفن التعبيري في المفهوم التجريدي الهندسي، ليخلق أبعاداً فنية بشكل عميق وبدلالية بصرية مرتهنة بالمقاييس، فيصوغ أشغاله وفق أبجدياته المبتكرة، والفراغات المتكونة بين بعدين، ولونين ، وشكلين وهذا ما يثير التجدد في لوحات مساحاتها توحي بالبعد الحركي لأشكال سابحة في فضاءات لوكلرك الخاصة.
بساطة في الشكل مع هندسة عميقة فكرياً، وبحث عن شكل جديد يتكون في كل فراغ له أبعاده الخاصة والظاهرة بين الأشكال، فالخطاب الفني مع الذات خلق حوارات جذب للمتلقي، وساعد على خلق حس فني بالمسافات بين اللون واللون، وبين الحار والبارد ، والإيقاع الحركي للدائرة ، وتفاعل الضوء معها، فتتساءل ماذا يريد لوكلرك؟..إظهار الفضاء الخارجي؟..أم إظهار الأرض ومن عليها من خلال الدائرة والمربع والمستطيل، والأشكال الأخرى التي تعكس رؤيته الممزوجة ببصيرة تخلق مكوناتها وخطوطها وفق أبعاد تؤكد أن من كل شيء في الحياة ذكر وأنثى.
أعمال تأخذك إلى عالم الأبيض والأسود، فترغب بإعادة تشكيل اللوحة مجدداً وفق رؤيتك الخاصة، وكأن الأشكال المرسومة في اللوحة هي أحجام منفصلة ( بلوك لوجيك) ترغب اللعب بها لتطويعها، وخلق حوارا ذاتياً يتسع ويتضاءل مع الفكرة التي تكونت بعد تأمل فتح آفاق المخيلة أمام روحانية اعتمدت على أشكال هندسية تتفاعل مع البصر، ومرتبطة بالخيال العلمي والمنطق العقلاني النظامي، والمعتمد على تكرار الأشكال وصياغتها رياضيا وفق نظام كوني حركي، وفن بصري ذي طابع هندسي مرن وتباين اللون الأبيض والأسود، والتأثيرات الحسية الدقيقة والعمق الفكري القادر على ابتكار في فن اشتهر به العديد من الفنانين أمثال فازاريلي.
تنسيق شكلي لوني مبتكر في كل أعمال لوكلرك قدمه بمهارة كونت نظاماً خاصا لكل لوحة تميزت بالتباين، والتضاد ، والحركة، وانعكاس الخيال على الواقع في إظهار التناسق والتناغم بين العناصر البنائية، وتداخلاتها الموضوعية والذاتية، والتنظيم الرؤيوي لمسارات تبث السكون والحركة ، ولمحاكاة اعتمدت على الأبيض والأسود، والخطوط المتصلة والمنفصلة بينهما، مما حقق الإيهام الحركي لعمل أبدع في تصميمه وإخراجه وتكوينه النهائي " كاي لوكرك "
Doha El Mol