منظومة فنية جغرافية تعتمد على اللون والادراك والفهم
ضحى عبدالرؤوف المل
ينفصل الواقع عن المخيلة حين تحتل موازين الرؤية الفنية قوة الإدراك داخل الذات، ونفقد حاسة من الحواس الإدراكية، فتتحول الفكرة إلى نقطة بحث ندرك من خلالها قيمة ما حولنا . إلا إن الفكر وانعكاساته يلعب دوراً مهماً، في تحقيق معادلة تولد مكونات، نوظّفها في إنتاج نستثمره ضمن تنمية الحواس وتغذيتها ، ليولد الجمال من الواقع داخل مخيلة تسعى نحو ألوان بصرية. تجعلنا ندرك قيمة الفن والارتقاء بالفكر موضوعياً ، نحو جغرافية الإدراك، وهذا ما توظفه Assumpcio Mateu " اسومبيثيو ماثيو " في أعمالها الفنية، لتقدم منظومة فنية جغرافية تعتمد على اللون والإدراك والفهم . المرتبط باتجاهات الخطوط والهندسة الفراغية، المرتبطة أيضاً بموتيفات اللون، وتكنيك البناء الفوتوغرافي أو ( الكارتوغرافيا الرياضية ) مع لغة فنية تشكيلية تظهر للإنسانية قيمة خطاب الصمت الكوني في الفن المختزل، أو المجرد من الواقع ، والمؤثر على مستقبلات الدماغ الانفعالية والمشاعر العاطفية.
تصورات فكرية تقدمها " اسومبيثيو ماثيو" بلغة فنية تكوينية، فهي تمارس أمومتها على اللوحة، وكأنها ابنة سنوات تنمو خلالها ببطء، وترعاها بالضوء واللون ، والملامسة ، والخربشة ، والتنعيم. من نشأتها الأولى إلى أن نراها بلحظتها الجمالية المكتملة فكريا. محاولة بذلك فهم سر الحياة، والطبقات اللونية الراسخة في الطبيعة المولودة والميتة ، التي تتشكل في تغاير وتباين مستمر ، فتصوغ " اسومبيثيو ماثيو" من اللون أشكالها ، لتوزع الضوء بما يتناسب مع العين الفنية، والحواس الشغوفة بما حولها والعقل الباطن ، لتظهر بواطن الحياة ، وما تمتلكه من أسرار تتجدد في كل لحظة زمنية . ندرك من خلالها قيمة الهندسة الفراغية في الكون، فالأشكال المجردة في أعمالها. تؤلف علاقات هندسية جمالية مترابطة . مأخوذة من الطبيعة لتنقل الأحاسيس التي تخاطب العقل من خلال الخطوط العامودية التي تركز عليها " اسومبيثيو ماثيو" محاورة بصمت الوجدان، العقل الباطن لتملأه بالرؤى والإدراك . محاولة الوصول إلى اليقين الفني من خلال الحياة الكونية، فنسأل في كل لوحة نراها ما سر هذه الحياة الخلاقة؟.
تحاول " اسومبيثيو ماثيو خلق الأفكار المؤثرة التي تعصف بالعقل ، فالأشكال الهندسية اللونية . ما هي إلا الكتل التي نراها في كل مكان داخل المساحات الكروية المسطحة ، وهي تساعد على تكوين مشهد جمالي . يختزل العديد من الشوائب التي تلتقطها العين العادية في الخارج، وتحاول من بعدها العين الفنية. استخلاص المشهد الجمالي، والمعنى الحقيقي والجوهري المراد له الوصول لذهن الإنسان، فالجزئيات المنثورة في لوحاتها هنا وهناك. تظهر الرسم الدقيق للفراغ ، الرياح ، النار ، الماء، الأرض، وهي العناصر الفعالة للحياة ، وللتحولات الطبيعية المتناقضة من حياة إلى موت ، ومن شباب إلى كهولة، ولكن برؤي الحياة البكر الخالية من الإنسان ، فهي في لوحاتها تحاول إدراك ماهية الكون والحياة! من خلال نظرة هندسية كونية تتماهى معها فكرياً ، فتنسجم وتتناغم مع اللون وتباينه، تجاوره ، تحاوره، قياساته، إيقاعه، وتشكّلاته المرتبطة بانفعالاتها التي تكشف عن فكر لا متناه. مرتبط بالكون اللامحدود ، والحركة الزمنية الهائلة في الطبيعة والكون، وكأنها تسرق من اللحظة جزءاً، لترسمها في رؤية لها تفاصيلها الفنية التي تترك أثرها في نفس" اسومبيثيو ماثيو" قبل أن تسقطها على القماش أو الورق ، أو الزجاج وقبل أن تنفذ الفكرة بالوسائل المختلفة من مواد مأخوذة من الطبيعة نفسها ، كالتراب والماء والاكرليك وغيرهم .
تأثيرات مدركة وغير مدركة حسياً . منسقة بتناغم هندسي رياضي دقيق، وبنسب تكشف عن مثلثات ودوائر مختلفة في التظليل اللوني، والبقع المتنافرة والمتطابقة. تاركة للأسود شقوقه وثغراته الفراغية، وللأبيض وقفاته السمفونية، وللأصفر المائل إلى البني اضطرابا. يمنح الإدراك عاطفة مقولبة ومؤطرة فنيا، بمفاهيم حركية أبعدت اللون الأخضر ، وجعلته وفق الأبعاد الزمنية بتواز، وكأنها تضع كل خط بموازاة الآخر ، ولكن ضمن باقة غنية لونياً ومعتمة ضوئياً ، ومنسجمة مع المسافة والطول، والعرض ، والعمق ، والشكل، والحجم ، وخصائص الزمن الجيولوجي الملتقط فيزيائيا ، كرسم توضيحي يعتمد على التجريد والكثافة الثنائية اللونية ، والأبعاد المحاطة برؤية تساعد على فهم طبيعة اللوحة، والرغبة القوية في اكتشاف كل لون واتصاله بالنفس والفكر والإدراك ،وكأنها تفسر من خلال الحركة والقوة الداخلية الدوارة، أو اللولبية الشفافة حسياً ، عن إمكانية الحياة في إيجاد معادلة. تتواءم فيها الطبيعة مع الحركة الكونية، لتمنح " الغابات المحترقة" في لوحتها الحياة مجدداً.
وصف جيوغرافي بصري متناغم مع الإيقاع الحركي، والسطح ، والعمق، واللون، لخلق موجات حارة تمتص الألوان الباردة عن سطوح اللوحة، مما يساعد على توسيع بحور اللون الممتد في فضاءات افتراضية . تمدها " اسومبيثيو ماثيو" بتسطيح يظهر كروية الحركة الهوائية ، وكأن الألوان تطوف حول بؤرة تتمتع بقوة النصوع اللوني، مع مراعاة الدرجات الطولية اللونية ، تاركة الرمادى يتخلى عن حياديته، وينشط مع اللون الأزرق لتتفاعل الكتل بصريا، وتظهر قيمة السالب الموجب، المؤثر فكريا على العقل، ليحثه على التفكر والتساؤل ، والاحساس بالابعاد الزمنية داخل الفضاءات الافتراضية.
أشكال متجددة تجعلنا ندرك قيمة الحركة الكونية الخارجية . غير المنظورة بالعين المجردة ، كما هي مرسومة في لوحات تولد عاطفة ذهنية. تثير الإحساس الفني ، وتخاطب بصمت احترافي إبداعي العقل والوجدان. بمفاهيم علمية وفنية حقيقية وفلسفية . تجرد الخيال وتؤلف حدساً منطقياً، لإدراك كينونة الكون، فيقرأ المتلقي بمختلف مستوياته الخطوط والأشكال كل حسب لغته المرتبطة بالعين الرائية أو العقل، أو عين العقل ، أو العقل المبدع.
يقول الغزالي :" العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها ، بل قوالبها وصورها دون حقائقها، والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها ويدرك حقائقها."
أضافت " اسومبيثيو ماثيو" للأبعاد الثلاثة البُعد الرابع كونيا. يحيط بالمنظور الزمني، وبما يتناسب مع رؤيتها والتغيرات الهندسية ، التي تتجلى بجذوع محترقة ألوانها معتمة ، كخطوط عاموديه تتساوى فيها الفراغات والأبعاد، والألوان المنسجمة والمتنافرة مع المفاهيم الرياضية، وكأنها تحت تأثير بيولوجي تحاول من خلاله حث المتلقي على التفكر المتين بحركة الأشياء من حولنا ، ليدرك بوعي قوة المؤهلات الفنية وتأثيرها على العقل والحواس.
نهاية اندمجت مع بداية أطبقت على الفراغات الفكرية .لتنطلق من نقطة لا أبعاد لها نحو ظلال لونية تلائم رؤيتها ، وقوة الإدراك الهندسي والفكر الكوني اللامتناهي ، وكأننا في معرضها داخل دائرة لا خروج منها، والعقل ما هو إلا نقطة سابحة في فضاءاتها الافتراضية التخيلية محاولة من خلالها إدراك الواقع وتصويره فنياً . داخل مساحة لوحة فنية تشكيلية، تتميز بدقة هندسية . تعالج التفاصيل الصغيرة وجزئيات اللون تاركة للفكر جمع الواقع الطبيعي بالمخيلة الافتراضية ، لندرك قيمة الكون هندسيا من خلال العقل والفكر، واللون، والإدراك.
Doha El Mol